دور رسائل النور في صياغة الإنسان

 

إحسـان قاسـم الصـالحي 

مركز بحوث رسائل النور استانبول

 

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد؛

عقب المحاضرة التي ألقيتها حول ترجمة رسائل النور في قاعة كلية الآداب في الدار البيضاء بالمغرب[1]. سألني أحد الطلبة:

"ما الذي دفعك للقيام بهذا المجهود الضخم بترجمة كليات رسائل النور في تسعة مجلدات من اللغة التركية إلى العربية ، فإن جميع المصادر الإسلامية هي باللغة العربية  و منها تُترجم إلى اللغات الأخرى، فما الذي دفعك بالسير المخالف هذا؟.

وكان جوابي جملة قصيرة:

أخلاق طلاب النور وسلوكهم الإسلامي. وكل من قرأ رسائل النور هو طالب النور، ولا أزكّي على الله أحداً.

نعم، عند لقائي طلاب النور في سنوات السبعينات لمست الإسلام حياً نابضاً ومعيشاً في حلّهم وترحالهم، بل كشفت فيهم صفاء الإيمان ونقاء الوفاء وصدق الإخلاص ودوام العطاء، واستشعرت بالاطمئنان والسكينة تغمران قلوبهم.

لست بدعاً في هذا الإعجاب تجاه هذا الإسلام الحي والإيمان الفتي. فكثيرون جداً ممن التقوا طلاب النور لمسوا هذا الإيمان الحي وصرحوا به أو كتبوا عما شاهدوه.

فقد عبّر أخونا الأديب "أديب إبراهيم الدباغ" بقلمه السيال عن هذا السلوك الإيماني بعد ما خالطهم لمدة وجيزة فكتب يقول:

"عندكم - يا أخوتي- وجدنا عظمة أصولنا الإيمانية وهي تشع بالنضارة والرّي.. وفي رياضكم وقفنا على منابت جذورنا القرآنية وهي تموج بالخصب وتَسُحّ بالعطاء..ومن بين أيديكم كنا نتناول أبكار المعاني والأفكار في شَدَهٍٍ وذهول وكأننا لم نكن نعرف الإيمان قبل أن نرتشف معانيَه من كؤوسكم، ولم نكن نعرف القرآن قبل أن نسمعه من بين شفاهكم..فلا والله لا أدري ما أقول : أ أنتم بالإيمان تحيَون؟ أم يحيا الإيمان بكم؟ وهل بالقرآن تتحركون أم يتحرك القرآن بكم ؟ فمذ عرفناكم عرفنا كيف يتحول الإيمان في نفس المؤمن إلى يقظة وجدان .. وصحوة فكر .. وهزة ضمير .. ولهفة مشتاق..".[2]

وكتب الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد:

" إن من لا يصاحب طلبة النور ولا يخالط أجيالهم الشابة في إيمانهم العميق وهدوئهم البرئ، واخلاقهم العالية ونظافتهم البديعة، ودروسهم الإيمانية المطهرة، لا يعلم مدى عمق أثر الإمام النُّوْرْسي في تربية الجيل الجديد على حب الله ورسوله، ثم حب العلم والفكر والعرفان والتغيير". [3]

والأمثلة في هذا كثيرة وكثيرة جداً أكتفيت بهذين المثالين.

 وساءلت نفسي: كيف نالوا هذا القدر الوافر من السلوك القويم والإيمان العميق الذي ينعكس نوره حتى على ملامحهم ناهيك عن أعمالهم وحركاتهم، على الرغم من حرمانهم من اللغة العربية بل حتى من الحروف العربية، بعد ما فعلت بهم فؤوس الحقد ومعاول الهدم والتخريب ما فعلت ؟.

لا شك أن السر يكمن في رسائل النور التي يقرأونها ويتدارسونها، ولا شيء غيرها.. فلقد حيل بينهم وبين مصادر الإسلام كافة بتغيير الحروف إلى اللاتينية، بل حيل بينهم وبين القرآن الكريم.. وغدت لهم هذه الرسائل المصدر والمرجع لاستلهام حقائق الإيمان. وبفضل الله سبحانه وتعالى  استطاعت هذه الرسائل بروحها القرآنية أن تأخذ بأيدي طلابها من الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي والعروج بهم إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، معرفة مَن يصدُق عليه حديث جبريل عليه السلام الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام،  ثم قال: "ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".[4]

