الصوم يشعر النفس بضعفها

 

النورسي 

بديع الزمان 

 

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ 

﴿شهْرُ رَمضَانَ الَّذى اُنْزِلَ فيهِ القرآن هُدىً للِنَّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) 

 رسالة رمضان 

نكته دقيقة ومسألة لطيفة تبين حكمة من الحكم الكثيرة لصيام شهر رمضان المباركان لصوم رمـضان حكماً كثيرة من حيـث توجـهه الى تهـذيب النفس الامارة بالسوء،

وتقويم أخلاقها وجعلها تتخلى عن تصرفاتها العشوائية. 

نذكر منها حكمة واحدة:

أن النفس الانسانية تنسى ذاتها بالغفلة،

ولا ترى ما في ماهيتها من عجز غيرمحدود، ومن فقر لا يتناهى، ومن تقصيرات بالغة،

بل لا تريد أن ترى هذه الامورالكامنة في ماهيتها،

فلا تفكر في غاية ضعفها ومدى تعرضها للزوال ومدى استهداف المصائب لها،

كما تنسى كونها من لحم وعظم يتحللان ويفسدان بسرعة،

فتتصرف واهمة كأن وجودها من فولاذ وأنها منزّهة عن الموت والزوال، وأنها خالدة أبدية،

فتراها تنقضّ على الدنيا وترمي نفسها في أحضانها حاملة حرصاً شديداً وطمعاً هائلاً وترتبط بعلاقة حميمة ومحبة عارمة معها،

وتشد قبضتها على كل ما هو لذيذ ومفيد،

ومن ثم تنسى خالقها الذي يربيّها بكمال الشفقة والرأفة فتهوي في هاوية الاخلاق الردئية ناسية عاقبة أمرها وعقبى حياتها وحياة اُخراها.

ولكن صوم رمضان يُشعر أشد الناس غفلة وأعتاهم تمرداً بضعفهم وعجزهم وفقرهم،

فبوساطة الجوع يفكر كلُّ منهم في نفسه وفي معدته الخاوية ويدرك الحاجة التي في معدته فيتذكر مدى ضعفه،

ومدى حاجته الى الرحمة الإلهية ورأفتها، فيشعر في أعماقه توقاً الى طرق بابِ المغفرة الربانية بعجز كامل وفقر ظاهرمتخلياً عن فرعنة النفس متهيئاً بذلك لطرقِ باب الرحمة الإلهية بيد الشكر المعنوي (ان لم تفسد الغفلة بصيرته).(*)

اللّهم صل وسلم على سيدنا محمد صلاةً تكون لك رضاءً ولحقّه أداءً بعدد ثواب حروف القرآن في شهر رمضان وعلى آله وصحبه وسلم.

﴿سُبحانَ ربّكَ رَبِّ العِزَّةِ عمَّا يَصفون* وسلامٌ على المُرسَلين *

والحمدُ لله رَبِّ العالَمين﴾

آمين

 

 

_____________________________

(*) كليات رسائل النور- المكتوبات ص (516)