أسمى مقصد للانسان

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

قال تعالى:  (قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون الله فاتّبعوني يُحْببكُم الله) .

في هذه الآية الكريمة ايجاز معجز، حيث ان معاني كثيرة قد اندرجت في هذه الجمل الثلاث:

تقول الآية الكريمة: ان كنتم تؤمنون بالله، فانكم تحبونه، فما دمتم تحبونه فستعملون وفق ما يحبه، وما ذاك الاتشبهكم بمن يحبه.. وتشبهكم بمحبوبه ليس الا في اتباعه، فمـتى ما اتبعتموه يحبكم الله، ومـن المعلوم انكم تحـبون الله كـي يحبكم الله.

وهكذا فهذه الجمل ماهي الا بعض المعاني المختصرة المجملة للآية، لذا يصح القول: ان أسمى مقصد للانسان واعلاه هو ان يكون اهلا لمحبة الله.. فنص هذه الاية يبين لنا ان طريق ذلك المقصد الاسنى انما هو في اتباع حبيب الله والاقتداء بسنته المطهرة. فاذا ما اثبتنا في هذا المقام ثلاث نقاط فستتبين الحقيقة المذكورة بوضوح.

النقطة الاولى:

لقد جُبل هذا الانسان على محبة غير متناهية لخالق الكون، وذلك لان الفطرة البشرية تكنّ حباً للجمال، ووداً للكمال، وافتتاناً بالاحسان، وتتزايد تلك المحبة بحسب درجات الجمال والكمال والاحسان حتى تصل الى اقصى درجات العشق ومنتهاه.

نعم ان في القلب الصغير لهذا الانسان الصغير يستقر عشق بكبر الكون. اذ ان نقل محتويات ما في مكتبة كبيرة من كتب، وخزنها في القوة الحافظة للقلب - وهي بحجم حبة عدس - يبين ان قلب الانسان يمكنه ان يضم الكون ويستطيع ان يحمل حباً بقدر الكون.

فما دامت الفطرة البشرية تملك استعداداً غير محدود للمحبة تجاه الاحسان والجمال والكمال.. وان لخالق الكون جمالا مقدساً غير متناه، ثبوته متحقق بداهة بآثاره الظاهرة في الكائنات.. وان له كمالا قدسياً لاحدود له، ثبوته محقق ضرورة بنقوش صنعته الظاهرة في هذه الموجودات.. وان له احسانا غير محدود ثابت الوجود يقينا، يمكن لمسه ومشاهدته ضمن انعامه والآئه الظاهرة في جميع انواع الاحياء.. فلابد انه سبحانه يطلب محبة لاحد لها من الانسان الذي هو اجمع ذوي الشعور صفة، واكثرهم حاجة، واعظمهم تفكراً، واشدهم شوقاً اليه.

نعم، كما ان كل انسان يملك استعدادا غير محدود من المحبة تجاه ذلك الخالق ذي الجلال، كذلك الخالق سبحانه هو اهل ليكون محبوبا، لاجل جماله وكماله واحسانه اكثر من اي احد كان، حتى ان ما في قلب الانسان المؤمن من انواع المحبة ودرجاتها للذين يرتبط بهم بعلاقات معينة، ولاسيما ما في قلبه من حب تجاه حياته وبقائه، وتجاه وجوده ودنياه، وتجاه نفسه والموجودات بأسرها، انما هي ترشحات من تلك الاستعدادات للمحبة الإلهية. بل حتى اشكال الاحساسات العميقة - عند الانسان- ما هي الا تحولات لذلك الاستعداد، وما هي الا رشحاته التي اتخذت اشكالا مختلفة.

ومن المعلوم ان الانسان مثلما يتلذذ بسعادته الذاتية، فهو يتلذذ ايضا بسعادة الذين يرتبط بهم بعلاقة ومحبة ومثلما يحب من ينقذه من البلاء، فهو يحب من ينجي محبيه من المصائب ايضاً.