هذا الإيمان "التحقيقي الشهودي" هو الذي جعل طالب النور وكأنه في معية الله جلّ وعلا "فيفكر دائماً في حضور الخالق الرحيم سبحانه ورؤيته له، أي انه حاضر وناظر إليه دائماً. فلا يلتفت عندئذٍ إلى غيره، ولا يستمد من سواه. حيث النظر والإلتفات إلى ما سواه يخل بأدب الحضور وسكينة القلب".[5]

هذا الإيمان "التحقيقي الشهودي"  هو الذي جعل إيمانه بالملائكة إيماناً عميقاً حتى يستشعر وجودهم معه، فيأنس بهم  كل حين..حيث أثبتت له رسائل النوروجود الملائكة والعالم الروحاني كثبوت  وجود الإنسان والكائنات الأخرى من حوله.

هذا الإيمان "التحقيقي الشهودي" هو الذي جعل محبته للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة مهيمنة على قلبه لا تغادره ليل نهار حتى في أبسط آدابها، لما تعلم من الرسائل أن " شعاع السنة المطهرة هو الإكسير النافذ، فهي كافية ووافية لمن يبتغي النور، فلا داعي للبحث عن نور في خارجها".[6]

هذا الإيمان "التحقيقي الشهودي" هو الذي جعل الحياة الآخرة عنده كحياة مشهودة شهادة عين وبصيرة، لكثرة ما استلهم من الرسائل من دلائل وجودها ويرى في آفاق الكون والحياة من نظائرها.

هذا الإيمان "التحقيقي الشهودي" هو الذي جعلطالب النور المدقق لا يجد في نفسه ضرورة إلى البحث عن مرشد طريقة ليحصل على الحضور القلبي الدائم والمعرفة الإلهية الدائمة. حيث إن رسائل النور قد بيّنت له:

"إن التوحيد الحقيقي-  أسمى بكثير من معرفة تصورية مجردة - فهو حكمٌ وتصديقٌ وإذعانٌ وقبولٌ، بحيث يمكّن المرء من أن يهتدي إلى ربه من خلال كل شيء. و يرى في كل شيء السبيل المنورة التي توصله إلى خالقه الكريم، فلا يمنعه شيء قط عن سكينة قلبه واطمئنانه، واستحضاره لمراقبة ربّه".[7]

أي أن في كل شيء  ابتداء من الذرات وانتهاء إلى المجرات، نافذةً تطل على التوحيد، وفي كل منها دلائل وإشارات تدل مباشرة على الواحد الأحد بصفاته الجليلة.

لذا لا يجد طالب النور المدقق ضرورة إلى قول: "لا موجود إلا هو" ليحصل على الحضور القلبي الدائم وتذكر المعرفة الإلهية دائما. كما انه لا يحتاج أيضا إلى قول : "لا مشهود إلاّ هو" كما هو الحال لدى قسم من أهل الحقيقة، لينعم بالحضور القلبي الدائم.. بل تكفيه إطلالة من نافذة الحقيقة السامية:

وفي كل شيء له آية        تدل على أنه واحد

والأستاذ النُّوْرْسي لا ينقل إلى قراء الرسائل هذه الأركان الإيمانية علوماً نظرية مجردة، أو تصورات ذهنية باردة، وإنما ينقل لهم كيانه القرآني في تجربة كونية معرفية خصبة جداً، ذائبة في القرآن الكريم، إذ يقول:

 " ما كتبتُ إلاّ ما شاهدت، بحيث لم يبق لنقيضه عندي إمكانٌ وهمي..".[8]

ويقول:

" لا تحسبن أن ما أكتبه شيء مضغته الأفكار والعقول. كلا! بل فيض أفيض على روحٍ مجروح وقلب مقروح، بالاستمداد من القرآن الكريم، ولا تظنه أيضاً شيئاً سيالاً تذوقه القلوب وهو يزول. كلا! بل أنوارٌ من حقائق ثابتة انعكست على عقلٍ عليلٍ وقلبٍ مريضٍ ونفسٍ عمي".[9]

ونراه يخاطب القارئ:

" لا تخف من تمرد النفس؛ لأن نفسي الأمارة المتمردة المتجبرة انقادتْ وذلّلت تحت سطوة ما في هذه الرسالة من الحقائق! بل شيطاني الرجيم أُفحم و انخنس.

