أين يكمن سرُّ سهولة الإيجاد

 

 يقول صاحبنا الذي نبذ فكرة "الطبيعة" وتبرأ منها، وشَرُفَ بالإيمان باللّٰه:

إنَّ انقياد كل موجود، في كل شأن من شؤونه، وفي كل جزء من جزئياته، وفي كل ما يقوم به وينجزه، انقياداً مطلقاً للمشيئة الإلهية، والقدرة الربانية، هو حقيقة عظيمة جليلة، فهي لعظمتها وسعتها لا تستوعبها أذهاننا الكليلة القاصرة، علماً أننا نطالع عياناً وفرةً متناهيةً من الموجودات، وسهولة مطلقة في خلق الأشياء، وقد تحقق أن "السهولة في الإيجاد" التي هي من مستلزمات "الوحدانية" بما أقمتموه من براهين وحجج قاطعة، فضلاً عن أن القرآن الكريم قد قرر السهولة المطلقة صراحة في آيات كريمة كثيرة أمثال: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾(لقمان:28). ﴿وَمَا أمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أوْ هُوَ أقْرَبُ﴾(النحل:77).

كل ذلك يجعل تلك الحقيقة العظيمة (سهولة الإيجاد) مسألة مقبولة جداً ومستساغة عقلاً، فأين يكمن سرُّ هذه السهولة يا ترى وما الحكمة من ورائها؟

الجواب:لقد وضح ذلك السرّ وضوحاً تامّاً ومقنعاً في "المكتوب العشرين" عند شرحه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بما يفي بالغرض، وبخاصة في ذيله، حيث جاء التوضيح وافياً وشافياً جداً، ومقنعاً بالدليل والبرهان والإثبات القاطع.

وخلاصته: أنه عندما يُسنَد إيجاد الموجودات جميعها إلى الصانع الواحد، يسهل الأمر كسهولة إيجاد مخلوق واحد، بينما إذا أُسند للكثرة يصعبُ -على هذه الكثرة- أمرُ إيجادِ مخلوق واحد بقدر صعوبة إيجاد جميع الموجودات.. فيكون خلق بذرة واحدة صعباً ومشكلاً كخلق شجرة.. ولكن إذا أُسند "الإيجاد" إلى صانعه الحق سبحانه، يسهل الأمر حتى يصبح إيجاد الكائنات كلها كإيجاد شجرة واحدة، والشجرة كالبذرة، والجنة كالربيع، والربيع كالزهرة، فالأمر يسهل ويكون هيناً.

وسنشير هنا إشارة مختصرة إلى دليل أو دليلين من بين مئات الأدلة التي أوضحناها بالتفصيل في رسائل أخرى، تلك الأدلة التي تبين ما يدور من الأسرار والحِكم الكامنة فيما نشاهده من وفرة الموجودات التي لا حصر لها ورُخصِها، وكثرة أفراد كل نوع منها، وورودِها إلى الوجود منتظمةً، متقنةً، وبكل سهولة ويسر.

مثال هذا: إن إدارة مائة جندي تحت إمرة ضابط واحد أسهلُ بمائة ضعف من إدارة جندي واحد تحت إمرة مائة ضابط. وعندما يُودَعُ أمرُ تجهيز جيش كامل باللوازم العسكرية، من مركز واحد، وبقانون واحد، ومن مصنعٍ واحد، إلى أمرٍ يُصدِره قائد واحد، فإن ذلك يكون سهلاً وهيناً من حيث الكمية والوفرة، بسهولةِ تجهيز جندي واحد. بينما يكون إيداعُ أمرِ تجهيزِ جندي واحد باللوازم العسكرية الكاملة من مراكز متعددة ومصانع متعددة، إلى قواد عديدين مشكلاً وصعباً من حيث الكمية والوفرة أيضاً بصعوبة تجهيز جيش كامل. إذ ينبغي عندئذ وجودُ مصانعَ كثيرة للتجهيزات بعدد ما يلزم جيشاً كاملاً، لأجل تجهيز الجندي الواحد.

