محاورة لطيفة

 
قطرة نورية من كليات رسائل النورسي
 
 محاورة لطيفةمع سليمان رشدي(1) الذي هو رمز الوفاء والاخلاص، المتميز بنقاء السريرة.
 
عندما يقترب زمن تسريح الذباب من مهمة الحياة وذلك في موسم الخريف، يستعمل بعض من يقصد نفعه بالذات دواءً لمكافحة الذباب ليحولوا دون ان يمسهم شيء من الازعاج. فمسّ ذلك رقة قلبي واثر فيّ كثيراً. علماً ان الذباب قد تكاثر اكثر من قبل على الرغم من استعمال الدواء القاتل. وكان في غرفتي في السجن حبل لنشر الملابس لأجل تنشيفها فكانت تلك الطويرات الصغيرة جداً تتراصف على ذلك الحبل مساءً تراصفاً جميلاً منتظماً. فقلت لرشدي: لا تتعرض لهذه الطويرات الصغيرة، انشر الملابس في مكان آخر. فردّ عليّ بجدّ: اننا بحاجة الى هذا الحبل، فلتجد الذبان لها موضعاً آخر!
 
وعلى كل حال، ولمناسبة المحاورة اللطيفة التي جرت بيننا انفتح باب البحث عن الذباب والنحل وما شابههما من الحشرات الكثيرة، فدار الكلام حولها..
 
فقلت له :
 
ان مثل هذه الانواع من الحيوانات التي تتكاثر نسخها بكثرة هائلة، لها وظائف مهمة. فالكتاب تطبع بطبعات كثيرة نظراً لقيمته، بمعنى ان جنس الذباب(2) له وظيفة مهمة وقيمة كبيرة حيث يُكثر الفاطر الحكيم من نسخ تلك الرسائل القَدَرية وكلمات القدرة الإلهية.
 
نعم! ان هذه الطائفة من الذباب التي تنظف وجهها وعينيها وجناحيها كل حين، وكأنها تتوضأ، تشكل موضوعاً مهما للآية الكريمة:﴿يا ايها الناسُ ضُربَ مثلٌ فاستمعوا له إنّ الذين تَدعونَ من دون الله لن يَخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإنْ يَسْلبهم الذبابُ شيئاً لا يستنقذوه منه ضَعُفَ الطالبُ والمطلوبُ﴾(الحج:73)
 
بمعنى ان الاسباب وما يدّعيه اهل الضلالة من ألوهية من دون الله لو اجتمعت على خلق ذبابة واحدة لعجزت. اى ان خلق الذباب معجزة ربانية وآية تكوينية عظيمة، بحيث لو اجتمعت الاسباب كلها لما خلقت مثل تلك الآية الربانية ولا استطاعت ان تعارضها ولا تقليدها قطعاً. فتلك المعجزة قهرت نمرود، ودافعت عن حكمة خلقها دفاعاً فاق ألف اعتراض، لما شكى موسى عليه السلام من ازعاجاتها قائلاً: يارب لِمَ اكثرتَ من نسل هذه المخلوقات المزعجة.. اُجيب إلهاماً: لقد اعترضتَ مرةَ على الذبان، وهي كثيراً ما تسأل: يارب ان هذا الانسان الكبير ذا الرأس الضخم لا يذكرك الاّ بلسان واحد بل يغفل احياناً عن ذكرك، فلو خلقتَ من رأسه فحسب مخلوقات من امثالنا لكانت الوف المخلوقات ذاكرة لك.
 
وفضلاً عن هذا فان الذباب يرعى النظافة أيما رعاية، اذ ينظف وجهه وعينيه باستمرار ويمسح على اجنحته دوماً ويؤدي كل ذلك كمن يتوضأ. اذاً لهذه الطائفة وظائف مهمة وجليلة بلاشك، الاّ ان نظر الحكمة البشرية وعلمها قاصر لم يحط بعدُ بتلك الوظائف.
 
نعم، ان الله سبحانه وتعالى قد خلق قسماً من الحيوانات مفترسة آكله للحوم، وكأنها موظفات صحيات ومأمورات للتنظيف تؤدي وظيفتها في غاية الاتقان، بتنظيفها وجه البحر وجمعها لجثث ملايين الحيوانات البحرية يومياً، وانقاذ وجه البحر من المناظر القذرة(3). فان لم توف هذه الحيوانات بوظيفتها الصحية حق الوفاء وعلى اجمل وجه لما تلألأ وجه البحر كالمرآة الساطعة، ولكان البحر يورث الكآبة والحزن.
 
