استراق الجن للسمع

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمْنِ الرَّحيْمِ

﴿لا يَسمَعُونَ إِلَى المَلإِ الأَعلَى وَيُقذَفُونَ مِن كلِ جَانِب * دُحُوراً وَلَهُم عَذَابٌ وَاصِبٌ *

إِلاَّ مَن خَطِفَ الخَطفَةَ فَأَتبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾(الصافات:8-10)

﴿وَلَقَد زَينا السمَآءَ الدُّنيَا بِمصَابِيحَ وَجَعَلناهَا رُجُوماً لِلشيَاطِينِ﴾(الملك: 5)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

سنبين نكتة مهمة من نكات هذه الآيات الكريمة وامثالها من الآيات لمناسبة اعتراض يرد من اهل الضلالة على وجه النقد

تفيد هذه الآيات الكريمة ان جواسيس الجن والشياطين يسترقون السمع الى اخبار السموات ويجلبون منها الاخبار الغيبية الى الكهان والماديين، والذين يعلمون في تحضير الارواح. فحيل بين هذه الاخبار وبين التجسس الدائمي لأولئك الجواسيس ورجموا بالشهاب أزيد ماكان في تلك الفترة من بداية الوحي، وذلك لئلا يلتبس شىء على الوحينبين جواباً في غاية الاختصار عن سؤال في غاية الاهمية وهو ذو ثلاث شعب

سؤال

يفهم من امثال هذه الآيات الكريمة المتصدرة انه لاجل استراق السمع وتلقي الخبر الغيبي حتى في الحوادث الجزئية بل احياناً حوادث شخصية تقتحم جواسيس الشياطين مملكة السموات التي هي في غاية البعد، لكأن تلك الحادثة الجزئية هي موضع بحث في كل جزء من اجزاء تلك المملكة الواسعة، ويمكن لاي شيطان كان، ومن أي مكان دخل الى السموات، التنصت ولو بصورة مرقعة الى ذلك الخبر وجلبه هكذا الى الارض.

هذا المعنى الذي يُفهم من الآيات الكريمة لا يقبل به العقل والحكمة. ثم ان قسماً من الانبياء وهم اهل الرسالة، والاولياء وهم اهل الكرامة يتسلمون ثمار الجنة التي هي فوق السموات العلى – بنص الآية – وكأنهم يأخذونها من مكان قريب، واحياناً يشاهدون الجنة من قريب. هذه المسألة تعني: نهاية البعد في نهاية القرب بحيث لايسعها عقل هذا العصر

ثم أن حالة من احوال جزئية لشخص جزئي يكون موضع ذكر وكلام لدى الملأ الاعلى في السموات العلى الواسعة جداً، هذه المسألة لاتوافق ادارة الكون التي تسير في منتهى الحكمة

علماً أن هذه المسائل الثلاث تعد من الحقائق الإسلامية

الجواب

اولاً: أن الآية الكريمة: ﴿وَلَقَد زَينا السمَآءَ الدُّنيَا بِمصَابِيحَ وَجَعَلناهَا رُجُوماً لِلشيَاطِينِ﴾ هذه الآية تفيد أن جواسيس الشياطين التي تحاول الصعود الى السموات للتجسس تطرد بنجوم السموات

فقد بحثت هذه المسألة بحثاً جيداً في الكلمة الخامسة عشرة، واُثبتت اثباتاً يقنع حتى أعتى الماديين، بل يلجؤهم الى السكوت والقبول، وذلك بسبع مقدمات قاطعة هي بمثابة سبع مراتب للصعود الى فهم الآية الكريمة

ثانياً: نشير الى هذه الحقائق الإسلامية الثلاث التي تُظن انها بعيدة (عن العقل) بتمثيل وذلك لنقربها الى الاذهان القاصرة الضيقة

هب ان الدائرة العسكرية لحكومة تقع في شرقي البلاد، ودائرتها العدلية في الغرب ودائرة المعارف في الشمال ودائرة الشؤون الدينية (المشيخة) في الجنوب، ودائرة الموظفين الاداريين في الوسط وهكذا

فعلى الرغم من البعد بين دوائر هذه الحكومة، فان كل دائرة لو استخبرت الاوضاع فيما بينها بالتلفون او التلغراف ارتباطاً تاماً: عندها تكون البلاد كلها كأنها دائرة واحدة عي دائرة العدل، او الدائرة العسكرية او الدينية، او الادارية وهكذا

