حصيلة اربعين سنة

 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله والصلاة على نبيه
 
اعلم!اني حصلتُ في اربعين سنة في سفر العمر، وثلاثين سنة في سير العلم: اربع كلمات، واربع جمل. سيجئ تفصيلها. اشير هنا الى الاجمال..
 
اما الكلمة فهي:
 
المعنى الحرفي، والمعنى الاسمي،(1) والنية، والنظر.اعني:ان النظر الى ما سواه تعالى، لابد ان يكون بالمعنى الحرفي وبحسابه تعالى، وان النظر الى الكائنات بالمعنى الاسمي اي بحساب الاسباب خطأ. ففي كل شئ وجهان: وجهٌ الى الحق، ووجه الى الكون. فالتوجه الى الوجه الكوني لابد ان يكون حرفياً وعنواناً للمعنى الاسمي الذي هو جهة نسبته اليه تعالى. مثلا: لابد أن يُرى النعمةُ مرآةً للانعام، والوسائطُ والاسبابُ مرايا لتصرف القدرة..
 
وكذا، ان النظر، والنيّة يغيرّان ماهيات الاشياء، فيقلبان السيئات حسناتٍ. كما يقلب الاكسيرُ الترابَ ذهباً، كذلك تقلب النيةُ الحركات العادية عباداتٍ. والنظر يقلب علومَ الاكوان معارفَ إلهية.. فان نُظر بحساب الاسباب والوسائط فجهالات، وان نُظر بحساب الله فمعارف إلهية..
 
واما الكلام:
 
فالاول:"اني لست مالكي" وان مالكي هو مالك الملك ذو الجلال والاكرام... فتَوهَّمْتُني مالكاً(2)، لأفهم صفات مالكي بالمقايسة. ففهمت بالمتناهي الموهوم، الغيرَ المتناهي. فجاء الصباح وانطفأ المصباح المتخيل..
 
الثاني:"الموت حق" فهذه الحياة وهذا البدن، ليسا بقابلين لان يصيرا عمودَين تُبنى عليهما هذه الدنيا العظيمة؛ اذ ما هما بأبديين ولا من حديد ولاحجر بل من لحم ودم وعظم، ومتخالفات توافقوا في ايام قليلة هم على جناح التفرق في كل آن.. فكيف يُبنى بالآمال قصرٌ يسع الدنيا على هذا الاساس الرخو الفاسد والعمود المدَوّد(3)الكاسد..
 
الثالث:"ربي واحد": كل السعادات لكلِ واحدٍ هو التسليمُ لرب واحد. والاّ لاحتاج الى الارباب المتشاكسين من مجموع الكائنات؛ اذ لجامعية الانسان، له احتياجات الى كل الاشياء، وعلاقات معها، وتألمات وتأثرات، شعورياً وغير شعوري بكل منها، فهذه حالة جهنميّة. فمعرفة الرب الواحد الذي كل هذه الارباب الموهومة حجابٌ رقيق على يد قدرته هي حالة فردوسية دنيوية..
 
الرابع:ان "ان" نقطة سوداء، وواحد قياسي، التفّ على رأسه خطوط الصنعة الشعورية، تشاهَد فيها ان مالكه اقربُ اليه منه..
 
سيجي تفصيل هذه الجمل في خاتمة الباب الاول.(*)
 
________________________________________
 
(1) سيرد شرح هذين المصطلحين في ثنايا الكتاب فالحرف يعرف في النحو: مادلّ على معنى في غيره، اما الاسم فيعرف : مادلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان.
 
والمقصود ان النظرة القرآنية الى الموجودات تجعلها بمثابة حروف تعبّر عن معنى تجليات الاسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم سبحانه
 
(2) اي : توهمت اني مالك .
 
(3) المنخور.
 
(*) المثنوي العربي النوري - ص: 105