لا يعول من اقتصد

 

باسمه سبحانه  

﴿وكلوا واشربُوا وَلا تُسرِفُوا﴾(الاعراف:31)

ايها المستخلف المبارك 

 

(هذه الآية الكريمة تلقن درساً في غاية الاهمية وترشد

إرشاداً حكيماً بليغاً بصيغة الأمر الى الاقتصاد، ونهي

صريح عن الاسراف. ومن نكاتها).

 

ان المقتصد لا يعاني فاقة العائلة وعوزها كما هو مفهوم الحديث الشريف: (لا يعول من اقتصد)(1). اجل هناك من الدلائل القاطعة التي لا يحصرها العدّ بأن الاقتصاد سبب جازم لإنزال البركة، واساس متين للعيش الافضل. أذكر منها ما رأيته في نفسي وبشهادة الذين عاونوني في خدمتي وصادقوني باخلاص فأقول:

لقد حصلتُ احياناً وحصل اصدقائي على عشرة اضعاف من البركة بسبب الاقتصاد. حتى انه قبل تسع سنوات(2) عندما أصرّ عليّ قسم من رؤساء العشائر المنفيين معي الى (بوردور) على قبول زكاتهم كي يحولوا بيني وبين وقوعي في الذلة والحاجة لقلة ما كانت عندي من النقود، فقلت لاولئك الرؤساء الاثرياء: برغم أن نقودي قليلة جداً الاّ انني املك الاقتصاد، وقد تعودت على القناعة، فانا أغنى منكم بكثير فرفضتُ تكليفهم المتكرر الملح.. ومن الجدير بالملاحظة ان قسماً من اولئك الذين عرضوا عليّ زكاتهم قد غلبهم الذَّين بعد سنتين، لعدم التزامهم بالاقتصاد، الاّ أن تلك النقود الضئيلة قد كفتني – ولله الحمد – ببركة الاقتصاد الى ما بعد سبع سنوات، فلم تُرق مني ماء الوجه، ولم تدفعني لعرض حاجتي الى الناس، ولم تفسد عليّ ما اتخذته دستوراً لحياتي وهو (الاستغناء عن الناس).

نعم ان من لايقتصد، مدعوّ للسقوط في مهاوي الذلّة، ومعرض للانزلاق الى الاستجداء والهوان معنىً.

ان المال الذي يستعمل في الاسراف في زماننا هذا لهو مال غالٍ وباهظ جداً، حيث تدفع احياناً الكرامة والشرف ثمناً ورشوة له، بل قد تُسلب المقدسات الدينية، ثم يُعطى نقوداً منحوسة مشؤومة، أي يقبش بضعة قروش من نقود مادية، على حساب مئات الليرات من النقود المعنوية.

بينما لو اقتصر الانسان على الحاجات الضرورية واختصرها وحصر همه فيها، فسيجد رزقاً يكفل عيشه من حيث لا يحتسب وذلك بمضمون الآية الكريمة:

﴿ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾(الذاريات:58) وأن صراحة الآية الكريمة:

﴿وما من دابة في الارض الاّ على الله رزقها﴾(هود:6) تتعهد بذلك تعهداً قاطعاً.

نعم، ان الرزق قسمان:

القسم الاول: وهو الرزق الحقيقي الذي تتوقف عليه حياة المرء، وهو تحت التعهد الرباني بحكم هذه الآية الكريمة، يستطيع المرء الحصول على ذلك الرزق الضروري مهما كانت الاحوال، ان لم يتدخل سوء اختياره، دون ان يضطر الى فداء دينه ولا التضحية بشرفه وعزته.

القسم الثاني: هو الرزق المجازي، فالذي يسيء استعماله لا يستطيع ان يتخلى عن الحاجات غير الضرورية، التي غدت ضرورية عنده نتيجة الابتلاء التقليد. وثمن الحصول على هذا الرزق باهظ جداً ولاسيماء في هذا الزمان، حيث لا يدخل ضمن التعهد الرباني، اذ قد يتقاضى ذلك المال لقاء تضحيته بعزته سلفاً راضياً بالذل، بل قد يصل به حد السقوط في هاوية الاستجداء المعنوي، والتنازل الى تقبيل اقدام أناس منحطين وضيعين، لا بل قد يحصل على ذلك المال المنحوس الممحوق بالتضحية بمقدساته الدينية التي هي نور حياته الخالدة. ثم ان الألم الذي ينتاب ذوي الوجدان من حيث العاطفة الانسانية – بما برونه من آلام يقاسيها المحتاجون البائسون في هذا الزمان الذي خيم عليه الفقر والحاجة – يشوّب لذاتَهم التي يحصلونها بأموال غير مشروعة، وتزداد مرارتها ان كانت لهم ضمائر. انه ينبغي في هذا الزمان العجيب الاكتفاء بحدّ الضرورة في الاموال المريبة، لانه حسب قاعدة (الضرورة تقدر بقدرها) يمكن ان يؤخذ باضطرارٍ من المال الحرام حدَّ الضرورة وليس اكثر من ذلك. وليس للمضطر ان يأكل من الميتة الى حدّ الشبع، بل له ان يأكل بمقدار ما يحول بينه وبين الموت. وكذا لا يؤكل الطعام بشراهة امام مائة من الجائعين.

نورد هنا حادثة واقعية للدلالة على كون الاقتصاد سبب العزة والكمال:

اقام (حاتم الطائي) المشهور بكرمه وسخائه ضيافة عظيمة ذات يوم واغدق هدايا ثمينة على ضيوفه ثم خرج للتجول في الصحراء، فرأى شيخاً فقيراً يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً من الحطب والكلأ والشوك والدم يسيل من بعض جسمه.. فخاطبه قائلاً:

- ايها الشيخ، ان حاتماً الطائي يقيم اليوم ضيافة كريمة ويوزع هدايا ثمينة، بادرْ اليه لعلك تنال منه اموالاً اضعاف أضعاف ما تناله من هذا الحمل!!.

قال له ذلك الشيخ المقتصد: سأحمل حملي هذا بعزة نفسي وعرق جبيني، ولا أرضى ان أقع تحت طائل منّة حاتم الطائي.

ولما سُئل حاتم الطائي يوماً:

- مَن من الناس وجدتهم اعزَّ منك واكرم؟

قال: ذلك الشيخ المقتصد الذي لقيته في المفازة ذات يوم، لقد رأيته حقاً اعزّ مني واكرم.(*)

 

_______________________

 (1) (ما عال من اقتصد) رواه احمد عن ابن مسعود (كشف الخفاء، 2/189) وانظر 1/158 ايضاً.

(2) المقصود سنة 1926م. – المترجم.

(*) كليات رسائل النور –اللمعة التاسعة عشرة..ص:215