مثال آخر: يحدث احياناً أن دولاً متعددة ذات عواصم مختلفة. تشترك معاً في مملكة واحدة، بسلطات متباينة، من حيث مصالحها الاستعمارية فيها، او لوجود امتيازات خاصة بها، او من حيث المعاملات التجارية وغيرها. فكل حكومة عندئذ ترتبط بعلاقة مع تلك الرعية من حيث امتيازاتها، فعلى الرغم من انها رعية واحدة وأمة واحدة، فان معاملات تلك الحكومات المتباينة – التي هي في غاية البعد – تتماس وتتقارب كلٌ منها مع الاخرى في البيت الواحد بل تشترك في كل انسان. حتى تُشاهد مسائلها الجزئية في الدوائر الجزئية وهي نقاط التماس والتقارب، ولاتؤخذ كل مسألة جزئية من الدائرة الكلية. ولكن عندما تبحث تلك المسائل الجزئية، تبحث كأنها

اُخذت من الدائرة الكلية وذلك لارتباطها بالقوانين الكلية لتلك الدائرة. وتعطى لها صورة كأنها مسألة اصبحت موضع بحث في تلك الدائرة الكلية

وهكذا ففي ضوء هذين المثالين

ان مملكة السموات التي هي في غاية البعد، من حيث العاصمة والمركز، فان لها هواتف معنوية تمتد منها الى قلوب الناس في مملكة الارض. فضلاً عن أن عالم السموات لا يشرف على العالم الجسماني وحده بل يتضمن عالم الارواح وعالم الملكوت؛ لذا فعالم السموات يحيط بجهة بعالم الشهادة تحت ستار

وكذلك الجنة التي هي من العوالم الباقية، وهي دار البقاء، فمع انها في غاية البعد، الاّ ان دائرة تصرفاتها تمتد امتداداً نورانياً وتنتشر الى كل جهة تحت ستار عالم الشهادة

فكما ان حواس الانسان التي اودعها الصانع الحكيم الجليل بحكمته وبقدرته في رأس الانسان، فعلى الرغم من ان مراكزها مختلفة، فان كلامنها تسيطر على الجسم كله، وتأخذه ضمن دائرة تصرفها

كذلك الكون الذي هو انسان اكبر يضم الوف العوالم الشبيهة بالدوائر المتداخلة. فالاحوال الجارية في تلك العوالم والحوادث التي تقع فيها تكون موضع النظر من حيث جزئياتها وكلياتها، وخصوصياتها وعظمتها

بمعنى ان الجزئيات تُشاهد في الاماكن الجزئية والقريبة، بينما الكليات والامور العظيمة تُرى في المقامات الكلية والعظيمة.

ولكن قد تستولي حادثة جزئية خصوصية على عالم عظيم فاينما يُلقى السمع تٌسمع تلك الحادثة.

واحياناً تحشد الجنود الهائلة اظهاراً للعظمة والهيئة وليس لقوة العدو. فمثلاً

ان حادثة الرسالة المحمدية، ونزول الوحي القرآني، لكونها حادثة جليلة، فان عالم السموات كله، بل حتى كل زاوية من زواياه متأهب، وقد صفت فيه الحراس، في تلك البروج العظيمة، من تلك السموات العالية الرفيعة والبعيدة بعداً عظيماً. ويقذفون من النجوم المجانيق، طرداً لجواسيس الشياطين ودفعاً بهم عن السموات

فالآية الكريمة عندما تبرز المسألة هكذا برجم الشياطين بكثرة هائلة والقذف بالشهب ولاسيما في بداية الوحي في ذلك الوقت. تبين اشارة ربانية الى الاعلان عن درجة عظمة الوحي القرآني وشعشعة سلطانه، والى درجة أحقيته وصوابه والذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

وهكذا يترجم القرآن الكريم ذلك الاعلان الكوني العظيم ويشير الى تلك الاشارات السماوية

نعم! ان اظهار هذه الاشارات العظيمة السماوية، وابراز مبارزة الشياطين للملائكة، مع إمكان طرد جواسيس الشياطين بنفخ من مَلَك، انما هو لاظهار عظمة الوحي القرآني وعلوه ورفعه