كُن مَن شئت، فلا نفسُك أطغى وأعصى من نفسي، ولا شيطانُك أغوى و أشقى من شيطاني".[10]

فالرسائل إذن دروس قرآنية توافق هذا العصرتتفجر حيوية وتتدفق أفكاراً حارة . وحيث إن أساتذة فضلاء وعلماء أجلاء قد أثبتوا هذا بدلائل قوية تستحق كل تقدير في بحوثهم العلمية التي قدموها في المؤتمرات العالمية والندوات العلمية العديدة [11]، أحيل إليها وليس لي عليها من مزيد، سوى هذا الذي أقتبسه من كلام الأستاذ الدكتور عشراتي سليمان حيث يقول:

"لم يترك القرآن بصمته الذهبية على روح النُّوْرْسي فحسب ، بل لقد حمل تراثه برمته تلك البصمة، إذ جاءت آثار القرآن وخصائصه البنائية والمنهجية والأدائية ملموسة في النص النوري: تكرار تثبيتي ، استدعاء توجيهي، استرسال تكميلي، تمثيل توضيحي، تخشيع ، تذكير ، تبصير ، إدهاش ، تحسيس بالطبيعة والكون، تركيز على التوحيد، جعْلُ الإنسان محور الوجود وغاية المخاطبات".[12]

 

سر فاعلية رسائل النور

ربما يرد بالبال سؤال:

صحيح أن رسائل النور تفسير متميز للقرآن الكريم يلائم مفاهيم هذا العصر، ولكن أليس  هناك تفاسير قيّمة أخرى لأئمة أعلام ؟ فأين إذن سر فاعلية رسائل النور حتى استطاعت بفضل الله أن تبني في طول البلاد وعرضها مدرسة إيمانية روحية فكرية متكاملة وارفة الظلال مستقيمة المسالك آتت أكلها بإذن الله في كل مكان ..؟

 

فالجواب: أن سر الفاعلية يكمن فيما يستشعره كلُّ مَن يستمر على قراءة الرسائل، من التغير والتحوّل  في قرارة ذاته ؛ تحوّلٌ  في نفسه، في فكره، بل في كيانه كله، حتى ينعكس على حياته.

وقد مررتُ بهذا التحول بنفسي، كما أفصح لي الكثيرون عما حدث لهم من التحول. و تحريت عن مكمن هذا السر العجيب كثيرا وسألت عنه الكثيرين ومازلت أبحث وأتحرى . وكما لا يخفى ليس سهلا ذكر ما جرى و يجري من حالات التغير الروحي والتحول الفكري والإنقلاب النفسي، إذ لها خصوصيتها لكل فرد، ولكن الميزة المشتركة لدى الجميع :

أن في رسائل النور سراً عجيباً كأنها تصوغ الإنسان صياغة جديدة .

نعم، إن كل قارئ لرسائل النور بإمعان يشعر ويحس في كيانه بهذه الصياغة الجديدة بل يكاد يلمسها لمس اليد في نفسه وفي روحه وفي قلبه، حتى إنه يرى بعد مدة من المداومة على القراءة كأنه إنسان جديد؛ عالمُه قد تبدل واتسع ، نظرتُه إلى الوجود والى الأحداث والى كل ما حوله قد تجددت، عالمُه الداخلي قد غمره من الإطمئنان والسكينة والانشراح ما يذكّر بسعادة الآخرة قبل بلوغها ، وعندئذ لا يتمالك نفسه من البوح  بهذه المشاعر والجدة في كيانه إلى كل قريب وصديق. وهذا أمر واقع لا شك فيه . ولكن ربما يجد فيه من لم يقرأ رسائل النور مبالغة وغلواً ومدحاً وثناءً للرسائل أكثر مما تستحق. إلاّ أن الشاهد على أحقية هذا الكلام ألوف بل مئات الألوف ممن قرأوا  ودرسوا رسائل النور، وليس فقط التركية منها بل حتى ترجماتها العربية والإنكليزية وغيرها من الترجمات . علماً أن شاهدين عدلين كافيان لإثبات صدق قضية من القضايا. ولما كنت عاجزاً عن  بسط هذا الأمر " صياغة رسائل النور للإنسان " أكثر من هذا، سوف لا أذكر إلاّ بضعة عوامل من هذه الصياغة .. أذكرها باختصار شديد

 

عوامل فاعلية الرسائل في صياغة الإنسان :

إن عوامل هذه الفاعلية كثيرة جداً نذكر منها ستة بإيجاز:

 

  • سلوك منهج قرآني في تزكية النفس:

وهو طريق العجز، الفقر، الشفقة، التفكر، طريق قصير سليم وسبيل سوي يمكن أن يعايشه القارئ في حياته اليومية معايشة واقعية، مقتصر على أربع خطوات:

الخطوة الأولى:

كما تشير إليها الآية الكريمة (فلا تزكوا أنفسكم) (النجم:32)وهي: عدم تزكية النفس. ذلك لان الإنسان حسب جبلّته، وبمقتضى فطرته، محبٌ لنفسه بالذات، بل لا يحب إلا ذاته في المقدمة. ويضحي بكل شيء من اجل نفسه، ويمدح نفسه مدحاً لا يليق إلا بالمعبود وحده، وينزّه شخصه ويبرئ ساحة نفسه، بل لا يقبل التقصير لنفسه أصلاً ويدافع عنها دفاعاً قوياً بما يشبه العبادة، حتى كأنه يصرف ما أودعه الله فيه من أجهزة لحمده سبحانه وتقديسهإلىنفسه، فيصيبه وصف الآية الكريمة: (من اتّخذ إلهَه هَواه) (الفرقان:43)فيعجب بنفسه ويعتد بها.. فلابد إذن من تزكيتها فتزكيتُها في هذه الخطوة وتطهيرها هي بعدم تزكيتها.

 

الخطوة الثانية:

كما تلقّنه الآية الكريمة من درس:(ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهُم أنفُسَهم) ( الحشر: 19).وذلك: أن الإنسان ينسى نفسه ويغفل عنها، فإذا ما فكر في الموت صرفه إلىغيره، وإذا ما رأى الفناء والزوال دفعهإلىالآخرين، وكأنه لا يعنيه بشيء، إذ مقتضى النفس الأمارة أنها تذكر ذاتها في مقام أخذ الأجرة والحظوظ وتلتزم بها بشدة، بينما تتناسى ذاتها في مقام الخدمة والعمل والتكليف. فتزكيتها وتطهيرها وتربيتها في هذه الخطوة هي: العمل بعكس هذه الحالة،أي عدم النسيان في عين النسيان،أي نسيان النفس في الحظوظ والأجرة، والتفكر فيها عند الخدمات والموت.

 

والخطوة الثالثة:

هي ما ترشد إليه الآية الكريمة: (ما أصابكَ مِن حَسَنةٍ فَمِنَ الله وما أصابكَ مِنْ سيئة فمن نفسك) (النساء:79)وذلك: إن ما تقتضيه النفس دائماً أنها تنسب الخيرإلىذاتها، مما يسوقها هذاإلى الفخر والعجب. فعلى المرء في هذه الخطوة أن لا يرى من نفسه إلاّ القصور والنقص والعجز والفقر، وان يرى كل محاسنه وكمالاته إحساناً من فاطره الجليل، ويتقبلها نعماً منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدل الفخر ويحمد بدل المدح والمباهاة. فتزكية النفس في هذه المرتبة هي في سر هذه الآية الكريمة: (قَد أفلَحَ مَنْ زَكّاها) (الشمس:9).

وهي أن تعلم بأن كمالها في عدم كمالها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها، (أي كمال النفس في معرفة عدم كمالها، وقدرتها في عجزها أمام الله ، وغناها في فقرها إليه).

 

الخطوة الرابعة:

هي ما تعلمه الآية الكريمة: (كُلُّ شَيٍء هالكٌ إلاّ وجْهَه) (القصص:88).ذلك لان النفس تتوهم نفسها حرة مستقلة بذاتها، لذا تدّعى نوعاً من الربوبية، وتضمر عصيانا حيال معبودها الحق. فبادراك الحقيقة الآتية ينجو الإنسان من ذلك وهي: كل شيء بحد ذاته، وبمعناه الاسمي: زائلٌ، مفقود، حادث، معدوم، إلا انه في معناه الحرفي، وبجهة قيامه بدور المرآة العاكسة لأسماء الصانع الجليل، وباعتبار مهامه ووظائفه: شاهد، مشهود، واجد، موجود.

فتزكيتها في هذه الخطوة هي معرفة: أن عدمها في وجودها ووجودها في عدمها، أي إذارأت ذاتها وأعطت لوجودها وجوداً، فإنها تغرق في ظلمات عدم يسع الكائنات كلها. يعنيإذاغفلت عن موجدها الحقيقي وهو الله، مغترة بوجودها الشخصي فإنها تجد نفسها وحيدة غريقة في ظلمات الفراق والعدم غير المتناهية، كأنها اليراعة في ضيائها الفردي الباهت في ظلمات الليل البهيم. ولكن عندما تترك الأنانية والغرور ترى نفسها حقاً أنها لا شيء بالذات، وإنما هي مرآة تعكس تجليات موجدها الحقيقي. فتظفر بوجود غير متناه وتربح وجود جميع المخلوقات.