وهكذا، فاذا ما فكر الانسان وروحه مفعمة بالامتنان لله، في احسان واحد فقط مما لايعد ولايحصى من الاحسانات العظيمة التي قد غمر بها الله سبحانه وتعالى الانسان وشمله بها، فانه سيفكر على النحو الآتي:

ان خالقي الذي انقذني من ظلمات العدم الابدية، ومنحني منحة الخلق والوجود، ووهب لي دنيا جميلة استمتع بجمالها هنا على هذه الارض، فان عنايته ايضا ستمتد اليّ حين يحين اجلي، فينقذني كذلك من ظلمات العدم الابدي والفناء السرمدي، وسيهب لي - من فضل احسانه - عالماً ابدياً باهرا زاهرا في عالم البقاء في الآخرة.. وسينعم عليّ سبحانه بحواس ومشاعر ظاهرة وباطنة لتستمتع وتتلذذ في تنقلها بين انواع ملذات ذلك العالم الجميل الطاهر.

كما انه سبحانه سيجعل جميع الاقارب، وجميع الاحبة من بني جنسي الذين اكن لهم حباً عميقاً وارتبط معهم بعلاقة وثيقة، سيجعلهم اهلا لهذه الآلاء والاحسانات غير المحدودة.. وهذا الاحسان - من جهة - يعود عليّ كذلك، اذ انني اتلذذ بسعادة اولئك، واسعد بها.. فما دام في كل فرد حب عميق وافتتان بالاحسان كما في المثل: الانسان عبد الاحسان فلابد ان الانسان امام هذا الاحسان الابدي غير المحدود سيقول:

لو كان لي قلب بسعة الكون لاقتضى ان يملأ حباً وعشقاً تجاه ذلك الاحسان الإلهي، وانا مشتاق لملئه، ولكن رغم انني لست على مستوى تلك المحبة فعلا، الا انني أهل لها بالاستعداد والايمان، وبالنية والقبول، وبالتقدير والاشتياق، وبالالتزام والارادة.

وهكذا ينبغي قياس ما يظهره الانسان من المحبة تجاه الجمال وتجاه الكمال بمقياس ما اشرنا اليه مجملا من المحبة تجاه الاحسان.

اما الكافر الملحد، فانه يحمل عداء لاحد له فهو يستخف بالموجودات من حوله، ويستهين بها، ويمتهنها، ويناصبها العداء والكراهية.

* النقطة الثانية:  

ان محبة الله تستلزم اتباع السنة الطاهرة لمحمد صلى الله عليه وسلم، لان حب الله هو العمل بمرضياته، وان مرضاته تتجلى بافضل صورها في ذات محمد صلى الله عليه وسلم. والتشبه بذاته المباركة في الحركات والافعال يأتي من جهتين:

احداهم:جهة حب الله سبحانه واطاعة اوامره، والحركة ضمن دائرة مرضاته، هذه الجهة تقتضي ذلك الاتباع، حيث ان اكمل امام وامثل قدوة في هذا الامر هو محمد صلى الله عليه وسلم.

وثانيتهم:جهة ذاته المباركة صلى الله عليه وسلم التي هي أسمى وسيلة للاحسان الإلهي غير المحدود للبشرية، فهي اذاً اهل لمحبة غير محدودة لاجل الله وفي سبيله.

والانسان يرغب فطرة في التشبه بالمحبوب ما امكن، لذا فالذين يسعون في سبيل حب حبيب الله عليهم ان يبذلو جهدهم للتشبه به باتباع سنته الشريفة.

* النقطة الثالثة:

كما ان لله سبحانه وتعالى رحمة غير متناهية، فله سبحانه كذلك محبة غير متناهية. وكما انه يحبب نفسه - بصورة غير محدودة - بمحاسن الكائنات جميعاً وبجمالها وزينتها الى مخلوقاته، فانه كذلك يحب مخلوقاته، ولاسيما اصحاب

الشعور منهم الذين يقابلون تحببه لهم بالحب والتعظيم. لذا فان اسمى مقصد الانسان في مرضاة ربه، واجلّ سعيه هو ان يكون موضع نظر محبة الله الذي خلق الجنة بلطائفها ومحاسنها ولذائذها ونعمها بتجل من تجليات رحمته.

وبما ان احدا لا يمكنه ان يكون اهلا لمحبته سبحانه الا باتباع السنة الاحمدية كما نص عليه كلامه العزيز، اذن فاتباع السنة المحمدية هو اعظم مقصد انساني واهم وظيفة بشرية.(*)

 

_______________

 (*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 90