التوفيق بين القدر والجزء الاختياري

باسمه سبحانه  

أيها المستخلف المبارك  

سؤال :

كيف يمكن التوفيق بين القدر والجزء الاختياري؟

الجواب: بسبعة وجوه:

الاول: ان العادل الحكيم الذي تشهد لحكمته وعدالته الكائنات كلها، بلسان الانتظام والميزان، قد اعطى للانسان جزءاً اختيارياً مجهول الماهية، ليكون مدار ثواب وعقاب.فكما ان للحكيم العادل حكَماً كثيرة خفية عنا، كذلك كيفية التوفيق بين القدر والجزء الاختياري خافية علينا. ولكن عدم علمنا بكيفية التوفيق لا يدل على عدم وجوده.

الثاني: ان كل انسان يشعر بالضرورة ان له ارادة واختياراً في نفسه، فيعرف وجود ذلك الاختيار وجداناً. وان العلم بماهية الموجودات شئ والعلم بوجودها شئ آخر. فكثير من الاشياء وجودها بديهي لدينا الاّ أن ماهيتها مجهولة بالنسبة الينا. فهذا الجزء الاختياري يمكن ان يدخل ضمن تلك السلسلة، فلا ينحصر كل شئ في نطاق معلوماتنا، وان عدم علمنا لا يدل على عدمه.

الثالث: ان الجزء الاختياري لا ينافي القدر، بل القدر يؤيد الجزء الاختياري؛ لأن القدر نوع من العلم الإلهي، وقد تعلق العلم الإلهي باختيارنا، ولهذا يؤيد الاختيار ولا يبطله.

الرابع: القدر نوع من العلم، والعلم تابع للمعلوم، اي على اية كيفية يكون المعلوم يحيط به العلم ويتعلق به، فلا يكون المعلوم تابعاً للعلم، اي ان دساتير العلم ليست اساساً لإدارة المعلوم من حيث الوجود الخارجي، لأن ذاتَ المعلوم ووجوده الخارجي ينظر الى الارادة ويستند الى القدرة.

ثم ان الازل ليس طرفاً لسلسلة الماضي كي يُتخذ اساساً في وجود الاشياء ويُتصور اضطراراً بحسبه، بل الازل يحيط بالماضي والحاضر والمستقبل- كاحاطة السماء بالارض- كالمرآة الناظرة من الاعلى.

لذا ليس من الحقيقة في شئ تخيل طرفٍ ومبدأٍ في جهة الماضي للزمان الممتد في دائرة الممكنات واطلاق اسم الازل عليه، ودخول الاشياء بالترتيب في ذلك العلم الازلي، وتوهم المرء نفسه في خارجه، ومن ثم القيام بمحاكمة عقلية في ضوء ذلك.

فانظر الى هذا المثال لكشف هذا السر:

اذا وجدت في يدك مرآة، وفرضتَ المسافة التي في يمينها الماضي. والمسافة التي في يسارها المستقبل، فتلك المرآة لا تعكس الاّ ما يقابلها، وتضم الطرفين بترتيب معين، حيث لا تستوعب اغلبهما، لأن المرآة كلما كانت واطئة عكست القليل، بينما اذا رفعت الى الاعلى فان الدائرة التي تقابلها تتوسع، وهكذا بالصعود تدريجياً تستوعب المرآة المسافة في الطرفين معاً في نفسها في آن واحد.

وهكذا يرتسم في المرآة في وضعها هذا كل ما يجري من حالات في كلتا المسافتين. فلا يقال ان الحالات الجارية في احداها مقدمة على الاخرى، أو مؤخرة عنها، او توافقها، أو تخالفها.

وهكذا فالقدر الإلهي لكونه من العلم الازلي، والعلم الازلي "في مقام رفيع يضم كل ما كان وما يكون، ويحيط به " كما يُعبّر عنه في الحديث الشريف، لذا لا نكون نحن ولا محاكماتنا العقلية خارجَين عن هذا العلم قطعاً، حتى نتصوره مرآة تقع في مسافة الماضي.

الخامس: ان القدر يتعلق تعلقاً واحداً بالسبب وبالمسبب مع- فالارادة لا تتعلق مرة بالمسبب ثم بالسبب مرة اخرى- اي ان هذا المسبَّب سيقع بهذا السبب. لذا يجب الاّ يقال: ما دام موت الشخص الفلاني مقدّراً في الوقت الفلاني، فما ذنب من يرميه ببندقية بارادته الجزئية؛ اذ لو لم يرمه لمات ايضا؟

سؤال: لِمَ يجب الاّ يقال؟

الجواب: لأن القدر قد عّين موته ببندقية ذاك، فاذا فرضت عدم رميه، عندئذٍ تفرض عدم تعلق القدر. فبِمَ تحكم اذن على موته. الاّ اذا تركت مسلك اهل السنة والجماعة ودخلت ضمن الفرق الضالة التي تتصور قدراً للسبب وقدراً للمسبب، كما هو عند الجبرية. أو تنكر القدر كالمعتزلة. أما نحن اهل الحق فنقول: لو لم يرمه فان موته مجهول عندنا. أما الجبرية فيقولون: لو لم يرمه لمات ايضاً. بينما المعتزلة يقولون: لو لم يرمه لا يموت.