نعم، من يجد الله فقد وجد كل شيء، فما الموجودات جميعها إلاّ تجليات أسمائه الحسنى جل جلاله..".[13]

 

2- إزالة ركام الشبهات أمام الفطرة:

 لاشك أن المخاطب في الوقت الحاضر غيره بالأمس، إذ شنّت عليه الضلالة هجوما شرساَ لتجتث من قلبه جذور الإيمان، وكدّست في عقله ركام الشبهات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ووضعت بينه وبين فهم الآيات القرآنية الكريمة والآيات المبثوثة في الآفاق والأنفس، حواجز قاتمة وموانع كثيفة من ظلمات الفكر المادي وتفويض الأمور إلى تأثير الأسباب المادية باسم العلم والثقافة والتقدم، وغرزتها في فكره وذهنه سواء من خلال مناهج دراسية أو عبر قنوات ثقافية وإعلامية المسموعة منها والمرئية.  حتى أصبح المخاطب عاجزاً عن اختراق تلك الحواجز وتجاوزها والتخلص منها ليتمكن من التدبر في الآيات الكريمة ويستفيض منها غذاءه الروحي والعقلي.

ولكن بمداومة قراءة الرسائل ، والاستفاضة الدائمة منهاوتزكية النفس بها، يزول ما علق على فطرته من الركامات، وتُرفع من أمامها تلك الحواجز والموانع التي وضعتها وسائل الضلالة ، حتى تسلَم فطرتُه وتُعافى، وتُفتح بصيرتُه وتنفُذ إلى إدراك الحقائق بإذن الله .

 

3-النظرة الحرفية للكائنات والأحداث:

يقول الأستاذ النورسي:

"اعلم! أنى احمد الله على أن فتح لي أعاظم مسائل هذه الكائنات بمسألة من النحو، هي الفرق بين "المعنى الحرفي والإسمى"!.. أي هذه الموجودات كلماتٌ دالات على معانٍ في غيرها، أي مكتوباتٌ ربانية تاليات للأسماء الحسنى، لا إسمية حتى تدل على معنى في نفسها لذاتها".[14]

ويمكن أن نوضح النظرة الحرفية والنظرة الإسمية وهما " زاوية نظر" المؤمن بالمثال الآتي:

" إنك إذا نظرت إلى المرآة من حيث إنها زجاجة، ترى مادتها الزجاجية، وتكون الصورة المتمثلة فيها شيء ثانوي، بينما إن كان القصد من النظر إلى المرآة رؤية الصورة المتمثلة فيها، فالصورة تتوضح أمامك حتى تدفعك إلى القول (فتبارك الله احسن الخالقين)  (المؤمنون:14)بينما تبقى زجاجة المرآة أمراً ثانوياً.

النظرة الأولى تمثل "المعنى الاسمي" أي: زجاجة المرآة معنى مقصود، وصورة الشخص المتمثلة فيها "معنى حرفي" غير مقصود.

أما النظرة الثانية فصورة الشخص هي المقصودة، فهي إذن معنى "إسمي" أما الزجاج فمعنى "حرفي".

وهكذا ورد في كتب النحو تعريف الاسم أنه: ما دلّ على معنى في نفسه. أما الحرف فهو: ما دلّ على معنى في غيره.

فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعل الموجودات جميعها حروفاً، أي أنها تعبّر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبّر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.

أما نظرة الفلسفة الميتة فهي تنظر على الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزل قدمها إلى مستنقع الطبيعة". [15]

"نعم! إن ذلك الفرقان الحكيم هو الذي يرشد الجن والإنس إلى الآيات الكونية التي سطَّرها قلمُ القدرة الإلهية على صحائف الكون الواسع ودبجها على أوراق الأزمنة والعصور. وهو الذي ينظر إلى الموجودات- التي كل منها حرف ذو مغزى- بالمعنى الحرفي، أي ينظر إليها من حيث دلالتها على الصانع الجليل. فيقول: ما أحسنَ خلقه! ما أجملَ خلقه! ما أعظم دلالته على جمال المبدع الجليل. وهكذا يكشف أمام الأنظار الجمالَ الحقيقي للكائنات.

