رسـالـة الشـكر

 
 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  
 
 
 
الاستغناء عن الشكر تكذيب للنعم الالهية  
 
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ
 
(وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلاّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ)
 
يفيض القرآن الكريم ببيانه المعجز ويحثّ على الشكر في آيات كثيرة، منها هذه الآيات التاليات:
 
(اَفَلاَ يَشْكُرُون) (يس:35).... (اَفَلاَ يَشْكُرُوُن) (يس:73)
 
(وَسَنَجْزى الشَّاكرينَ)(آل عمران:145)
 
(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَزيدَنَّكُمْ) (ابراهيم:7)
 
(بَلِ الله فَاعْبُد وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرين) (الزمر:66)
 
ويبيّن منها: أن اجلّ عملٍ يطلُبُه الخالُق الرحيم من عباده هو: الشُكر. فيدعو الناس الى الشكر دعوة صريحة واضحة ويوليه أهمية خاصة باظهاره أن الاستغناء عن الشكرتكذيب للنعم الإلهية وكفران بها، ويهدّد إحدى وثلاثين مرة في سورة "الرحمن" بالآية الكريمة : (فَبَايّ آلاءِ رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تهديداً مُرعباً، ويُنذر الجن والإنس إنذاراً مهولاً ببيانه: ان عدم الشكر والإعراض عنه تكذيبٌ وإنكار وجحود.
 
 
 
 
 
ومثلما يبيّن القرآن الحكيم أن الشكر نتيجة الخلق والغاية منه، فالكون الذي هو بمثابة قرآن كبير مجسّم يُظهِر أيضاً أن اهمّ نتيجة لخلق الكائنات هي الشكر؛ ذلك لأنه اذا ما أنعم النظر في الكائنات لتبيّن:
 
ان هيأة الكون ومحتوياته قد صُممت بشكل ووُضعت على نمط، بحيث تنتج الشكر وتُفضي اليه، فكل شئ متطلّع ومتوجّه - من جهة - الى الشكر، حتى كأن أهم ثمرة في شجرة الخلق هذه هي الشكر، بل كأن أرقى سلعة من بين السلع التي ينتجها مصنع الكون هذا هي الشكر؛ ذلك لأننا نرى:
 
انموجودات العالم قد صُممت بطراز يشبه دائرة عظيمة، وخُلقت الحياة لتمثل نقطة المركز فيها، فنرى: ان جميع الموجودات تخدم الحياة وترعاها وتتوجه اليها، وتتكفل بتوفير لوازمها ومؤنها. فخالق الكون اذن يختار الحياة ويصطفيها من بين موجوداته!
 
ثم نرى ان موجودات عوالم ذوى الحياة هي الاخرى قد أوجدت على شكل دائرة واسعة بحيث يتبوّأ الانسانُ فيها مركزها؛ فالغايات المرجّوة من الاحياء عادة تتمركز في هذا الانسان. والخالق الكريم سبحانه يحشّد جميع الأحياء حول الانسان ويسخّر الجميع لأجله وفي خدمته، جاعلاً من هذا الانسان سيداً عليها وحاكماً لها. فالخالق العظيم اذن يصطفي الانسان من بين الاحياء بل يجعله موضع إرادته ونصبَ اختياره.
 
ثم نرى ان عالم الانسان بل عالم الحيوان ايضاً يتشكل بما يشبه دائرة كذلك، وقد وُضع في مركزها "الرزق"، وغرز الشوق الى الرزق في الانسان والحيوانات كافة، فنرى أنهم قد أصبحوا جميعاً بهذا الشوق خَدَمة الرزق والمسخَّرين له. فالرزق يحكمهم ويستولى عليهم. ونرى الرزق نفسه قد جُعل خزينة عظيمة لها من السعة والغنى ما لو تجمعت نِعَمه فلا تعد ولا تحصى (حتى نرى القوة الذائقة في اللسان قد زوّدت بأجهزة دقيقة وموازين معنوية حساسة بعدد المأكولات والمطعومات لمعرفة أذواق نوع واحد من انواع الرزق الكثيرة). فحقيقة الرزق اذن هي أعجب حقيقة في الكائنات واغناها، واغربها،وأحلاها وأجمعها.
 
ونرى كذلك: أنه مثلما يحيط كل شئ بالرزق ويستشرفه ويتطلع اليه، فالرزق نفسه ايض - بأنواعه جميعاً ـ قائم بالشكر معنىً ومادةً وحالاً ومقالاً، ويحصل بالشكر، وينتج الشكر، ويبيّن الشكر ويُريه؛ لان اشتهاء الرزق والإشتياق اليه نوعٌ من شكر فطري. أما الالتذاذ والتذوق فهما شكرٌ ايضاً، ولكن بصورة غير شعورية - حيث تتمتع الحيوانات كافة بهذا الشكر - بيد أن الانسان هو المخلوق الوحيد الذي يغيّر ماهية ذلك الشكر الفطري بانسياقه الى الضلالة والكفر، فيتردى من الشكر الى الشرك.
 
