أول زيارة حرة إلى أسكي شهر

 

النورسي 

بديع الزمان 

 

بعد أن قضى الأستاذ في (اميرداغ) سنتين سافر إلى أسكي شهر في 29/11/951 واستقر في فندق (يلدز) ما يقارب الشهر ونصف الشهر وبعث إلى طلابه الرسالة الآتية:

الحقيقة هي التي تتكلم

لقد أثبتت رسائل النور انه قد تنبثق عدالة من بين طيات الظلم. أي قد يتعرض أحدهم إلى الظلم وإلى الحيف فتصيبه نكبة، وقد يحكم عليه بالحبس ويرمى به في غياهب السجون..

لاشك ان مثل هذا الحكم ظلم واضح، ولكنه قد يكون سبباً لتجلي العدالة وظهورها، ذلك لأن القدر الالهي قد يستخدم الظالم لتوجيه العقوبة إلى شخص استحقها بسبب آخر، وهذا نوع من أنواع تجلي العدالة الإلهية.

 

وانا الآن أفكر..

لِمَ اُساق من محكمة إلى محكمة، ومن ولاية إلى ولاية، ومن مدينة إلى أخرى طوال ثمانية وعشرين عاماً؟

وما التهمة الموجهة اليّ من قبل من ارتضوا لأنفسهم معاملتي بكل هذا التعذيب الظالم؟ 

أليست هي تهمة استغلال الدين في سبيل السياسة؟ ولكن لِمَ لا يستطيعون اثبات ذلك؟..

ذلك لأنه لا يوجد أي شئ من هذا القبيل في الحقيقة وفي الواقع. فهذه محكمة تقضي الشهور والسنوات في محاولة الحصول على أي دليل يدينني فلا تستطيع، واذا بمحكمة أخرى تسوقني للتحقيق وللمحاكمة تحت التهمة نفسها وتقضي بدورها مدة في هذه المحاولة وفي الضغط عليّ وتعرضني لأنواع شتى من التعذيب، وعندما لا تحصل على أية نتيجة تتركني، واذا بمحكمة ثالثة تمسك بخناقي هذه المرة.. وهكذا انتقل من مصيبة إلى مصيبة، ومن نكبة إلى أخرى.

لقد انقضى ثمان وعشرون سنة من عمري على هذا المنوال، واخيراً ايقنوا من عدم وجود أي نصيب من الصحة للتهم المسندة اليَّ؛

واني أتساءَل:

سواء أكان ذلك قصداً أو وهماً فانني أعلم علم اليقين عدم وجود أية علاقة لي بهذه التهمة، كما ان جميع أهل الانصاف يعرفون بانني لست بالرجل الذي يستغل الدين لغاية سياسية، بل ان الذين وجّهوا اليّ هذه التهمة يعرفون ذلك في قرارة نفوسهم.

اذن فما السبب في اصرارهم على اقتراف هذا الظلم في حقي؟ ولماذا بقيت معرضاً على الدوام لهذا الظلم والتعذيب مع كوني بريئاً

ودون أي ذنب؟ ولماذا لم استطع التخلص من هذه المصائب؟ ألم تكن هذه الأحوال مخالفة للعدالة الإلهية؟

لقد بحثت عن أجوبة لهذه الاسئلة خلال ربع قرن من الزمن فلم اُوفق في ذلك. ولكني الآن عرفت السبب الحقيقي في قيامهم بظلمي وتعذيبي.

وانا أقول وكلي أسف:

ان ذنبي هو اتخاذي خدماتي القرآنية وسيلة للترقي المعنوي والكمالات الروحية.

والآن بدأتُ افهم هذا وأحسه تماماً، وانا اشكر الله تعالى آلاف المرات لانه طوال سنوات طويلة وضعت موانع معنوية وقوية جداً خارج ارادتي لكي لا اتخذ خدماتي الإيمانية وسيلة للترقيات المادية والمعنوية أو من أجل الخلاص من العذاب ومن جهنم أو حتى من أجل سعادتي الأبدية أو من أجل أية غاية أخرى.

لقد اذهلتني هذه الاحاسيس الداخلية العميقة والخواطر الالهامية، فبينما نرى ان كل فرد له الحق في اكتساب المقامات التي يعشقها، وفي نيل السعادة الأخروية عن طريق الأعمال الصالحة، هذا زيادة على انه لا ينتج أي ضرر لأي أحد، ومع هذا فقد رأيت انني اُمنع - روحياً وقلبياً - من هذه الأحوال ومن سلوك هذا الطريق.

وجُعل نصب عيني أن عليّ الا أهتم - بجانب الفوز بالرضى الالهي - الا بواجب خدمة الإيمان.

ذلك لأن الزمن الحالي يحتاج إلى اعطاء نوع من الدرس القرآني الذي لا يكون في خدمة أي غرض آخر للذين لم يتوصلوا بفطرة العبودية الموجودة في أنفسهم إلى الحقائق الإيمانية التي هي فوق كل شئ، وإلى الذين هم بحاجة إلى فهم هذه الحقائق وذلك باسلوب مؤثر، بحيث يستطيع إنقاذ الإيمان في مثل دنيا الاضطراب هذه التي اختلطت فيها الأمور، ويستطيع اقناع حتى المعاندين وبعث الطمأنينة في نفوسهم، وبذلك يستطيع قصم ظهر الكفر المطلق والضلال المتمرد والمعاند وبذلك يهب القناعة الكاملة للجميع.