لذا فإن رسائل النور أيضاً تسوق الأمثلة من الموجودات التي يعايشها القارئ للدلالة على الله سبحانه وتعالى، فتجعل لديه "زاوية نظر" ينظر منها إلى الكائنات والأحداث، وهي زاوية "نظر حرفي" أي من حيث دلالتها على الله سبحانه وتعالى. وذلك بـالآتي :

 

4- تمزيق أستار الألفة  والعادة:

يقول الأستاذ النورسي:

"لما عجز الإنسان بنظره السطحي أن يتذوق ما في جفان الكائنات وصحونها من غذاء روحي مغطى بغطاء الألفة ، سئم من لعق الجفان ولَحْس الغطاء. ولم يفده سوى عدم القناعة، والتلهف إلى خوارق العادات والرغبة في الخيالات، مما ولّد لديه الرغبة في المبالغة للتجدد أو الترويج..".[16]

إلاّ أن الألفة  - التي هي أخت الجهل المركب وأمّ النظر السطحي - هي التي عصبت عيون المبالغين. ولا يفتح تلك العيون المعصوبة إلاّ أمر القرآن الكريم بالتدبر والتأمل في الآفاق والأنفس المألوفتين.

نعم! إن نجوم القرآن الثاقبة هي التي تفتح الأبصار وترفع ظلام الجهل وظلمات النظرة العابرة. إذ تمزق الآيات البينات بيدها البيضاء حجاب الألفة  والنظر السطحي..".[17]

فـ" القرآن الكريم، ببيناته القوية النافذة، إنما يمزّق غطاء الألفة  وستار العادة الملقى على موجودات الكون قاطبة، والتي لا تُذكر إلاّ أنها عادية مألوفة مع أنها خوارق قدرةٍ بديعة ومعجزاتها العظيمة. فيكشف القرآن بتمزيقه ذلك الغطاء حقائق عجيبة لذوي الشعور، ويُلفت أنظارهم إلى ما فيها من دروس بليغة للاعتبار والعظة، فاتحاً كنزاً لا يفنى للعلوم أمام العقول".[18]

ورسائل النور تقتفي أثر القرآن العظيم في تمزيقه لغطاء العادة والمألوف ، إذ ما أن يطالع المرء رسائل النور ويداوم على قراءتها حتى يشاهد أن الأستار المانعة لرؤية الحقائق وحُجُبَها الملقاة على الموجودات والأحداث تتمزق أمامه وتتلاشى، فيرى معجزات القدرة الإلهية وخوارق العادات في عين العاديات من الأمور و الأشياء التيأصبحت  شفافة تشف عما تحتها ووراءها، فيرى من خلال حجب الأسباب الظاهرية للأحداث والوقائع، الأسبابَ الحقيقية للقدر الإلهي والحكمة الربانية. فلا يضطرب تجاه الحوادث ولا يقلق أمام المصائب والنوائب.

وهكذا بتحرره من النظر السطحي العابر، وبزوال ركام الشبهات والحواجز ، وتزكية نفسه  ينفتح أمامه باب واسع جداً وهو :

 

5-التعامل مع معاني الأسماء الحسنى:

وذلك بعدما بدأ ينظر إلى الموجودات بالمعنى الحرفي حيث تفتقر إلى معنى في ذاتها و يحتاج لمعرفة ماهيتها إلى إسم من الأسماء الحسنى؛ حتى تصبح هذه النظرة لديه مَلَكة. إذ يشعر أنه يزاول تعاملاً ذوقياً وقلبياً وروحياً وفكرياً مع معاني الأسماء الحسنى، لا تعاملا نظريا ، بل استكشافياً، فيشاهد أنوار تجليات تلك الأسماء فيما حوله من موجودات، وفي الحوادث اليومية، لكثرة ما تضع الرسائل بين يديه من ضرب الأمثال الحياتية الواقعية، فيحيا بتلك المعاني الجميلة بعقله وقلبه وروحه بل بجميع لطائفه وأحاسيسه ومشاعره.

وبهذا تصبح الموجودات والحوادث لقارئ الرسائل  مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى ومكاتيب ربانية مفتوحة يفهم منها معانيها الحقيقية ، حتى لا يبقى مجال للغفلة عن المولى الكريم، بل يكسب بالتأمل فيها مرتبة من الاطمئنان واسعة سعة الكون، وتفتح أمامه عبودية دائمة وواسعة  سعة الكون.. وعندها تتحول أنواع العلوم التي يقرؤها من خلال مناهج دراسية وأشكال الثقافة التي يتلقاها عبر قنوات ثقافية وإعلامية المسموعة منها والمرئية إلى أدوات لمعرفة الله ونوافذ تطل على التوحيد.وكلما عاود القراءة، ظهرت له من  معاني الأسماء الحسنى أكثر، وأتته حقائقها تترى في تجاربه اليومية وفي معاملاته الحياتية.وكلما انسكبت  أنوار من تلك المعرفة الإلهية إلى روح طالب النور ونفذت إلى قلبه انعكست في سلوكياته وتصرفاته، حتى تطفح على محياه.

