اثبات التوحيد الكلمة الثامنة [ وهو حي لايموت ]

باسمه سبحانه  

ايها المستخلف المبارك  

(لا إله إلاّ الله، وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي، ويميت، وهو حي لا يموت،

بيده الخير، وهو على كل شئ قدير، وإليه المصير(

 

بديع الزمان سعيد النورسي يشير باختصار الى اثبات التوحيد من حيث الاسم الاعظم

والجملة التي تلخص التوحيد فيتناولها كلمة كلمة

 

اثبات التوحيد  الكلمة الثامنة   [ وهو حي لايموت ]

 

اي ان حياته دائمة، ازلية ابدية. لايعرض عليها الموت والفناء والعدم والزوال قطعاً. لان الحياة ذاتية له، فالذاتي لايزول قط.

نعم، ان الازلي ابدي بلاشك، والقديم باقٍ بلاريب، والذي هو واجب الوجود، سرمدي البتة.

 

نعم، ان حياة ً.. يكون جميع الوجود بجميع أنواره، ظلاً من ظلالها، كيف يعرض عليها العدم!

نعم، ان حياةً ..يكون الوجود الواجب عنوانها ولازمها، لن يعرض عليها العدم والفناء قطعاً.

نعم، ان حياةً.. يظهر بتجليها جميع انواع الحياة باستمرار، ويستند اليها جميع الحقائق الثابتة للكائنات بل هي قائمة بها، لن يعرض عليها الفناء والزوال قطعاً.

نعم، ان حياةً.. تورث لمعة من تجلٍ منها وحدةً للاشياء الكثيرة المعرضة للفناء والزوال وتجعلها باقية وتنجيها من التشتت والتبعثر وتحفظ وجودها وتجعلها مظهراً لنوع من البقاء ـ اي تمنح الكثرة وحدة وتبقيها، فاذا ولّت تبعثرت الاشياء وفنيت- لاشك ان الزوال والفناء لايدنوان من هذه الحياة الواجبة التي تعد هذه اللمعات الحياتية جلوة من جلواته.

والشاهد القاطع لهذه الحقيقة هو زوال هذه الكائنات وفناؤها، اي ان الكائنات كما تدل وتشهد بانواع وجودها وصنوف حياتها على حياة ذلك الحي الذي لايموت وعلى وجوب وجود تلك الحياة(1) تدل وتشهد بانواع موتها وصنوف زوالها على بقاء تلك الحياة وعلى سرمديتها؛ لان الموجودات بعد زوالها تأتي عقبها امثالُها فتنال الحياة مثلها وتحل محلها، مما يدل على ان حياً دائماً موجودٌ، وهو الذي يجدّد باستمرار تجلي الحياة؛ اذ كما ان الحباب التي تعلو سطح النهر وتقابل الشمس تتلمع ثم تذهب، والتي تعقبها تتلمع ايضاً مثلها، وهكذا..طائفة إثر طائفة، كلٌ منها تتلمع، ثم تنطفئ وتذهب الى شأنها.. فهذا التعاقب في الإلتماع والانطفاء يدل على شمس دائمة عالية.. كذلك يشهد تبدل الحياة والموت ومناوبتهما في هذه الموجودات السيارة على بقاء حيّ باقٍ وعلى دوامه.

نعم، ان هذه الموجودات مرايا، ولكن مثلما الظلام يكون مرآة للنور بحيث كلما اشتد الظلام ازداد سطوع النور، فالموجودات ايضاً من حيث الضدية ومن جهات كثيرة جداً تقوم مقام المرايا.

فمثلاً: ان الموجودات تؤدي وظيفة المرآة باظهار قدرة الصانع بعجزها، وبيان غناه سبحانه بفقرها، كذلك تدل بفنائها على بقائه سبحانه.

نعم، ان لباس الجوع وجلباب الفقر الذي يلبسه سطح الارض وما عليه من اشجار في موسم الشتاء، وتبدل تلك الملابس بحلل الربيع الزاهية الطافحة بالغنى والثروات، دليل على قدير مطلق القدرة وعلى غني مطلق الغنى، وعلى ان الموجودات مرآة صافية لاظهار قدرته ورحمته سبحانه.

نعم، لكأن جميع الموجودات تقول بلسان حالها وتناجي ربها بمناجاة "أويس القرني(2)" تقول:

"يا إلهنا..

انت ربنا، اذ نحن العبيد العاجزون عن تربية انفسنا، فأنت الذي تربينا.

وانت الخالق، اذ نحن مخلوقون، مصنوعون.

وانت الرزاق، اذ نحن المحتاجون الى الرزق، ايدينا قاصرة فانت الذي تخلقنا وترزقنا.

وانت المالك، اذ نحن مملوكون، يتصرف في امورنا غيرنا فانت مالكنا.

وانت العزيز العظيم، اذ نحن الاذلاء، لبسنا ثوب الذل ولكن علينا جلوات عز، فنحن مرايا عزتك.

وانت الغني المطلق، اذ نحن الفقراء يسلّم الى يد فقرنا غنى يصل الى مالانقدر عليه، فانت الغني وانت الوهاب.

وانت الحي الباقي، اذ نحن نموت، نرى جلوة حياة دائمة في موتنا وحياتنا.

وانت الباقي، اذ نحن فانون ، نرى دوامك وبقاءك في فنائنا وزوالنا.

وانت المجيب وانت المعطي، اذ نحن والموجودات كلها نسأل بألسنة اقوالنا واحوالنا ونصرخ ونتضرع ونستغيث، فتتحقق مطالبنا، وتنفذ رغباتنا، وتوهب مقاصدنا. فانت المجيب يا الهي...".

وهكذا تناجي جميعُ الموجودات جزئيّها وكليها ربَّها كـ "أويس القرني"مناجاة معنوية، وكل منها تؤدي وظيفة المرآة، ويعلن كل موجودبعجزه وفقره وتقصيره قدرة الله وكماله سبحانه.(*)

_____________

(1) من انتقال سيدنا ابراهيم (عليه السلام)اثناء محاججته نمرود في الاماتة والاحياء، الى إتيان ا سبحانه بالشمس من المشرق وتعجيز نمرود باتيانها من المغرب، هو إنتقال وترقٍ من إماتة وإحياءٍ جزئيين الى إماتة وإحياء كليين، اي انتقال الى أوسع دائرة من دوائر ذلك الدليل وأسطعها، وليس هو صعود الى دليل ظاهر وترك الدليل الخفي، كما يقوله بعض المفسرين..ـ المؤلف.

(2) من سادات التابعين، اصله من اليمن، ادرك النبي صلىاللهعليهوسلم ولم يره لبرّهِ بأمه. وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم سكن الكوفة، شهد وقعة صفين مع علي رضي الله عنه ويُرجّح انه قُتل فيها سنة 37هـ. أُسد الغابة 1/179 حلية الاولياء 2/79 الاعلام 2/32.-المترجم.

(*) المكتوب العشرون - ص: 311