الاخلاص وانتقاد اخوانكم

 
بسم الله الرحمٰن الرحيم
 
﴿وَلاَ تَنَازَعوا فَتْفشَلواُ وَتَذْهَبَ ريحكُم ﴾(الانفال:46)
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
لاجل الوصول الى الظفر بالاخلاص وللحفاظ عليه، ولدفع الموانع وازالتها اجعلوا دستوركم الثاني:
 
هو عدم انتقاد اخوانكم العاملين في هذه الخدمة القرآنية، وعدم اثارة نوازع الغبطة بالتفاخر والاستعلاء. لانه كما لا تحاسد في جسم الانسان بين اليدين، ولا انتقاد بين العينين، ولا يتعرض اللسان على الاذن، ولا يرى القلب عيب الروح، بل يكمل كلّ منه نقصَ الآخر ويستر تقصيره ويسعى لحاجته، ويعاونه في خدمته.. والا انطفأت حياة ذلك الجسد، ولغادرته الروح وتمزق الجسم.
 
وكما لاحسد بين تروس المعمل ودوليبه، ولا يتقدم بعضها على بعض ولايتحكم، ولايدفع احدها الآخر الى التعطل بالنقد والتجريح وتتبع العورات والنقائص، ولا يثبط شوقه الى السعي، بل يعاون كل منها الآخر بكل مالديه من طاقة موجهاً حركات التروس والدواليب الى غايتها المرجوة، فيسير الجميع الى ما وجدوا لاجله، بالتساند التام والاتفاق الكامل. فلو تدخل شيء غريب او تحكم في الامر – ولو بمقدار ذرة – لا ختل المعمل واصابه العطب ويقوم صاحبه بدوره بتشتيت اجزائه وتقويضه من الاساس.
 
فيا طلاب رسائل النور ويا خدام القرآن! نحن جميعاً اجزاء واعضاء في شخصية معنوية جديرة بأن يطلق عليها: الانسان الكامل.. ونحن جميعاً بمثابة تروس ودواليب معمل ينسج السعادة الابدية في حياة خالدة. فنحن خدام عاملون في سفينة ربانية تسير بالامة المحمدية الى شاطيء السلامة وهي دار السلام.
 
نحن اذن بحاجة ماسة بل مضطرون الى الاتحاد والتساند التام والى الفوز بسر (الاخلاص) الذي يهيء قوة معنوية بمقدار الف ومائة واحد عشر (1111) ناتجة من اربعة افراد. نعم.. ان لم تتحد ثلاث (الفات) فستبقى قيمتها ثلاثاً فقط، اما اذا اتحدت وتساندت بسر العددية، فانها تكسب قيمة مائة واحد عشر (111)، وكذا الحال في اربع (اربعات) عندما تكتب كل (4) منفردة عن البقية فان مجموعها (16) اما اذا اتحدت هذه الارقام واتفقت بسر الاخوة ووحدة الهدف والمهمة الواحدة على سطر واحد فعندها تكسب قيمة اربعة آلاف واربعمائة واربع واربعين (4444) وقوتها. هناك شواهد ووقائع تاريخية كثيرة جداً اثبتت ان ستة عشر شخصاً من المتآخين المتحدين المضحين بسر الاخلاص التام تزيد قوتهم المعنوية وقيمتهم على اربعة آلاف شخص.
 
اماحكمة هذا السر فهي: ان كل فرد من عشرة اشخاص متفقين حقيقة يمكنه ان يرى بعيون سائر اخوانه ويسمع بأذانهم أي ان كلاً منهم يكون له من القوة والقيمة ما كأنه ينظر بعشرين عيناً ويفكر بعشرة عقول ويسمع بعشرين اذناً ويعمل بعشرين يداً(1)(*).
 
_____________________
 
(1) نعم! كما انّ تساندا حقيقياً، واتحاداً تاما، نابعاً من (الاخلاص) هو محور تدور عليه منافع لاتنتهي، كذلك فهو ترس عظيم، ومرتكز قوي للوقوف تجاه المخاوف العديدة، بل امام الموت، لان الموت لايسلب الا روحا واحدة، لأن الذي ارتبط باخوانه بسر الاخوة الخالصة في الامور المتعلقة بالاخرة وفي سبيل مرضاة الله، يحمل ارواحاً بعدد اخوانه، فيلقى الموت مبتسماً وقائلاً: (لتَسلَم ارواحي الاُخرى.. ولتبقى معافاه، فانها تديم لي حياة معنوية بكسبها الثواب لي دائماً. فانا لم امت اذن) ويُسلم روحه وهو قرير العين. ولسان حاله يقول: (انا اعيش بتلك الارواح من حيث الثواب ولا اموت الا من حيث الذنوب والآثام). – المؤلف.
 
(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 242