الاسراف ينتج الحرص

باسمه سبحانه  

﴿وكلوا واشربُوا وَلا تُسرِفُوا﴾(الاعراف:31)

ايها المستخلف المبارك 

 (هذه الآية الكريمة تلقن درساً في غاية الاهمية وترشد

إرشاداً حكيماً بليغاً بصيغة الأمر الى الاقتصاد، ونهي

صريح عن الاسراف. ومن نكاتها).

 

 

ان الاسراف ينتج الحرص، والحرص يوَلد ثلاث نتائج:

اولاها: عدم القناعة.

وعدم القناعة هذا يُثنى الشوقَ عن السعي وعن العمل، بما يبثّ في نفس الحريص من الشكوى بدلاً من الشكر، قاذفاً به الى احضان الكسل، فيترك المال الزهيد النابع من الكسب الحلال(1) ويبادر بالبحث عما لا مشقة ولا تكليف فيه من مال غير مشروع، فيهدر في هذه السبيل عزتَه بل كرامته.

النتيجة الثانية للحرص: الخيبة والخسران.

اذ يفوت مقصود الحريص ويتعرض للاستثقال ويحرم من التيسير والمعاونة حتى يكون مصداق القول المشهور: (الحريصُ خائب خاسر).

ان تأثير الحرص والقناعة يجري في عالم الاحياء على وفق دستور شامل وسنة مطردة فمثلاً:

ان وصول ارزاق النباتات المضطرة الى الرزق اليها هو لقناعتها الفطرية، وسعي الحيوانات بنفسها بالحرص وراء الحصول على رزقها في عناء ونقص، يبديان مدى الضرر الجسيم الكامن في الحرص، ومدى النفع العظيم الكامن في القناعة.

وان سيلان الحليب – ذلك الغذاء اللطيف – الى أفواه الصغار الضعفاء عامة ومن حيث لا يحتسبون بما يبدونه من قناعة ينطق بها لسان حالهم، وانقضاض الوحوش بحرص وجشع على ارزاقها الناقصة الملوّثة، يثبت ما ندّعيه اثباتاً ساطعاً.

وان اوضاع الاسماك البدينة البليدة التي تنم عن القناعة الباعثة لوصول ارزاقها اليها كاملة وعجز الحيوانات الذكية كالثعالب والقردة عن تحصيل غذائها كاملاً مع حرصها سعياً وراءها وبقاءها هزيلة نحيفة، ليبين كذلك مدى ما يسببه الحرص من المشقة والعناء ومدى ما تسببه القناعة من الراحة والهناء.

كما ان حصول اليهود على ارزاقهم كفافاً بطرق غير مشروعة ممزوجاً بالذل والمسكنة بسبب حرصهم وتعاملهم بالربا واتباعهم اساليب المكر والخدع، وحصول البدويين المتحلين بالقناعة على رزقهم الكافي وعيشهم العيش الكريم العزيز يؤيد دعوانا ايضاً تأييداً كاملاً.

كما أن تردّي كثير من العلماء(2) والادباء(3) بما يمنحهم ذكاؤهم ودهاؤهم من الحرص في فقر مدقع وعيش كفاف، وغناء اكثر الاغبياء العاجزين واثرائهم لما لهم من حالة فطرية قنوعة ليثبت اثباتاً قاطعاً: ان الرزق الحلال يأتي حسب العجز والافتقار لا بالاقتدار والاختيار. بل هو يتناسب تناسباً عكسياً مع الاقتدار والاختيار. ذلك ان ارزاق الاطفال تتضائل وتبتعد ويصعب الوصول اليها كلما ازدادوا اختياراً وارادةً واقتداراً.

نعم، ان القناعة كنز للعيش الهنيء الرغيد ومبعث الراحة في الحياة، بينما الحرص معدن الخسران والسفالة كما يتبين ذلك من

الحديث الشريف: (القناعة كنز لا يفنى)(4).

النتيجة الثالثة: ان الحرص يتلف الاخلاص ويفسد العمل الاخروي؛ لانه لو وُجد حرص في مؤمن تقي لرغب في توجه الناس واقبالهم اليه، ومن يرقب توجه الناس وينتظره لا يبلغ الاخلاص التام قطعاً ولا يمكنه الحصول عليه، فهذه النتيجة ذات اهمية عظمى جديرة بالدقة والملاحظة.(*)

__________________________

(1)اذ بسبب الابتعاد عن الاقتصاد، يكثر المستهلكون، ويقل المستحصلون، ويبدأ الجميع يشدون نظرهم الى باب الحكومة، وحينها تنتكس وتتناقص الصناعة والتجارة والزراعة التي هي محور الحياة الاجتماعية ومدارها، وينهار المجتمع ويتدنى بدوره ويغدر فقيراًمعدماً.– المؤلف.

(2) سأل انو شيروان حاكم ايران العادل الحكيم بزرجمهر: لماذا يشاهد العلماء بابواب الامراء ولا يُشاهد الامراء بابواب العلماء والعلم يفوق الإمارة؟

فأجاب: ذلك من علم العلماء، وجهل الامراء.

أي: ان الامراء لا يعلمون قدر العلم، فلا يأتون ابواب العلماء لطلبه بينما العلماء يعلمون قدره، فيطلبون قيمته بابواب الامراء!

فهذا الجواب اللطيف تأويل ظريف لحرص العلماء النابع من ذكائهم المؤدي بهم الى الذل والفقر.

– خسرو.

(3) هناك حادثة تؤيد هذا الحكم؛ أن الادباء في فرنسا يمنحون وثيقة التسول لإجادتهم له.

– سليمان رشدي.

(4) حديث (القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى) رواه الطبراني في الاوسط والعسكري عن جابر، والمشهور (القناعة كنز لايفنى) وفي القناعة احاديث كثيرة. انظر كشف الخفاء 1/102 وتمييز الطبيب ص118.

(*) كليات رسائل النور – اللمعة التاسعة عشرة ..ص:220