ثم ان ما تحمله النعم - التي هي الرزق بعينه - من صورٍ جميلة زاهية بديعة، ومن روائح زكية طيبة شذية، ومن طعوم لذيذة ومذاقات طيبة، ما هو إلاّ دعاة وأدلاّء الى
 
الشكر.فهؤلاء الادلاء والدعاة المنادون يثيرون بدعواهم الشوق لدى الاحياء، ويحضّونهم عليه، ويدفعونهم - بهذا الشوق - الى نوع من الاستحسان والتقدير والاحترام فيقروّن فيهم شكراً معنوياً. ويلفتون أنظار ذوي الشعور الى التأمل والإمعان فيها فيرغّبونهم في الاستحسان والاعجاب، ويحثونهم الى احترام النعم السابغة وتقديرها. فتُرشدهم تلك النِعم الى طريق الشكر القولي والفعلي وتدلّهم عليه وتجعلهم من الشاكرين، وتذيقهم من خلال الشكر أطيبَ طَعمٍ وألذهُ وأَزكى ذوق وأنفسه، وذلك بما تُظهر لهم بأن هذا الرزق اللذيذ او النعمة الطيبة، مع لذته الظاهرة القصيرة الموقتة يهب لك بالشكر التفكر في الالتفات الرحماني الذي يحمل لذة وذوقاً حقيقيين ودائميين وغير متناهيين. اي ان الرزق بتذكيره بالتفات الكريم المالك لخزائن الرحمة الواسعة - تلك الالتفاتة والتكرمة التي لا حدَّ للذاتها ولا نهاية لمتعته - تذيق الانسان بهذا التأمل نشوة معنوية من نشوات الجنة الباقية وهو بعدُ لم يغادر هذه الدنيا.
 
في الوقت الذي يكون الرزق بوساطة الشكر خزينة واسعة جامعة تطفح بالغناء والمتعة، يتردى تردياً فظيعاً جداً بالتجافي عن الشكر والاستغناء عنه.
 
ولقد بيّنا في "الكلمة السادسة": ان عمل القوة الذائقة في اللسان إن كان متوجهاً الى ا سبحانه وفي سبيله، أي عندما تتوجه الى الرزق أداءً لمهمة الشكر المعنوي، تكون تلك القوة والحاسة في اللسان بمثابة مشرف موقّر شاكر، وتكون بحكم ناظر محترم حامد، على مطابخ الرحمة الإلهية المطلقة. ولكن متى ما قامت بعملها رغبةً في هوى النفس الأمارة بالسوء واشباعاً لنهمها، أي اذاتوجهت الى النعمة مع عدم تذكر شكر المُنعم الذي أنعم عليه بالرزق، تهبط تلك القوة الذائقة في اللسان من ذلك المقام السامي، مقام الراصد الأمين، الى درجة بواب مصنع البطن، وحارس اسطبل المعدة. ومثلما ينتكس خادمُ الرزق هذا الى الحضيض بالاستغناء عن الشكر، فماهية الرزق نفسها وخدام الرزق الآخرون كذلك يهوون جميعاً بالنسبة نفسها من أسمى مقام الى ادناه، بل حتى يتدنى الى وضع مباين تماماً لحكمة الخالق العظيم.
 
ان مقياس الشكر هو القناعة، والاقتصاد، والرضا، والامتنان. أما مقياس عدم الشكر والاستغناء عنه فهو الحرص، والاسراف، وعدم التقدير والاحترام، وتناول كل ما هب ودّب دون تمييز بين الحلال والحرام.
 
نعم ان الحرص مثلما أنه عزوف وإعراض عن الشكر، فهو ايضاً قائد الحرمان ووسيلة الذل والإمتهان. حتى كأن النملة - تلك الحشرة المباركة المالكة لحياة اجتماعية - تُداس تحت الاقدام وتنسحق، لشدة حرصها وضعف قناعتها، اذ بينما تكفيها بضع حبات من الحنطة في السنة الواحدة تراها تجمع ألوف الحبات اذا ما قدّر لها أما النحلة الطيبة، فتجعلها قناعتها التامّة ان تطير عالياً فوق الرؤوس، حتى انها تقنع برزقها وتقدّم العسل الخالص للانسان احساناً منها بأمر الآله العظيم جل جلاله.
 
نعم ان إسم "الرحمن" الذي هو من أعظم أسمائه سبحانه وتعالى يعقبُ لفظ الجلالة " الله " الذي هو الاسم الاعظم والاسم العَلَمُ للذات الأقدس. فهذا الاسم "الرحمن" يشمل برعايته الرزق؛ لذا يمكن الوصول الى انوار هذا الاسم العظيم بالشكر الكامن في طوايا الرزق. علماً ان أبرز معاني "الرحمن" هو الرزاق.
 
ثم ان للشكر انواعاً مختلفة، الاّ أن أجمع تلك الانواع واشملها والتي هي فهرسها العام هو: الصلاة!.
 
