الحاكمية تقتضي التوحيد

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

هذه المصنوعات انما تخلق وتوجد بالصفات المطلقة لحاكم حكيم، كبير كامل، وباسمائه المطلقة وبعلمه غير المحدود وبقدرته غير المتناهية. يشهد على هذا ماهو ماثل امامنا من الافعال الحكيمة والتصاريف البصيرة للامور الجارية في هذا الكون.نعم، يُفهم ويُعلم قطعاً بحدس قطعي، من هذه الآثار بل يشاهد: ان ذلك الصانع له حاكمية وآمرية بدرجة الربوبية العامة، وله كبرياء وعظمة بدرجة الجبروتية المطلقة، وله كمال واستغناء عن غيره بدرجة الالوهية المطلقة، وله فعالية وسلطنة لاتتناهى ولايحدها حد ولايقيدها قيد.

 

فالحاكمية والكبرياء والكمال والاستغناء عن الغير والاطلاق والاحاطة وعدم التناهي وعدم الحدّ، كلها تستلزم الوحدانية وتضادد الشرك.

فشهادة الحاكمية والآمرية على التوحيد والوحدانية قد اثبتت في مواضع كثيرة من رسائل النور. نورد زبدة خلاصتها على النحو الآتي:

ان شأن الحاكمية ومقتضاها الاستقلالُ والانفراد وردّ مداخلة الآخرين، حتى ان الانسان المحتاج فطرة الى معاونة الآخرين لعجزه، يردّ مداخلة غيره في شؤونه بظلٍ من تلك الحاكمية حفاظاً على استقلاله، لذا فلا يوجد سلطانان في بلاد، ولا واليان في ولاية، ولا مديران في ناحية، بل ولامختاران في قرية. واذا ماوجد سلطانان في بلاد فالامور تضطرب ويختل النظام ويحدث الهرج والمرج.

فلئن كان ظلُ حاكمية في الانسان العاجز المحتاج الى المعاونة يردّ مداخلة الآخرين ويرفض اشتراكهم رفضاً باتاً الى هذه الدرجة. فلا تقبل قطعاً حاكمية في ربوبية مطلقة للقدير المطلق المنزّه عن العجز مداخلة سواها واشتراكه، بل تردّه ردّاً قوياً، وتطرد من ديوانها من يتوهم الشرك ويعتقد به طرداً عنيفاً.

ومن هذه الحقيقة ينبثق الزجر العنيف الذي يزجر القرآن الكريم به المشركين ويردّهم.

اما شهادة الكبرياء والعظمة والجلال على الوحدانية، فهي الاخرى قد بيّنت براهينها الساطعة في رسائل النور. لذا يشار الى فحواها في اختصار شديد.

مثال:كما ان عظمة نور الشمس، وكبرياء ضيائها لاتدعان حاجة الى انوار ضعيفة اخرى بقربها وبلا حائل ولاتمنح لها تأثيراً يذكر، كذلك عظمة القدرة الإلهية وكبرياؤها لاتدعان حاجة الى أية قدرة اخرى والى اية قوة اخرى، ولاتفوضان اليهما اي ايجاد كان ولا اي تأثير حقيقي كان. ولاسيما في ذوي الحياة والشعور من المخلوقات التي تتمركز فيها جميع المقاصد الربانية في الكون وتدور عليها، فلا يمكن ان تدع تلك العظمة والكبرياء شيئاً منها الى الاغيار قطعاً. وكذا الاحوال والثمرات والنتائج التي هي في جزئيات ذوي الحياة والتي تتظاهر فيها غايات خلق الانسان وغايات ايجاد النعم التي لاتعد ولاتحصى فلا يمكن احالتها الى يد الاغيار قطعاً.

فمثل:الامتنان الحقيقي والرضى الحقيقي الذي ينبعث من كائن حي نتيجة شفاء جزئي من مرض، او رزق جزئي أتاه، او اهتداء الى الله، لايمكن ان يكون الاّ منه تعالى. لذا فتقديم الحمد والثناء الى غيره تعالى يمسّ عظمة الربوبية وكبرياء الالوهية ويتجاوز على عزة المعبودية المطلقة والجلال.

اما اشارة الكمال الى سر الوحدانية فهي الاخرى قد وضحت في رسائل النور ببراهينها الساطعة. وخلاصة مختصرة لفحواها هي:

ان خلق السموات والارض تقتضي بالبداهة قدرة مطلقة في منتهى الكمال، بل ان الاجهزة العجيبة لكل كائن حي تقتضي كذلك قدرة في كمال مطلق. والكمال الذي هو في القدرة المطلقة المنزهة عن العجز والمبرأة عن القيد يستلزم الوحدانية بلا شك. اذ بخلافه يعتري كماله النقص، واطلاقه القيد، ويعني انهاء لاتناهيه، واسقاط

اقوى قدرة الى اضعف عجز، ويستلزم انهاء قدرة لاتتناهى وفي لاتناهيه بشئ متناه. وهذا محال في محال بخمسة وجوه.

