بيان الفرق بين الاقتران والعلة ووضع ميزان لمعرفة الشرك الخفي

 

يلتبس على الكثيرين: اعتبار الشيئين علةً للآخر عند مجيئها معاً 

ينبغي ألاّ تؤخذ النِعم التي تَرِدُ بأسباب ووسائل ظاهرية على حساب تلك الاسباب والوسائل، لأن ذلك السبب وتلك الوسيلة، إما له اختيار او لا اختيار له. فان لم يكن له اختيار - كالحيوان والنبات - فلا ريب انه يعطيك بحساب الله وباسمه. وحيث أنه يذكر الله بلسان حاله، اي يقول: بسم الله، ويسلّمك النعمة، فخذها باسم الله وكُلها.

ولكن إن كان ذلك السبب له اختيار، فعليه أن يذكر الله ويقول: بسم الله، فلا تأخذ منه الاّ بعد ذكره اسم الله، لأن المعنى الاشاري - فضلاً عن المعنى الصريح - للآية الكريمة: (ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسمُ الله عليه)(الانعام:121) يرمز الى: لا تأكلوا من نعمةٍ لم يُذكر اسم مالكها الحقيقي عليها وهو الله، ولم يسلّم اليك باسمه.

 

وعلى هذا فعلى المعطي ان يذكر اسم الله، وعلى الآخذ ان يذكر اسم الله. فان كان المعطي لا يذكر اسم الله، وانت في حاجة الى الأخذ، فاذكر انت اسم الله، ولكن ارفع بصرك عالياً فوق رأس المعطي وانظر الى يد الرحمة الإلهية التي انعمت عليه وعليك معاً، وقبّلها بالشكر، وتسلّم منها النعمة. اي انظر الى الإنعام من خلال النعمة، وتذكّر المنعم الحقيقي من خلال الإنعام، فهذا النظر والتذكر شكرٌ. ومن ثم ارجع بصرك - ان شئت - وانظر الى السبب او الوسيلة، وادع له بالخير واثنِ عليه، لورود النعمة على يديه.

ان الذي يوهم عَبَدة الاسباب ويخدعهم هو: اعتبارُ احد الشيئين علةً للآخر عند مجيئهما معاً، او عند وجودهما معاً. وهذا هو الذي يسمى ب"الاقتران".

وحيث ان عدم وجود شئ ما، يصبح علةً لعدم وجود نعمة، لذا يتوهم المرء ان وجود ذلك الشئ هو علة لوجود تلك النعمة، فيبدأ بتقديم شكره وامتنانه الى ذلك الشئ فيخطئ؛ لأن وجودَ نعمة ما يترتبُ على مقدمات كثيرة وشرائط عديدة، بينما إنعدامُ تلك النعمة يحدث بمجرد انعدام شرط واحد فقط.

مثل: ان الذي لا يفتح مجرى الساقية المؤدية الى الحديقة يصبح سبباً وعلةً لجفاف الحديقة ووسيلةً لموتها، وبالتالي الى انعدام النعم التي فيها. ولكن وجود النِعم في تلك الحديقة لا يتوقف على عمل ذلك الشخص وحده، بل يتوقف ايضاً على مئاتٍ من الشرائط الاخرى، بل لا تحصل تلك النعم كلها الاّ بالعلّة الحقيقية التي هي القدرةُ الربانية والارادة الإلهية.

فافهم من هذا مدى الخطأ في هذه المغالطة، واعلم فداحة خطأ عبدة الاسباب.

نعم! ان الاقتران شئٌ والعلة شئ آخر. فالنعمة التي تأتيك وقد اقترنت بنيّة احسانٍ من أحدهم اليك، علّتها الرحمة الإلهية. وليس لذاك الشخص الاّ الاقتران دون العلة.

نعم، لو لم ينو ذلك الشخص تلك النيّة في الاحسان اليك لما كانت تأتيك تلك النعمة، اي ان عدم نيته كان علة ًلعدم مجئ النعمة، ولكن ذلك الميل للاحسان لا يكون علةً لوجود النعمة ابداً، بل ربما يكون مجرد شرطٍ واحد من بين مئات الشروط الاخرى. ولقد التبس الامر على بعض طلاب رسائل النور، ممن افاض الله عليهم من نعَمه (امثال خسرو ورأفت..) فالتبس عليهم الاقتران بالعلّة، فكانوا يبدون الرضى باستاذهم ويثنون عليه ثناءً مفرطاً. والحال ان الله سبحانه قد قَرنَ نعمةَ استفادتهم من الدروس القرآنية مع احسانه الى استاذهم من نعمة الافادة، فالامر اقترانٌ ليس الاّ.

فهم يقولون: لو لم يقدم استاذنا الى هنا، ما كنا لنأخذ هذا الدرس الايماني، فافادته اذن هي علّةٌ لاستفادتنا نحن. وانا اقول: يا اخوتي الاحبة، ان الحق سبحانه وتعالى قد قَرَن النعمة التي انعمها عليّ بالتي انعمها عليكم، فالعلّة في كلتا النعمتين هي الرحمة الإلهية.

وقد كنت يوماً اشعر بامتنان بالغ نحو طلاب يملكون قلماً سيالاً مثلكم ويسعون الى خدمة النور. فالتبس عليّ الاقتران بالعلّة، فكنت اقول: تُرى كيف كان ينهض في أداء خدمة القرآن الكريم مَن كان مثلي في رداءة الخط، لولا هؤلاء الطلبة؟. ولكن فَهمتُ بعدئذ ان الحق سبحانه وتعالى بعد ما أنعم عليكم النعمة المقدسة بجودة الكتابة، مَنّ عليّ بالتوفيق في السير في هذه الخدمة القرآنية، فاقترن الامران معاً، فلا يكون احدهما علّة للآخر قط، لذا فلا أقدم شكري وامتناني لكم، بل ابشّركم واهنئكم. وعليكم انتم كذلك ان تدعوا لي بالتوفيق والبركة بدلاً من الرضى والثناء.

ففي هذه المسألة ميزانٌ دقيقٌ تُعرف به درجات الغفلة والشرك الخفي.(*)

___________________

(*) اللمعة السابعة عشرة - ص: 202