وفي الشكر ايمان صافٍ رائق، وهو يحوى توحيداً خالصاً؛ لأن الذي يأكل تفاحة - مثل - باسم الله ويختم أكلها بـ "الحمد لله" إنما يعلن بذلك الشكرَ، على ان تلك التفاحة تذكار خالص صادر مباشرةً من يد القدرة الإلهية، وهي هدية مهداة مباشرة من خزينة الرحمة الإلهية. فهو بهذا القول وبالاعتقاد به يسلّم كلَّ شئ - جزئياً كان أم كلي - الى يد القدرة الإلهية، ويُدرك تجلّى الرحمة الإلهية في كل شئ. ومن ثم يُظهر ايماناً حقيقياً بالشكر، ويبيّن توحيداً خالصاً به.
 
وسنبين هنا وجهاً واحداً فقط من بين وجوه الخسران الكثيرة التي يتردى اليها الانسان الغافل من جراء كفرانه النعمة وكنوده بها.
 
اذا تناول الانسان نعمةً لذيذة، ثم أدى شكره عليها، فان تلك النعمة تصبح - بوساطة ذلك الشكر ـ نوراً وضّاءً له، وتغدو ثمرة من ثمار الجنة الاُخروية، وفضلاً عما
 
تمنحه من لذة، فان التفكر في أنها أثرٌ من آثار التفات رحمة الله الواسعة وتكرمة منه سبحانه وتعالى يمنح تلك النعمة لذةً عظيمة دائمة وذوقاً سامياً لاحد له. فيكون الشاكر قد بعث أمثال هذه اللّباب الخالصة والخلاصات الصافية والمواد المعنوية الى تلك المقامات السامية الرفيعة، تاركاً موادَّها المهملة وقشرتَه - التي استنفدت اغراضها وأدّت وظيفتها ولم تعد اليها حاجة - يتم تحولها الى نفايات وفضلات تعود الى أصلها من العناصر الاولية.
 
ولكن ان لم يشكر المنعم عليه، ربَّه على النعمة، واستنكف عنها، فان تلك اللذة الموقتة تترك بزوالها ألماً وأسفاً، وتتحول هي نفسها الى قاذورات. فتنقلب تلك النعمة التي هي ثمينة كالألماس الى فحم خسيس.
 
فالأرزاق الزائلة تثمر بالشكر لذائذ دائمة وثمرات باقية، أما النعم الخالية من الشكر فانها تنقلب من صورتها السامية الجميلة الزاهية الى صورة دنيئة قبيحة دميمة؛ ذلك لأن الغافل يظن ان مآل الرزق بعد اقتطاف اللذة المؤقتة منه هو الفضلات!.
 
حقاً، ان الرزق صورة وضّاءةً تستحق الحب والعشق، تلك التي تظهر بالشكر، والاّ فان عشق الغافلين والضالين للرزق وتلهفهم عليه ما هو إلاّ بهيمية حيوانية..
 
قس على هذا.. لتعلم مدى خسارة أهل الضلالة والغفلة ومدى فداحة أمرهم!
 
إن اشد الاحياء حاجةً الى الرزق والى انواعه هو الانسان! فالحق سبحانه وتعالى قد خلق هذا الانسان مرآة جامعة لجميع اسمائه الحسنى، وأبدعه معجزةً دالّة على قدرته المطلقة. فهو يملك اجهزة يتمكن بها تثمين وتقدير جميع مدّخرات خزائن رحمته الواسعة ومعرفتها.. وخلقه على صورة خليفة الارض الذي يملك من الأجهزة الحساسة ما يتمكن بها من قياس أدق دقائق تجليات الاسماء الحسنى.. فلأجل كل هذا فقد اودع سبحانه في هذا الانسان فاقةً لاحدّ لها، وجعله محتاجاً الى انواع لا تحد من الرزق المادي والمعنوي. وما الوسيلة التي تمكّن الانسانَ من العروج بها الى اسمى مقام وهو مقام "احسن تقويم" ضمن ما يملكه من الجامعية الاّ الشكر.
 
فاذا انعدم الشكر يتردى الانسان الى اسفل سافلين ويكون مرتكباً ظلماً عظيماً..
 
الخلاصة:
 
ان الشكر هو اعظم اساس من الاسس الاربعة التي يستند اليها سالك اسمى طريق واعلاه اَلا وهو طريق العبودية والحب للّه تعالى والمحبوبية.
 
وقد عُبّر عن تلك الاسس الأربعة بـ:
 
در طريق عجزى مندى لازم آمد جار جيز:
 
عجزِ مطلق فقرِ مطلق شوقِ مطلق شكرِ مطلق أي عزيز!".(1)
 
 
 
اللّهُمّ اجعلنا من الشاكرين برحمتك يا ارحم الراحمين.
 
(سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاّ ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم)
 
اللّهم صل وسلم على سيدنا محمدٍ سيد الشاكرين والحامدين وعلى آله وصحبه اجمعين.
 
(وآخرُ دَعواهم أن الحمدُ لله رب العالمين).(*)
 
 
 
 
 
________________________________________
 
[1] أي: ايها العزيز، يا صاحبَ العجز، إعلم ان عليك ان تعمل باربعة اشياء: العجز المطلق، الفقر المطلق، الشوق المطلق، الشكر المطلق..
 
(*) كليات رسائل النور-المكتوب الثامن والعشرون - ص:469