وكذا فانه سبحانه قد خلق حيوانات مفترسة وطيوراً جارحة بمثابة مأمورات للنظافة والامور الصحية، تقوم بتنظيف وجه الارض يومياً من جثث مليارات من الحيوانات البرية والطيور وانقاذها من التعفن، وانقاذ ذوي الحياة من ذلك المنظر الكئيب الأليم. حيث تستطيع تلك الحيوانات ان تتحسس مواضع تلك الجثث الخفية والبعيدة من مسافة تبلغ حوالي ست ساعات، وذلك بسَوق من إلهام رباني، فتنطلق الى تلك المواضع وتزيل الجثث. فلولا هذه الموظفات الصحيات البرية وهي تؤدي وظائفها على افضل وجه لكان وجه الارض في حالة يرثى لها.
 
نعم، ان الرزق الحلال للحيوانات الوحشية المفترسة هو لحوم الحيوانات الميتة، وحرام عليها لحوم الحيوانات الحية، بل لها جزاء إن اكلت منها، فالحديث الشريف (حتى يقتصّ للجماء من القَرناء)(4). يدل على أن الحيوانات التي تبقى ارواحها رغم فناء اجسادها لها جزاء وثواب يناسبها في دار البقاء. فعلى هذا يصح القول شان لحوم الحيوانات الحية حرام على المفترسات.
 
وكذا النمل موظف بجمع شتات القطع الصغيرة للنعم الإلهية وصيانتها من التلف والامتهان لئلا تداس تحت الاقدام، فضلاً عن جمعه جثث الحيوانان الصغيرة وكأنه موظف صحي.
 
وكذا الذبان لها وظائف – اهم مما ذكر – فهي مأمورة بتنظيف مالا يراه الانسان من جراثيم مرضية وتطهير المواد السامة. فهي ليست ناقلة للجراثيم، بل العكس تهلك تلك الجراثيم المضرة وتمحيها بمصها لها واكلها، وتحيل تلك المواد السامة الى مواد اخرى. فتحُول دون سريان كثير من الامراض، وتوقفها عند حدّها.
 
والدليل على أن الذبان موظفات صحيات، ومأمورات تنظيف وكيمياويات حاذقات، وان لوجودها حكمة الهية واسعة.. هو كثرتها المتناهية، اذ المواد النافعة والثمينة تكثر منها(5)
 
 ايها الانسان الذي يقصد نفع ذاته وحده
 
انظر الى فائدة واحدة للذباب تعود اليك فحسب مما سوى فوائده ومنافعه للحياة. وتخلّ عن عدائك له. فكما انه يورثك الانس والسلوان في الاغتراب والوحدة والانفراد، كذلك يوقظك من نوم الغفلة وغمرات تشتت الفكر، فيذكرك بوظائف انسانية كالحركة والنشاط والنظافة الدائمة بوضوئه وصلاته وتنظيفه وجهه وعينه، كما هو مشاهد.
 
وكذا النحل – وهي صنف من الذباب – تطعمك العسل الذي هو ألذّ غذاء والطفه، وهي الملهمة بالوحي الإلهي كما نص عليه القرآن الكريم، فعليك ان توليها حبك.
 
ان العداء للذباب لا معنى له، بل هو ظلم واجحاف بحق تلك الحيوانات التي تعاون الانسان وتسعى لصداقته وتتحمل أذاه، وانما يجوز مكافحة المضرة منها فحسب، وذلك دفعاً لأضرارها، كدفع ضرر الذئاب عن الاغنام.
 
فيا ترى أليس من المحتمل ان تكون البعوض والبرغوث المسلطين علينا حجامات فطرية، أي موظفات بمص الدم الفاسد الجاري في الاوردة وقت الحر وزيادة الدم اكثر من حاجة الجسم؟.. سبحان من تحير في صنعه العقول..
 
كنت يوماً في جدال مع نفسي، اذ اغترت بما انعم الله عليها، وتوهمت انها مالكة لها، وبدأت بالفخر والمدح.
 
فقلت لها: انك لاتملكين شيئاً بل هو أمانة. فتركت الغرور والفخر. ولكنها تكاسلت قائلة: لِمَ أَرعى ما ليس لي؟ وماذا عليّ لو ضاع؟.
 
وفجأة رأيت ذبابة وقفت على يدي وبدأت بتنظيف وجهها وعينها وجناحيها وهي امانات لديها تنظيفاً على اجمل ما يكون، مثلما ينظف الجندي سلاحه وملابسه التي سلمتها له الدولة، فقلت لنفسي: انظري الى هذه الذبابة، فنظرت وتعلمت منها درساً بليغاً. وهكذا اصبح الذباب استاذاً لنفسي الكسلانة.
 