السادس: ان الميلان الذي هو اس اساس الجزء الاختياري، أمر اعتباري عند الماتريدية، فيمكن أن يكون بيد العبد، ولكن الميلان أمر موجود لدى الاشعريين، فليس هو بيد العبد، الاّ ان التصرف عندهم أمر اعتباري بيد العبد. ولهذا فذلك الميلان وذلك التصرف فيه، امران نسبيان، ليس لهما وجود خارجي محقق. أما الامر الاعتباري فلا يحتاج ثبوته ووجوده الى علة تامة والتي تستلزم الضرورة الموجبة لرفع الاختيار، بل اذا اتخذت علة ذلك الامر الاعتباري وضعاً بدرجة من الرجحان، فانه يمكن ان يثبت،ويمكن ان يتركه في تلك اللحظة، فيقول له القرآن آنئذٍ: هذا شر! لا تفعل.

نعم! لو كان العبد خالقاً لأفعاله وقادراً على الايجاد، لَرُفع الاختيار؛ لأن القاعدة المقررة في علم الاصول والحكمة أنه (ما لم يجب لم يوجد) اي لا ياتي الى الوجود شئ مالم يكن وجوده واجباً، اي لابد من وجود علة تامة ثم يوجد. أما العلة التامة فيقتضي المعلول بالضرورة وبالوجوب. وعندها لا اختيار.

اذا قلت:

الترجيح بلا مرجّحٍ محال، بينما كسب الانسان الذي تسمونه امراً اعتبارياً، بالعمل احياناً وبعدمه اخرى، يلزم الترجيح بلا مرجّح ان لم يوجد مرجّح موجِب، وهذا يهدم اعظم اصل من اصول الكلام!

الجواب: ان الترجّح بلا مرجّح محال - اي الرجحان بلا سبب ولا مرجّح - دون الترجيح بلا مرجّح الذي يجوز وهو واقع، فالارادة الإلهية صفة من صفاته تعالى وشأنها القيام بمثل هذا العمل (اي اختياره تعالى هو المرجّح).

اذا قلت:

ما دام الذي خلق القتل هو الله سبحانه وتعالى، فلماذا يقال لي: القاتل؟

الجواب: ان اسم الفاعل مشتق من المصدر الذي هو أمر نسبي، حسب قواعد علم الصرف ولا يشتق من الحاصل بالمصدر الذي هو أمر ثابت. فالمصدر هو كسبنا، ونتحمل عنوان القاتل نحن، والحاصل بالمصدر مخلوق الله سبحانه، وما يشم منه المسؤولية لا يشتق من الحاصل بالمصدر.

السابع: ان ارادة الانسان الجزئية وجزأه الاختياري، ضعيف وأمر اعتباري. الاّ ان الله سبحانه وهو الحكيم المطلق قد جعل تلك الارادة الجزئية الضعيفة شرطاً عادياً لارادته الكلية. اي كأنه يقول معنىً: يا عبدي ايّ طريق تختاره للسلوك، فانا اسوقك اليه. ولهذا فالمسؤولية تقع عليك، فمثلاً (ولا مشاحة في الامثال) اذا أخذت طفلاً عاجزاً ضعيفاً على عاتقك وخيّرته قائلاً: الى اين تريد الذهاب، فسآخذك اليه. وطلب الطفل الصعود على جبلٍ عالٍ، وانت اخذته الى هناك، ولكن الطفل تمرض او سقط. فلا شك ستقول له: انت الذي طلبت! وتعاتبه. وتزيده لطمة تأديب. وهكذا.. ولله المثل الاعلى. فهو سبحانه أحكم الحاكمين جعل ارادة عبده الذي هو في منتهى الضعف شرطاً عادياً لارادته الكلية.

حاصل الكلام:

ايها الانسان! ان لك ارادة في منتهى الضعف، الاّ ان يدها طويلة في السيئات والتخريبات وقاصرة في الحسنات، هذه الارادة هي التي تسمى بالجزء الاختياري. فسلّم لإحدى يدى تلك الارادة الدعاء، كي تمتد وتطال الى الجنة التي هي ثمرة من ثمار سلسلة الحسنات وتبلغ السعادة الابدية التي هي زهرة من ازاهيرها.. وسلّم لليد الاخرى الاستغفار كي تقصر يدها عن السيئات، ولا تبلغ ثمرة الشجرة الملعونة زقوم جهنم. اي أن الدعاء والتوكل يمدّان ميلان الخير بقوة عظيمة، كما ان الاستغفار والتوبة يكسران ميلان الشر ويحدّان من تجاوزه. (*)

_________________________

(*) كليات رسائل الشام - الكلمة السادسة والعشرون - ص: 545