القرآن فيه كل شئ

 

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ 

﴿ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلاّ في كتابٍ مبين﴾(الانعام:59) 

ان (كتاب مبين) - على قول - هو القرآن الكريم. فهذه الآية الكريمة تبيّن أنه: ما من رطب ولا يابس إلاّ وهو في القرآن الكريم.

أتراه كذلك؟

نعم! ان في القرآن كل شئ. ولكن لا يستطيع كل واحد أن يرى فيه كلَّ شئ.

لأن صور الاشياء تبدو في درجات متفاوتة في القرآن الكريم، فأحياناً توجد بذور الشئ أو نواه، واحياناً مجمل الشئ أو خلاصته، واحياناً دساتيره، واحياناً توجد عليه علامات. 

ويرد كل من هذه الدرجات؛ اما صراحة أو اشارة أو رمزاً أو ابهاماً أو تنبيهاً. 

فيعبّر القرآن الكريم عن اغراضه ضمن أساليب بلاغته، وحسب الحاجة، وبمقتضى المقام والمناسبة.

 

فمثلاً: ان الطائرة والكهرباء والقطار واللاسلكي وامثالها من منجزات العلم والصناعة - التكنلوجيا الحديثة - والتي تعدّ حصيلة التقدم الانساني ورقيه في مضمار الصناعة والعلم،

أصبحت هذه الاختراعات موضع اهتمام الانسان، وتبوأت مكانة خاصة في حياته المادية.

لذا فالقرآن الكريم الذي يخاطب البشرية قاطبة لم يهمل هذا الجانب من حياة البشر، بل قد أشار الى تلك الخوارق العلمية من جهتين:

الجهة الاولى: اشار اليها عند اشارته الى معجزات الانبياء عليهم السلام.

الجهة الثانية: اشار اليها عند سرده بعض الحوادث التاريخية.

فعلى سبيل المثال: فقد اشار الى القطار في الآيات الكريمة الآتية:

﴿قُتلَ اصحابُ الاخدود * النارِ ذاتِ الوَقُودِ * اذ هُم عليها قُعودٌ * وهُم على ما يفعلونَ بالمؤمنينَ شُهودٌ * وما نَقَموا منهم الا أن يؤمنوا بالله العزيزِ الحميد ﴾.(2) (البروج: 4ـ 8)

وايضاً:

﴿في الفُلك المشحون {وخَلقنا لهم مِن مثلِهِ ما يَركبون﴾ (يس:41 - 42)

والآية الكريمة الآتية ترمز الى الكهرباء علاوة على اشارتها الى كثير من الأنوار والاسرار:

﴿الله نورُ السمواتِ والارض مثلُ نورهِ كمشكوةٍ فيها مصباحٌ المصباحُ في زجاجةٍ الزجاجُة كأنها كوكبٌ درّيٌّ يوقَدُ مِن شجرةٍ مُباركةٍ زيتونةٍ لا شرقيٍة ولا غربيةٍ يكادُ زيتُها يُـضيء ولو لم تمسسهُ نارٌ نورٌ على نورٍ يهدى الله لنوره مَن يشاءُ ﴾ (3) (النور:35)

ولما كان الكثيرون من الفضلاء قد انصرفوا الى هذا القسم، وبذلوا جهوداً كثيرة في توضيحه علماً ان القيام ببحثه يتطلب دقة متناهية ويستدعي بسطاً للموضوع اكثر من هذا وايضاحاً وافياً. فضلاً عن وجود أمثلة وفيرة عليه، لذا لا نفتح هذا الباب، ونكتفي بالآيات المذكورة.(*)

____________________________________

(1) تشير هذه الجملة الى ان الذي قيّد العالم الاسلامي، ووضعه في الاسر هو القطار، وبه غلب الكفار المسلمين. ــ المؤلف.

(2) ان جملة ﴿يكاد زيتها يـضئ ولو لم تمسسه نار، نور على نور﴾ تضئ ذلك الرمز وتنوره. ــ المؤلف.

(*) كليات رسائل النور-الكلمات ص:277