ان فضلات الذباب لاضرر لها من حيث الطب، بل قد تكون شراباً حلواً (وغذاء لحشرات اخرى) اذ ليس من المستبعد عن الحكمة الإلهية، بل من شأنها ان تجعل من الذباب مكائن تصفية واجهزة استحالة، نظراً لأكلها الوف الأصناف من مواد هي منشأ الجراثيم والسموم
 
نعم ان من طوائف الذباب – مما سوى النحل – طائفة تأكل المواد المتعفنة المختلفة(6) فتقطر دوماً قطرات من مواد حلوة بدلاً من فضلاتها – كنزول المنّ على اوراق الاشجار – فتثبت انها مكائن استحالة.
 
وهكذا يتبين امام الانظار مدى عظمة امة الذباب الصغير هذا، ومدى عظمة وظائفها. وكأنها تقول بلسان الحال: لا تنظروا الى صغر اجسامنا بل الى عِظَم وظائفنا. وقولوا: سبحان الله.(*)
 
______________________
 
(1) من تلاميذ الاستاذ النورسي الأوائل في اسبارطة – المترجم
 
(2) الذباب: يطلق على كل حشرة طائرة (ج) أذبة وذبان - المترجم
 
(3) نعم، ان سمكة واحدة تضع الوفاً من البويضات، فتخرج منها الوفاً من الصغار واحياناً تخرج من مبيضها مليوناً من البويضات، فتكون مواليد الاسماك متناسبة مع وفياتها، كي يمكن ان تحافظ على التوازن في البحر. ومن ألطاف تجليات الرحمن الإلهية تتفاوت اجسام الوالدات تفاوتاً كبيراً من اجسام صغارها، فلا تستطيع ان تقود صغارها اينما ذهبت، حيث لا يمكنها الدخول في اماكن تدخلها صغار، فيولد الحكيم الرحيم سبحانه قائداً صغيراً من بين الصغيرات ويسخرها في وظيفة الوالدات. - المؤلف
 
(4) عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لتؤُّدن الحقوق الى اهلها يوم القيامة، حتى يقادَ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم برقم 2582 والترمذي 2535 (تحفة الأحوذي) وقال: في الباب عن ابي ذر و عبدالله بن أنيس. حديث ابي هريرة حديث حسن صحيح (ومعنى الجلحاء: أي التي لا قرن لها).
 
(5) ان الفقرة الآتية للصوفي الشهير (يونس أمره) لطيفة جداً في اشارتها الى مدى ما في جناح الذباب من خوارق وابداع، ومدى كون الذباب نفسه صنعة ربانية عظيمة: (حملت جناح ذباب على اربعين حمل، فعجزت الاربعون عن حملها وظلت مسطورة هكذا). – المؤلف
 
(6) ان طائفة صغيرة جداً من الذباب تُخلق على هيئة كتلة سوداء، على اغصان اللوز والمشمش، في اواخر الربيع، وتبقى ملتصقة بالغصن، وتسيل منها بدلاً من الفضلات، قطرات شبيهة بالعسل فتتجمع حولها انواع الذباب الاخرى وتمصها. وطائفة اخرى من الذباب تستخدم في تلقيح بعض ازاهير النباتات والاشجار المثمرة، كالتين. وطائفة اخرى للذباب، هي اليراع، المتلمعة ليلاً، وهي اعجوبة تلفت الانظار وتدعو الى التدبر والتأمل، كما ان قسماً منها تتلمع لمعان الذهب. وينبغي الاّ ننسَ البعوض والزنابير المجندات الحاملات للرماح. فلو لم تكن زمام هذه الذبان بيد الخالق الرحيم، واغارت على الاحياء والانسان لأفنت نوع الانسان كما قتلت نمرود، ولفسرت لنا المعنى الاشاري للآية الكريمة ﴿وَإَن يَسلُبهُمُ الذُّبَابُ شَيئاً لاَ يَستَنقِذُوهُ﴾(الحج:73). ولهذا فان جنس الذباب الذي يضم مائة من الطوائف المالكة للمزايا والخواص المذكورة، لها اهميتها التي أهلتها لتكون موضوع الآية الكريمة ﴿يَاأيُّهَا الناسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاستَمِعُواْ لَهُ..﴾(الحج:73).. - المؤلف
 
(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 410