علاوة على ذلك تنعش الرسائل روحَ القارئ وتغرز في قلبه وترسخ في عقله أصولاً إيمانية وموازين قرآنية، مما يعينه على اجتياز العقبات التي تجابهه وحل المشكلات التي تقابله.

وربما تحدث هذه العوامل؛ من تمزق أستار العادة أمام نظر القارئ وزوال ركام الشبهات عن فطرته واكتسابه موازين قرآنية وتعامله مع معاني الأسماء الحسنى، لدى دراسته رسالة واحدة من رسائل النور .. وربما تحدث باطلاعه على عدد من الرسائل إن أراد المزيد ، فيغنم فراسة صادقة وبصيرة نافدة وأنواعاً من السعادة الحقة، والسرور الخالص، والنعمة التي ما بعدها نعمة، واللذة التي لا تفوقها لذة.. في معرفة الله.. في محبة الله.

فهذا النظر إلى الكائنات والأحداث هو نظر قرآني محض حيثلا يقضي على الكائنات بالعدم كما هو لدى بعض الطرق الصوفية ولا يسجنها في سجن النسيان المطلق كما هو لدى البعض الآخر من الطرق ، بل ينقذ الكائنات من الإهمال والعبثية ويجعلها مسخرة في سبيل الله سبحانه، جاعلاً من كل شيء مرآة تعكس أنوار المعرفة الإلهية، فاتحاً في كل شيء نافذة تطل إلى المعرفة الربانية.

 

6- الحضور الأخروي:

يقول الأستاذ النورسي:

" إن هذا العصر العجيب الذي أثقل كاهل الإنسان بالحياة الدنيوية بما كثّر عليه من متطلبات الحياة وضيّق عليه مواردَها، وحوّل حاجاته غير الضرورية إلى ضرورية بما ابتلاه من تقليد الناس  بعضهم بعضاً ومن التمسك بعادات مستحكمة فيهم، حتى جعل الحياة والمعاش هي الغاية القصوى والمقصد الأعظم للإنسان في كل وقت. هذا العصر العجيب أسدل بهذه الأمور حجاباً دون الحياة الدينية والأخروية والأبدية، أو في الأقل جعلها أمراً ثانوياً أو ثالثياً بالنسبة له..".[19]

ولما كانت رسائل النور تستقي من فيض القرآن وتستمد من بحره وترجع إليه، وأن رُبع القرآن الكريم آيات حول الآخرة، فما يفتح القارئ رسالة إلاّ ويجد فيها ما يذكّره بالآخرة تصريحاً  أو تلميحاً أو إشارة، بأمثلة واقعية من حياته اليومية ، فيغدو "الكون بسر التوحيد، بمثابة مزرعة تهيئ محاصيل وفيرة جداً لعالم الآخرة ومنازلها.. و بمثابة مصنع عظيم يهيئ لوازم لطبقات دار السعادة من أعمال بشرية غنية بمحاصيلها.. و بمثابة جهاز تصوير سينمائي دائب عظيم يضم مئات الألوف من أجهزة الالتقاط لالتقاط صور من الدنيا وعرضها مناظر ســرمدية لأهل عالم البقاء ولأهل الشهود في الجنة".[20]

فضلا عن أنه تعلّم من الرسائل أن الآخرة ليست منتهى الدنيا، بل هي موجودة الآن فتُرسل إليها أعماله وأقواله في كل آن، وصدق الله العظيم : (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه).. وبهذا يتكامل حسّه الأخروي، فتكون الآخرة قريبة إليه كأنه يشاهدها مشاهدة عين وبصيرة ويعايشها معايشة حياتية.

ولقد وفق الله سبحانه  الأستاذ الجليل أبوالحسن على الحسني الندوي رحمه الله، في بيان الفرق المميّز بين منهج الأنبياء في الدعوة إلى الآخرة وبين منهج الإصلاحيين في الدعوة إليها، فقال:

