التدبير والتلذذ بالنعم

باسمه سبحانه  

﴿وكلوا واشربُوا وَلا تُسرِفُوا﴾(الاعراف:31)

ايها المستخلف المبارك 

 (هذه الآية الكريمة تلقن درساً في غاية الاهمية وترشد

إرشاداً حكيماً بليغاً بصيغة الأمر الى الاقتصاد، ونهي

صريح عن الاسراف. ومن نكاتها ).

 

ان من كمال كرم الله سبحانه وتعالى، أنه يُذيقُ لذّة نِعمه لأفقر الناس، كما يذيقها أغناهم، فالفقير يستشعر اللذة ويتذوقها كالسلطان.

نعم ان اللذة التي ينالها فقير من كسرة خبز اسود يابس بسبب الجوع والاقتصاد تفوق ما يناله السلطان او الثري من اكله الحلوى الفاخرة بالملل وعدم الشهية النابعين من الاسراف.

ومن العجيب حقاً ان يجرؤ بعض المسرفين والمبذّرون على اتهام المقتصدين بالخسة.. حاشَ لله، بل الاقتصاد هو العزة والكرم بعينه، بينما الخسة والذلة هما حقيقة ما يقوم به المسرفون والمبذرين من سخاء ظاهري.

وهناك حادثة جرت في غرفتي في (اسبارطة) في السنة التي تم فيها تأليف هذه الرسالة، تؤيد هذه الحقيقة وهي:

اصرّ احد طلابي اصراراً شديداً على ان أقبل هديته التي تزن اوقيتين ونصف الاوقية(1) من العسل، خرقاً لدستور حياتي(2)، ومهما حاولت في بيان ضرورة التمسك على قاعدتي لم يقنع، فاضطررت الى قبولها مرغما على نية ان يشترك ثلاثة اخوةٍ معي في الغرفة فيها ويأكلوا منه باقتصاد طوال اربعين يوماً من شهري شعبان ورمضان المبارك، ليكسب صاحبه المهدي ثواباً، ولا يبقوا دون حلاوة. لذا أوصيتهم بقبول الهدية لهم علماً اني كانت عندي أوقية من العسل.

وبرغم ان اصدقائي الثلاثة كانوا على استقامة حقاً وممن يقدّرون الاقتصاد حق قدره، لاّ انهم – على كل حال – نَسوه نتيجة قيامهم باكرام بعضهم بعضاً ومراعاتهم شعور الآخرين والايثار فيما بينهم، وامثالها من الخصال الحميدة، فانفدوا ما عندهم من العسل في ثلاث ليالٍ فقط، فقلت مبتسماً:

- لقد كانت نبتي ان اجعلكم تتذوقون طعم العسل ثلاثين يوماً او اكثر، ولكنكم انفذتموه في ثلاثة ايام فقط.. فهنيئاً لكم!. في حين انني بت اصرف ما كنتُ املكه من العسل بالاقتصاد، فتناولته طوال شهري شعبان ورمضان، فضلاً عن انه اصبح ولله الحمد سبباً لثواب

عظيم، حيث اعطيتُ كل واحد من اولئك الاخوة ملعقة واحدة منه(3) وقت الافطار.

ولربما حَسِب الذين شاهدوا حالي تلك انها خسّة، واعتبروا اوضاع اولئك الاخوة في الليالي الثَلاث حالة عزيزة من الكرم! ولكن شاهَدنا تحت تلك الخسة الظاهرية عزةً عاليةً وبركة واسعة وثواباً عظيماً من زاوية الحقيقة. وتحت ذلك الكرم والاسراف – ان لم يكن قد تُرك – استجداءً وترقباً لما في ايدي الآخرين بطمع وامثالها من الحالات التي هي أدني بكثير من الخسة.(*)

 

______________________________

(1) الاوقية تساوي 1.280 كيلو. – المترجم.

(2) وهو ان الاستاذ النورسي ما كان ليقبل الهدايا بلا مقابل. – المترجم.

(3) أي ملعقة شاي كبيرة (ملعقة كوب).- المؤلف.

(*) كليات رسائل النور – اللمعة التاسعة عشرة ..ص:217