إدامة الاخلاص

 
 
بسم الله الرحمٰن الرحيم
 
﴿وَلاَ تَنَازَعوا فَتْفشَلواُ وَتَذْهَبَ ريحكُم ﴾(الانفال:46)
 
﴿وَقوُمُوا للهِ قَانتِينَ ﴾ (البقرة:238)
 
﴿قَدْ اَفلَحَ مَنْ زَكاها `وَقَد خَابَ مَنْ دَساها ﴾(الشمس:9-10)
 
﴿وَلا تَشْتَروُا بِآياتي ثَمَنَاً قَليلاً ﴾(البقرة:41)
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
 سأذكر ما يزيد سرّ الاخلاص ويديم الوفاق الصادق بين اخوتي الصادقين. اذكره ضمن مثالين:
 
المثال الاول (لإدامة الاخلاص):
 
لقد اتخذ ارباب الدنيا (الاشتراك في الاموال) قاعدة يسترشدون بها لاجل الحصول على ثروة طائلة او قوة شديدة، بل اتخذ من لهم التأثير في الحياة الاجتماعية – من اشخاص او جماعات وبعض الساسة – هذه القاعدة رائداً لهم. ولقد كسبوا نتيجة اتباعهم هذه القاعدة قوة هائلة وانتفعوا منها نفعاً عظيماً، رغم ما فيها من اضرار واستعمالات سيئة، ذلك لان ماهية الاشتراك لا تتغير بالمساوىء والاضرار التي فيها، لأن كل شخص – وفق هذه القاعدة – يحسب نفسه بمثابة المالك لجميع الاموال، وذلك من زاوية مشاركته في المال ومن جهة مراقبته واشرافه عليه، برغم انه لا يمكنه ان ينتفع من جميع الاموال.. وعلى كل حال فان هذه القاعدة اذا دخلت في الاعمال الاخروية فستكون محوراً لمنافع جليلة بلا مساوىء ولا ضرر. لان جميع تلك الاموال الاخروية تحمل سر الدخول بتمامها في حوزة كل فرد من اولئك الافراد المشتركين فيها، دون نقصان او تجزئة.
 
ولنفهم هذا بمثال:
 
اشترك خمسة اشخاص في اشعال مصباح زيتى. فوقع على احدهم احضار النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة المصباح، وعلى الرابع المصباح نفسه وعلى الاخير علبة الكبريت.. فعندما اشعلوا المصباح اصبح كل منهم مالكاً لمصباح كامل. فلو كان لكل من اولئك المشتركين مرآة كبيرة معلقة بحائط، اذن لاصبح منعكساً في مرآته مصباح كامل – مع ما في الغرفة – من دون تجزؤ او نقص..
 
وهكذا الامر في الاشتراك في الامور الاخروية بسر الاخلاص، والتساند بسر الاخوة، وضم المساعي بسر الاتحاد، اذ سيدخل مجموع اعمال المشتركين، وجميع النور النابع منها، سيدخل بتمامه في دفتر اعمال كل منهم.. وهذا امر مشهود وواقع بين اهل الحقيقة، وهو من مقتضيات سعة رحمة الله سبحانه وكرمه المطلق.
 
فيا اخوتي..! آمل اَلاّ تسوقكم المنافع المادية الى الحسد فيما بينكم ان شاء الله تعالى. الا انكم قد تنخدعون كما انخدع قسم من اهل الطرق الصوفية، من باب المنافع الاخروية. ولكن تذكروا.. اين الثواب الشخصي والجزئي من ذلك الثواب العظيم الناشىء في افق الاشتراك في الاعمال المذكورة في المثال، واين النور الجزئي من ذلك النور الباهر.
 
المثال الثاني (لإدامة الاخلاص):
 
يحصل الصناعيون واهل الحرف على الانتاج الوفير وعلى ثروة هائلة نتيجة اتباعهم قاعدة (المشاركة في الصنعة والمهارة). واليك المثال:
 
قام عشرة من صناعي ابر الخياطة بعملهم، كل على انفراد، فكانت النتيجة ثلاث ابر فقط لكل منهم في اليوم الواحد.. ثم اتفق هؤلاء الاشخاص حسب قاعدة (توحيد المساعي وتوزيع الاعمال) فأتى احدهم بالحديد والاخر بالنار، وقام الثالث بثقب الابرة والاخر ادخلها النار والاخر بدأ يحدها.. وهكذا. فلم يذهب وقت احد سدى،حيث انصرف كل منهم الى عمل معين وانجزه بسرعة، لانه عمل جزئي بسيط اولاً ولاكتسابه الخبرة والمهارة فيه ثانياً. وحينما وزعوا حصيلة جهودهم رأوا ان نصيب كل منهم في يوم واحد ثلاثمائة ابرة بدلاً من ثلاث ابر.. فذهبت هذه الحادثة انشودة يترنم بها اهل الصناعة والحرف، الذين يدعون الى توحيد المساعي وتوزيع الاعمال.
 
فيا اخوتي! ما دامت تحصل مثل هذه الفوائد العظيمة نتيجة الاتحاد والاتفاق في امور دنيوية وفي مواد كثيفة، فكم يكون يا ترى ثواب اعمال اخروية ونورانية! وكم يكون الثواب المنعكس من اعمال الجماعة كلها بالفضل الإلهي في مرآة كل فرد منها! تلك الاعمال التي لا تحتاج الى تجزئة ولا انقسام. فلكم ان تقدروا ذلك الربح العظيم.. فإن مثل هذا الربح العظيم لا يُفوّات بالحسد وعدم الاخلاص..!(*)
 
 
 
_____________________
 
(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 248