"لم تكن دعوة الأنبياء إلى الإيمان بالآخرة، أو الإشادة بها "كضرورة خلقية، أو كحاجة إصلاحية، لا يقوم بغيرها مجتمع فاضل ومدنية صالحة، فضلا عن المجتمع الإسلامي" وهذا وإن كان يستحق التقدير والإعجاب، ولكنه يختلف عن منهج الأنبياء وسيرتهم، ومنهج خلفائهم اختلافاً واضحاً، والفرق بينهما أن الأول –منهج الأنبياء- إيمانٌ ووجدانٌ، وشعورٌ وعاطفةٌ، وعقيدةٌ تملك على الإنسان مشاعرَه وتفكيَره وتصرفاته، والثاني اعترافٌ وتقريرٌ، وقانونٌ مرسومٌ، وأن الأولين يتكلمون (عن الآخرة) باندفاع والتذاذ، ويدعون إليها بحماسة وقوة، وآخرون يتكلمون عنها بقدر الضرورة الخلقية، والحاجة الاجتماعية، وبدافع من الإصلاح والتنظيم الخلقي، وشتان ما بين الوجدان والعاطفة، وبين الخضوع للمنطق والمصالح الاجتماعية".[21]

وصدق أخونا الدكتور فريد الأنصاري في وصفه طلاب النور: " إن طلاب النور يشعرونك أنك أمام عمّال الآخرة. إن أنداء الجنة تفوح من قلوبهم وهم يمارسون مهامهم".[22]

 

7- الشعور بالعناية الربانية:

إن كل مؤمن صادق يشعر بلا شك أنه تحت رعاية الله وعنايته الربانية، ولكن شعور قارئ رسائل النور شعور حيّ ملازم له حيث  يرى آثار هذه العناية باستمرار وكأنها لا تفارقه، إذ يستشعرها دائماً بأحاسيسه المتيقظة ولطائفه المتنبهة، حتى لكأن العناية الربانية تأخذ بيده وتهديه إلى سواء السبيل.. هكذا تمضي حياة قارئ رسائل النور في يقظة شعورية مع اطمئنان قلبي وراحة نفسية. حتى إذا ما غفل وفتر عن العمل القرآني لسبب من الأسباب بمقتضى بشريته وأخطأ فالعناية الربانية توقظه بـ" لطمة رحمة ورأفة" كما يعبّر عنها  الأستاذ النورسي الذييقول:" إن العاملين المخلصين في هذه الخدمة القرآنية لما يعتريهم الفتور والإهمال في العمل يأتيهم التحذير والتنبيه فيتلقون لطمة ذات رأفة وعطف، وينتبهون من غفلتهم، ويسرعون بجد للخدمة مرة أخرى..".[23]

 

نخلص مما سبق:

أنه بهذه العوامل التي ذكرناها وبغيرها التي لم نذكرها، وهي عوامل متداخلة وليست متسلسلة، تفعل الرسائل فعلها في تطهير ذهن القارئ وتحريك قلبه وتوجيه عقله وتنبيه روحه فيصبح خادماً حقاً للقرآن، في أخلاقه، في سلوكه، في كلامه، في عمله، في تفكيره، في جميع تصرفاته. ولا نزكّي على الله أحداً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

الهوامش

 



[1]  وذلك في فبراير سنة 1998

[2]  أديب إبراهيم الدباغ ، سعيد النورسي رجل الإيمان في محنة الكفر والطغيان. دار الأنوار استانبول

[3]  مقدمة المؤتمر العالمي الرابع لبديع الزمان سعيد النورسي (نحو فهم عصري للقرآن الكريم:رسائل النور أنموذجاً). سنة 1998

[4]  حديث متفق عليه

[5]  اللمعات ص247

[6]  اللمعات ص90

[7]  الشعاعات ص 197

[8]  المثنوي العربي النوري ص104

[9]  المثنوي العربي النوري ص318

[10]  المثنوي العربي النوري 14-15

[11]  انظرالمؤتمر العالمي الثالث والرابع لبديع الزمان سعيد النورسي  بإستانبول أيلول سنة 1995و1998، والندوة الدولية (جهود بديع الزمان سعيد النورسي في تجديد الفكر الإسلامي) 18 مارس 1999 جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط - المغرب.

[12]بديع الزمان النورسي: سيمياء الشكل والصميم- المقدمة

[13]  الكلمات ص 560

[14]  المثنوي العربي النوري  ص 352

[15]  اللمعات ص 172- الملاحق ملحق بارلا ص 90

[16]   صيقل الإسلام محاكمات عقلية ص 64

[17]   صيقل الإسلام محاكمات عقلية ص 63

[18]  الكلمات ص 150

[19]  الملاحق ص 145

[20]  الشعاعات ص 15

[21] النبوة والأنبياء، أبو الحسن علي الحسني الندوي ص52

[22]  جريدة التجديد المغربية العدد 121

[23]  اللمعات ص67