ويشاهَد أيضاً أن الشجرة الواحدة، التي تتزود بالمواد الضرورية لها من جذر واحد، ومن مركز واحد، وعلى وفق قانون واحد، تثمر ألوف الثمرات، ويتم ذلك بسهولة ويسر كأن للشجرة ثمرة واحدة. بينما إذا استبدلت الكثرة بالوحدة، وسُلكَ طريق الكثرة عوضاً عن طريق الوحدة، فزُوِّدت كل ثمرة بالمواد الضرورية للحياة من مراكز مختلفة، وجذور متباينة، يكون إيجادُ ثمرة واحدة مشكلاً وصعباً كإيجاد الشجرة نفسها، بل قد يكون إيجاد البذرة التي هي أنموذج الشجرة وفهرستها - صعباً ومعضلاً كإيجاد الشجرة نفسها. لأنَّ ما يلزم حياة الشجرة من مواد ضرورية يلزم البذرة أيضاً.

فهناك المئات من أمثال هذه الأمثلة، وكلها تُبيِّن أن ورود ألوف الموجودات بسهولة مطلقة إلى الوجود -في الوحدة- أسهل من ورود موجود واحد إلى الوجود بالتعدد والكثرة.

ولما كنا قد أثبتنا هذه الحقيقة في رسائل أخرى بيقين قاطع نحيل إليها، ولكننا نبين هنا فقط سراً عظيماً يتعلق بهذه السهولة واليسر من زاوية نظر العلم الإلهي، والقدر الإلهي، والقدرة الربانية، وهذا السر هو:

أنت موجود من الموجودات فإذا سلّمتَ نفسك إلى يد القدير المطلق القدرة، فإنه يخلقك بأمر واحد وبقدرته المطلقة بلمح البصر من العدم، من غير شيء. ولكن إنْ لم تسلم نفسك إليه، بل أسندتها إلى "الطبيعة" وأسلَمتها إلى الأسباب المادية، فيلزم عندئذ لإيجادك أنت، عمليةُ بحث دقيق -لجمع جميع المواد التي في وجودك- في أقطار العالم كله، والتفتيشُ عنها في زوايا الكون كله، وإمرارها في مصافٍ واختبارات دقيقة جداً، ووزنها بموازين حساسة، ذلك لأنك خلاصة منتظمة للكون، وثمرته اليانعة، وفهرسته المصغرة، ومحفظته المنطوية على مواد الكون كله.

لأنَّ الأسباب المادية ليس لها إلاّ التركيب والجمع، إذ هو ثابت لدى أرباب العقول أنه لا يمكن للأسباب المادية إيجاد ما لا يوجد فيها من العدم ومن غير شئ، لذا فهي مضطرة إلى جمع المواد اللازمة لجسم كائن حي صغير من أقطار العالم كله.

فافهم من هذا مدى السهولة المطلقة في الوحدة والتوحيد. ومدى الصعوبات والمشكلات في الشرك والضلالة.

ثانيها: أنَّ هناك سهولة مطلقة في الخلق والإيجاد تنبع من زاوية نظر "العلم الإلهي".

وتفصيلها كالآتي: إنَّ القدر الإلهي هو نوع من العلم الإلهي، يعيّن مقدار كل شيء كأنه قالب معنوي له وخاص به، فيكون ذلك المقدار القَدَريُّ بمثابة خطّة لذلك الشيء، وبحكم "موديل" أنموذجٍ له، فعندما توجده "القدرة الإلهية" توجده على ذلك المقدار القَدري بكل سهولة ويسر. فإن لم يُنسب إيجاد ذلك الشيء إلى مَن له علم محيط مطلق أزلي وهو اللّٰه القدير ذو الجلال لا تحصل ألوف المشكلات فحسب، بل تقع مئات المحالات أيضاً -كما ذكر آنفاً- لأنه إن لم يكن هناك ذلك المقدار القَدري، والمقدار العلمي، يلزم استعمال أُلوف القوالب المادية والخارجية للجسم الصغير للحيوان!

فافهم من هذا سراً من أسرار السهولة المطلقة في الوحدة والتوحيد وكثرة المشكلات غير المتناهية في التعدد والكثرة والشرك. واعلم مدى الحقيقة السامية الصائبة التي تعبر عنها الآية الكريمة: ﴿وَمَا أمْرُ السَّاعَةِ إِلاّ كَلَمحِ الْبَصَرِ أوْ هُوَ أقرَبُ﴾.(*)

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 292