ولا تحصل مثل هذه القناعة في الظروف الحالية الاّ عندما يكون الدين بعيداً عن كونه وسيلة لأية غاية شخصية أو دنيوية أو أخروية، مادية كانت أو معنوية.

واذا لم يتحقق هذا فان أي شخص يقف تجاه التيار الرهيب -المتولد من المنظمات والجمعيات السرية- ضد الدين عاجزاًمهما بلغ من المراتب المعنوية، لانه لا يستطيع ازالة كل الشكوك والشبهات.

ذلك لان نفس الشخص المعاند الأمارة بالسوء الذي يرغب في الدخول إلى حلقة الإيمان ستقول له: (ان ذلك الشخص زين لنا هذا بدهائه وبمستواه الرفيع واستطاع بهذا اقناعنا)..

يقول هذا ويبقى الشك يساوره.

فلله الشكر الوف الوف المرات ففي طيّ تهمة القيام باستغلال الدين في السياسة قام القدر الالهي - الذي هو العدل المحض - طوال ثمان وعشرين سنة بمنعي من جعل الدين - دون علمي ودون ارادة مني - آلة لأي غرض شخصي، وذلك باستخدام الأيدي الظالمة للبشر في توجيه الصفعات لي وفي تذكيري وتنبيهي.. هذه الصفعات التي كانت عدلاً محضاً وتحذرني قائلة:

إياك إياك! ان تجعل الحقائق الإيمانية آلة لشخصك، وذلك لكي يعلم المحتاجون إلى الحقائق ان الحقائق وحدها هي التي تتكلم، ولكي لا تبقى هناك أوهام النفس ودسائس الشيطان، بل لتخرس وتصمت.

هذا هو سر تأثير رسائل النور في اشعال الحماس في القلوب وفي الأرواح كالأمواج في البحار الواسعة. وهذا هو سر تأثيرها في القلوب وفي الأرواح وليس شيئاً غيره.

ومع ان هناك آلافاً من العلماء سجلوا الحقائق التي تتحدث عنها رسائل النور في مئات الآلاف من الكتب، والتي هي أكثر بلاغة من رسائل النور، لم تستطع ايقاف الكفر البواح.

فاذ كانت رسائل النور قد وفّقت إلى حدّ ما في مقارعة الكفر البواح تحت هذه الظروف القاسية، فقد كان هذا هو سر هذا النجاح..

ففي هذا الموضوع لا وجود لـ(سعيد)، ولا وجود لقابلية سعيد وقدرته، فالحقيقة هي التي تتحدث عن نفسها..نعم.. الحقيقة الإيمانية هي التي تتحدث.

وما دامت رسائل النور تؤثر في القلوب العطشى إلى الإيمان وإلى نور الحقائق، إذن لا يُفدّى بـ(سعيد) واحد بل بألف (سعيد وسعيد). وليكن كل ما قاسيته في غضون ثمانٍ وعشرين سنة من الأذى والمصائب حلالاً زلالاً.

أما الذين ظلموني وجرجروني من مدينة إلى أخرى، والذين أرادوا ان يوصموني بمختلف التهم والاهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات فقد غفرتُ لهم ذلك وتنازلت عن حقوقي تجاههم.


وأقول للقدر العادل:

انني كنت مستحقاً لصفعاتك العادلة لانني سلكت مثل الآخرين طريقاً - هي بذاتها مشروعة ولا ضرر منها - فكرت فيها بشخصي، ولو لم أضح بمشاعري في الفيوضات المادية والمعنوية، لفقدت هذه القوة المعنوية الكبيرة في أثناء تأدية خدماتي من أجل الحفاظ على الإيمان.

لقد ضحيت بكل شئ وتحملت كل اذى، وبذلك انتشرت الحقائق الإيمانية في كل مكان، ونشأ مئات الآلاف - بل ربما الملايين - من طلاب مدرسة النور ونهلوا من معارفها.

وهؤلاء هم الذين سيستمرون في هذه الطريق في خدمة الإيمان، ولن يحيدوا عن طريقتي في التضحية بكل شئ مادياً كان أو معنوياً، إذ سيكون سعيهم لله سبحانه وتعالى وحده دون غيره.

ان الكثيرين من طلابي قد ابتلوا بشتى انواع البلايا والمصائب، وتعرّضوا لصنوف العذاب والمتاعب، واجتازوا امتحانات عسيرة بفضل الله.

انني اطلب منهم ان يتجاوزوا - مثلي - عمن اقترف تلك المظالم وهضم الحقوق، لان أولئك قد ارتكبوا تلك الأمور عن جهل منهم و الذين آذونا وعذبونا، ساعدوا على نشر الحقائق الإيمانية دون ان يدركوا تجليات أسرار القدر الالهي.. ووظيفتنا تجاه هؤلاء هي التمني لهم بالهداية.

اوصي طلابي الاّ يحمل أحد منهم شيئاً من روح الانتقام في قلبه ولو بمقدار ذرة، وان يسعوا سعياً جاداً لنشر رسائل النور وليرتبطوا بها ارتباطا وثيقاً. انني مريض جداً.. لا طاقة لي لا في الكتابة ولا في الحديث.. وقد يكون هذا آخر أقوالي.. فعلى طلاب رسائل النور لمدرسة الزهراء الاّ ينسوا وصيتي هذه.(1)(*)

 

_________________

(1) الملاحق-اميرداغ 2/368

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:441