توحيد القبلة في القرآن

 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 
 
توحيد القبلة في القرآن: 
 
هوت صفعات عنيفة قبل ثلاثين سنة على رأس سعيد القديم الغافل، ففكّر في قضية أن الموت حق.
 
ووجد نفسه غارقاً في الأوحال.. استنجد، وبحث عن طريق، وتحرى عن منقذ يأخذ بيده.. رأى السبل أمامه مختلفة..
 
حار في الأمر واخذ كتاب فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الگيلاني رضي الله عنه وفتحه متفائلاً،
 
فوجد أمامه العبارة الآتية:
 
 
 
 
 
أنت في دار الحكمة فاطلب طبيباً يداوي قلبك(1)..
 
يا للعجب!.
 
 لقد كنت يومئذ عضواً في دار الحكمة الإسلامية وكأنما جئت إليها لأداوي جروح الأمة الإسلامية، والحال أنني كنت أشد مرضاً واحوج إلى العلاج من أي شخص آخر..فالأولى للمريض أن يداوي نفسه قبل أن يداوي الآخرين.
 
نعم، هكذا خاطبني الشيخ: أنت مريض.. ابحث عن طبيب يداويك!..
 
قلت: كن أنت طبيبي أيها الشيخ!
 
وبدأت أقرأ ذلك الكتاب كأنه يخاطبني أنا بالذات.. كان شديد اللهجة يحطم غروري، فأجرى عمليات جراحية عميقة في نفسي.. فلم أتحمل.. لأني كنت اعتبر كلامه موجهاً إليّ.
 
نعم، هكذا قرأته إلى ما يقارب نصفه.. لم استطع إتمامه.. وضعت الكتاب في مكانه، ثم أحسست بعد ذلك بفترة بأن آلام الجراح قد ولّت وخلفت مكانها لذائذ روحية عجيبة.. عدت إليه، وأتممت قراءة كتاب أستاذي الأول. واستفدت منه فوائد جليلة، وأمضيت معه ساعات طويلة أصغى إلى أوراده الطيبة ومناجاته الرقيقة.
 
ثم وجدت كتاب مكتوبات للإمام الفاروقي السرهندي، مجدد الألف الثاني
 
فتفاءلت بالخير تفاؤلاً خالصاً، وفتحته، فوجدت فيه عجباً.. حيث ورد في رسالتين منه لفظة ميرزا بديع الزمان فأحسست كأنه يخاطبني باسمي، إذ كان اسم أبي ميرزا وكلتا الرسالتين كانتا موجهتين إلى ميرزا بديع الزمان فقلت: يا سبحان الله.ان هذا ليخاطبني أنا بالذات، لأن لقب سعيد القديم كان بديع الزمان، ومع أنني ما كنت أعلم أحداً قد اشتهر بهذا اللقب غير الهمداني الذي عاش في القرن الرابع الهجري.
 
فلابد ان يكون هناك أحد غيره قد عاصر الإمام الرباني السرهندي وخوطب بهذا اللقب، ولابد ان حالته شبيهة بحالتي حتى وجدت دوائي بتلك الرسالتين.. والإمام الرباني يوصي مؤكداً في هاتين الرسالتين وفي رسائل أخرى أن: وحّد القبلة أي: اتبع اماماً ومرشداً واحداً ولا تنشغل بغيره!(2)
 
لم توافق هذه الوصية - آنذاك - استعدادي وأحوالي الروحية.. وأخذت أفكر ملياً: أيهما اتبع!. أأسير وراء هذا، أم أسير وراء ذاك؟ احترت كثيراً وكانت حيرتي شديدة جداً، إذ في كل منهما خواص وجاذبية، لذا لم استطع ان اكتفي بواحد منهما.
 
وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة.. إذا بخاطر رحماني من الله سبحانه وتعالى يخطر على قلبي ويهتف بي:
 
- ان بداية هذه الطرق جميعها.. ومنبع هذه الجداول كلها.. وشمس هذه الكواكب السيارة.. إنما هو القرآن الكريم فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون الا في القرآن الكريم.. فالقرآن هو أسمى مرشد.. وأقدس أستاذ على الإطلاق.. ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه.. فاستعدادي الناقص قاصر من ان يرتشف حق الارتشاف فيض ذلك المرشد الحقيقي الذي هو كالنبع السلسبيل الباعث على الحياة، ولكن بفضل ذلك الفيض نفسه يمكننا ان نبين ذلك الفيض، وذلك السلسبيل لأهل القلوب واصحاب الأحوال، كلٌ حسب درجته.
 
فـالكلمات والأنوار المستقاة من القرآن الكريم (أي رسائل النور) إذن ليست مسائل علمية عقلية وحدها بل ايضاً مسائل قلبية، وروحية، وأحوال إيمانية.. فهي بمثابة علوم إلهية نفيسة ومعارف ربانية سامية.(3)(*)
 
_________________________________
 
 (1) أصل العبارة:"يا عباد الله أنتم في دار الحكمة، لابد من الواسطة، اطلبوا من معبودكم طبيباً. يطبّ امراض قلوبكم مداوياً يداويكم..." وذلك في المجلس الثاني والستين ص 245 من كتاب الفتح الرباني الذي كان مطبوعاً في طبعاته الأولى مع كتاب فتوح الغيب في مجلد واحد موسوم بـ "فتوح الغيب"
 
(2) نص العبارة:"وحيث قد طلبت الهمة من كمال الإلتفات فبشرى لك ترجع سالماً وغانماً، لكن لابد من أن تراعي شرطاً واحداً وهو: توحيد قبلة التوجه. فإن جعل قبلة التوجهِ متعددة إلقاءُ السالك نفسه الى التفرقة.ومن الأمثال المشهورة: أن المقيم في محل في كل محل والمتردد بين المحال ليس في محل أصلاً". المكتوب الخامس والسبعون من مكتوبات الامام الرباني 1/87 . ترجمة محمد مراد.
 
(3) المكتوبات/ 457 -459
 
(*) سيرة ذاتية -ص: 161