ثم ان هذا البيان القرآني المهيب، واظهار الحشود السماوية العظيمة، ليس تعبيراً عن أن للجن والشياطين قوة واقتداراً بحيث تسوق اهل السموات الى المبارزة والمدافعة معهم، بل هي اشارة الى أنه لادخل للشياطين والجن في أي موضع من مواضع هذا الطريق الطويل الممتد من قلب الرسول الاعظمصلى الله عليه وسلم  الى عالم السموات الى العرش الاعظم

وبهذا يعبر القرآن الكريم عن ان الوحي القرآني حقيقة جليلة حقيق ان يكون موضع ذكر وبحث لدى الملأ الاعلى والملائكة كلهم في تلك السموات الهائلة، بحيث يضطر الشياطين الى الصعود الى السموات لينالوا شيئاً من اخبارها فيرجمون ولاينالون شيئاً

فيشير القرآن الكريم بهذا الرجم الى ان الوحي القرآني النازل على قلب محمدصلى الله عليه وسلم وجبرائيل عليه السلام الذي نزل الى مجلسه والحقائق الغيبية المشهودة لنظره، سليمة، صائبة، صحيحة، لاتدخل فيها شبهة قط وفي أية جهة منها قط

وهكذا يعبر القرآن الكريم عن هذه المسألة باعجازه البليغ

أما مشاهدة الجنة في أقرب الاماكن وقطف الثمار منها احياناً، مع كونها بعيدة كل البعد عنا وكونها من عالم البقاء، فبدلالة التمثيلين السابقين يُفهم

ان هذا العالم الفاني، عالم الشهادة، حجاب لعالم الغيب وعالم البقاء. انه يمكن رؤية الجنة في كل جهة مع أن مركزها العظيم في مكان بعيد جداً، وذلك بوساطة مرآة عالم المثال. ويمكن بوساطة الإيمان البالغ درجة حق اليقين ان تكون للجنة دوائر ومستعمرات (لامشاحة في الامثال) في هذا العالم الفاني ويمكن أن تكون هناك مخابرات واتصالات معها بالارواح الرفيعة وبهاتف القلب ويمكن أن ترد منها الثمار

أما انشغال دائرة كلية بحادثة شخصية جزئية، أي: ما ورد في التفاسير من ان الشياطين يصعدون الى السموات ويسترقون السمع هناك ويأتون باخبار غيبية ملفقة للكهان، فينبغي أن تكون حقيقته هكذا

انه لا صعود الى عاصمة عالم السموات لتلقي ذلك الخبر الجزئي، بل هو صعود الى بعض المواقع الجزئية في جو الهواء – الذي يشمله معنى السموات – والذي فيه مواضع بمثابة مخافر (لامشاحة في الامثال) للسموات، وتقع علاقات في هذه المواقع الجزئية مع مملكة الارض. فالشياطين يسترقون السمع في تلك المواقع الجزئية لتلقي الاحداث الجزئية، حتى ان قلب الانسان هو احد تلك المقامات حيث يبارز فيه ملك الالهام الشيطان الخاص

أما حقائق القرآن والإيمان وحوادث الرسولصلى الله عليه وسلم فمهما كانت جزئية فهي بمثابة اعظم حادثة واجلها في دائرة السموات وفي العرش الاعظم. حتى كأنها تنشر في الصحف المعنوية للمقدرات الإلهية الكونية (لا مشاحة في الامثال) بحيث يذكر عنها ويبحث مسائلها في كل زاوية من زوايا السموات، حيث أنه ابتداءً من قلب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم  وانتهاءً الى دائرة العرش الاعظم مصون من أي تدخل كل من الشياطين

فان القرآن مع بيانه لهذا انما يعبر بتلك الآيات الجليلة أنه: لاحيلة ولا وسيلة للشيطان لتلقي اخبار السموات الاّ استراق السمع

فيبين القرآن بهذا بياناً معجزاً بليغاً: ما اعظم الوحي القرآني وما اعظم قدره! وما اصدق نبوة محمدصلى الله عليه وسلم  وما اصوبها! حتى لا يمكن الدنو اليهما بأية شبهة كانت وباي شكل من الاشكال(*)

سعيد النورسي

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 450