مبشر البشر

 

باسمه سبحانه 

أيها المستخلف المبارك   

رشحة من بحر معرفة النبي صلى الله عليه وسلم

انظر واستمع ما يقول! ها هو يبحث عن حقائق مدهشة عظيمة، ويُنذر البشر ويبحث عن مسائل جاذبة للقلوب، لازمة جالبة للعقول الى الدقة (1) فيبشّر البشر. ومن المعلوم ان شوقَ كشفِ حقائق الاشياء، قد ساق الكثيرين من اهل (المَرَق) (2) الى فداء الارواح.

ألا ترى انه لو قيل لك: ان أفديتَ نصفَ عمركَ او نصف مالك، لنزل من القمر او المشتري شخصٌ يخبرك بغرائب احوالهما ويخبرك بحقيقة استقبالك، 

اظنك ترضى بالفداء؟ فياللعجب! ترضى لدفع (مَرَقِك) بترك نصف العمر والمال، ولاتهتم بما يقول هذا ويصدِّقه اجماعُ اهل الشهود وتواتر أهل الاختصاص من الانبياء والصديقين والاولياء والمحققين؛

فيبحث عن شؤون سلطانٍ: ليس القمرُ في مملكته الاّ كذبابٍ يطير حول فراشٍ، يطير ذلك الفراشُ حول سِراج ٍمن القناديل التي اسرجها في منزلٍ أعدّه لضيوفه المسافرين من الوفِ منازله! ..

وكذا يخبر عن عالمٍ هو محل الخوارق والعجائب، وعن انقلاب عجيب، فرضاً لو انفلقت الارضُ وتطايرت جبالُها كالسحاب ما ساوتْ عُشر معشار عشير غرائب ذلك الانقلاب.

فان شئت فاستمع من لسانه

امثال: (اذا الشَّمسُ كُوِّرَتْ) و (اذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) و (اذا زُلْزِلَتِ الارضُ زِلْزالَهَا)و (القَارِعَةُ) ..

وكذا يخبر بتحقيقٍ عن استقبال؛ٍ

ليس الاستقبال الدنيوي بالنسبة اليه الا كقطرةِ سرابٍ بلا طائلٍ بالنسبة الى بحر بلا ساحل.. وكذا يبشّر عن شهودٍ بسعادةٍ؛

ليست السعادة الدنيوية بالنسبة اليها الا كبرقٍ زائل بالنسبة الى شمس سرمدية.

نعم، تحت حجاب هذه الكائنات - ذات العجائب - عجائبٌ، تنتظرنا وتنظر الينا. ولابد لاخبار تلك العجائب والخوارق شخصٌ عجيب خارق يشاهِد ثم يشهَد، ويبصُر ثم يُخبر.

نعم، نشاهد من شؤونه واطواره انه يشاهد ثم يشهَد فينذر ويبشّر. وكذا يخبر عن مرضيات رب العالمين ومطالبه منّا وهكذا.. من عظائم مسائل لامفرّ منها، وعجائب حقائق لامنجأ منها، ولا سعادة بدونها.

فيا حسرةً على الغافلين! وياخسارةً على الضالين! وياعجباً من بلاهة اكثر الناس! كيف تَعامَوا عن الحق وتصامّوا عن هذه الحقيقة! لا يهتمون بمثل هذا الذات في عجائبه، مع ان من شأن مثله ان تُفدى له الارواحُ ويُسرع اليه بترك الدنيا وما فيها.(*)

_______________

(1) اي الملاحظة والتدبر وإنعام النظر.

(2) اي الولع واللهفة والرغبة الملحة والاهتمام . ويستعملها الاستاذ في اماكن متفرقة ويعقبها بمعناها العربي.

(*) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري ص:61