استغل قابليات الطيور

 

باسمه سبحانه

 

 

﴿والطيرَ محشورةً﴾ (ص:19).

﴿وعُلّمنا منطقَ الطير﴾ (النمل:16)

 

ايها المستخلف المبارك

هذه الآيات تبين ان الله سبحانه قد علّم سيدنا داود وسليمان عليهما السلام منطق انواع الطيور، ولغة قابلياتها واستعداداتها، أي: أيّ الاعمال تناسبها؟ وكيف يمكن الاستفادة منها؟

نعم! هذه الحقيقة هي الحقيقة الجليلة، إذ ما دام سطح الارض مائدة رحمانية اقيمت تكريماً للانسان، فيمكن اذاً ان تكون معظم الحيوانات والطيور التي تنتفع من هذه المائدة مسخّرة للانسان، ضمن تصرفه وتحت خدمته.

فالانسان الذي استخدم النحل ودودة القز - تلكم الخَدَمة الصغار - وانتفع مما لديهم من إلهام إلهي، والذي استعمل الحمام الزاجل في بعض شؤونه وأعماله، واستنطق الببغاء وأمثاله من الطيور، فضمَّ الى الحضارة الانسانية محاسن جديدة، هذا الانسان يمكنه ان يستفيد اذاً كثيراً اذا ما عَلِم لسان الاستعداد الفطري للطيور، وقابليات الحيوانات الاخرى، حيث هي انواع وطوائف كثيرة جداً، كما استفاد من الحيوانات الأليفة.

فمثلاً: اذا عَلِم الانسان لسان استعداد العصافير (من نوع الزرازير) التي تتغذى على الجراد ولا تدعها تنمو، واذا ما نسّق اعمالها فانه يمكن ان يسخّرها لمكافحة آفة الجراد.

فيكون عندئذٍ قد انتفع منها واستخدمها مجاناً في امور مهمة.

فمثل هذه الانواع من استغلال قابليات الطيور والانتفاع منها، واستنطاق الجمادات من هاتف وحاكٍ، تخط له الآية الكريمة المذكورة المدى الاقصى والغاية القصوى.

فيقول الله سبحانه بالمعنى الرمزي لهذه الآيات الكريمة:

يا بني الانسان! لقد سخرتُ لعبد من بني جنسكم، عبد خالص مخلص، سخرتُ له مخلوقات عظيمة في ملكي وانطقتها له، وجعلتها خداماً امناء وجنوداً مطيعين له، كي تعصم نبوته، وتصان عدالته في ملكه ودولته.

وقد أتيتُ كلاً منكم استعداداً ومواهب ليصبح خليفة الارض، واودعتُ فيكم أمانة عظمى، أبتِ السموات والارض والجبال ان يحملنها، فعليكم اذاً ان تنقادوا وتخضعوا لأوامر مَن بيده مقاليد هذه المخلوقات وزمامها، لتنقاد اليكم مخلوقاته المبثوثة في ملكه.

فالطريق ممهد أمامكم ان استطعتم ان تقبضوا زمام تلك المخلوقات باسم الخالق العظيم، واذا سموتم الى مرتبة تليق باستعداداتكم ومواهبكم..

فما دامت الحقيقة هكذا فاسعَ ايها الانسان ان لا تنشغل بلهو لا معنى له، وبلعب لا طائل من ورائه، كالانشغال بالحاكي والحمام والببغاء..

بل اسعَ في طلب لهوٍ من ألطف اللهو وازكاه، وتسلَّ بتسلية هي من ألذ أنواع التسلية..

فاجعل الجبال كالحاكي لأذكارك، كما هي لسيدنا داود عليه السلام، وشنّف سمعك بنغمات ذكر وتسبيح الاشجار والنباتات التي تخرج أصواتاً رقيقة عذبة بمجرد مس النسيم لها وكأنها اوتار آلات صوتية..

فبهذا الذكر العلوي تُظهر الجبال لك الوفاً من الألسنة الذاكرة المسبحة، وتبرز أمامك في ماهية عجيبة من أعاجيب المخلوقات.

وعندئذٍ تتزيا معظم الطيور وتلبس - كأنها هدهد سليمان - لباسَ الصديق الحميم والانيس الودود، فتصبح خداماً مطيعين لك.

فتسليك أيما تسلية، وتلهيك لهواً بريئاً لا شائبة فيه، فضلاً عن ان هذا الذكر السامي يسوقك الى انبساط قابليات ومواهب كانت مغمورة في ماهيتك، فتحول بينك وبين السقوط من ماهية الانسان السامية ومقامه الرفيع، فلا تجذبك بعدُ اضراب اللهو التي لا مغزى لها الى حضيض الهاوية.(*)

_____________

(*) كليات رسائل النور – الكلمات ص :287