اما شهادة الاطلاق والاحاطة وعدم التناهي على الوحدانية فهي الاخرى قد ذكرت مفصلاً في رسائل " سراج النور " ومضمونها المختصر هو:

ان كل فعل من الافعال الجارية في الكون، بانتشار أثره في جميع النواحي انتشاراً مستولياً يبين انه محيط وطليق ولاحدود له ولاقيد يقيده. وان الشرك والاشتراك يجعل تلك الاحاطة تحت الانحصار وذلك الاطلاق تحت القيد وتلك اللامحدودية تحت الحد، فيفسد حقيقة الاطلاق وماهية الاحاطة.. فلابد ان الشرك محال في تلك الافعال التي هي مطلقة ومحيطة بكل شئ، ولاوجود له حتماً.

نعم ان ماهية الاطلاق ضد الشرك، لأن معنى الاطلاق حتى لو كان في شئ متناهٍ ومادي ومحدود، فانه ينتشر انتشار استيلاء واستقلال الى جميع الاطراف. كالهواء والضياء والنور والحرارة، بل حتى الماء، اذا ما نال ايٌ من هذه الاشياء صفة الاطلاق فانه ينتشر الى جميع الاطراف والجهات.

فما دامت جهة الاطلاق حتى لو كانت في الشئ الجزئي تجعل الاشياء المادية والمحدودة مستولية على هذه الصورة، فلابد ان الاطلاق الحقيقي الكلي يمنح الصفات اللانهائية والمنزهة عن المادة والتي لاتحدها حدود والمبرأة عن القصور، يمنحها استيلاءً واحاطة كاملة الى حد لايمكن ان تقبل الشرك والاشتراك باية جهة كانت ولايمكن ان يكون لهما احتمال قطعاً.

حاصل الكلام:

ان حاكمية الوف الافعال العمومية الجارية في الكون ومئات الاسماء الإلهية المشهودة تجلياتها وكبرياؤها وكمالها واحاطتها واطلاقها ولاتناهيها، كل منها، برهان قوي للوحدانية والتوحيد.

فمثل:كما ان قوة خارقة لدى شروعها بفعالية ما تستولي على الجهات كلها، وتشتت القوى الاخرى. كذلك كل فعل من افعال الربوبية، وكل تجلٍ من تجليات الاسماء الإلهية، تُظهر قوتها الخارقة جداً في اثارها بحيث لو لم تكن حكمة عامة

وعدالة مطلقة ولم توقفها عن حدّها لكان كل من تلك القوى يستولى على الموجودات قاطبة. فالقوة التي تخلق شجرة الحَوَر في الارض عموماً وتدبّر امورها، لاتدع قطعاً هذه القوة الكلية افراداً جزئية لأشجار الجوز والتفاح والمشمش المنتشرة بين اشجار الحَوَر والملاصقة لها، الى قوى اخرى غيرها. ولايمكن الاّ وتستولي عليها ايضاً وتضمها بين تدبيرها للامور.

نعم؛ إن مثل هذه القوة والقدرة المصرّفة للأمور تُستشعر في كل نوع من المخلوقات، بل في كل فرد من الافراد، وتشاهد أنها تتمكن من ان تستولي على الكائنات كلها وعلى الاشياء كلها، وتهيمن على الموجودات قاطبة.

فلاشك ان قوة كهذه لاتقبل الاشتراك قطعاً ولاتسمح بالشرك في اية جهة كانت.

وكذا ان اكثر ما يوليه صاحب شجرة مثمرة من اهتمام واكثر ما يظهره من علاقة بها هو ثمراتها المتدلية في نهايات اغصانها، ونواها الغائرة في قلب تلك الثمرات بل هي قلوبها بالذات. ولاشك انه لايخل بمالكيته عبث -ان كان راشد بتمليك تلك الثمرات المتدلية من الاغصان الى الآخرين تمليكاً دائمياً.

كذلك الامر في الشجرة المسماة بالكون، التي تمثل العناصر اغصانها، ومافي نهايات تلك العناصر من اوراق وازاهير تمثل النباتات والحيوانات، وما في قمم تلك الاغصان وفي ذروة تلك الاوراق والازاهير من ثمرات تمثل الانسان. فان اجلّ نتائج سعي تلك الثمرات البديعة ونتيجة خلقته هي العبودية لله وتقديم الشكر والحمد له وحده ولاسيما ماينطلق من النوى الجامعة لتلك الثمرات، تلك هي قلوب البشر وقواهم الحافظة المسماة بظهر القلب.. لايمكن باي حال من الاحوال ان يدعها سبحانه لأغتصاب الأغيار  فيهوّن من شأن عظمة ربوبيته وعزتها مخلاً به معبوديته. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وكذا، لما كانت مقاصد الربوبية قد تمركزت في الجزئيات التي هي في منتهى دائرة الممكنات والكثرة، بل تمركزت حتى في جزئيات احوال تلك الجزئيات، وفي جزئيات اطوارها التي تمتد الى المعبودية وتتوجه الى المعبود سبحانه.. ولما كان  جميع انواع الامتنان والحمد والثناء وجميع اضراب الشكران والعبادات ناشئة من تلك الجزئيات،

فلا شك انه سبحانه لا يسلّمها الى الأغيار، فلا يفسد حكمته الجليلة بهذا التسليم، ولايسقط ألوهيته المهيبة بهذا الافساد. لان اهم المقاصد الربانية في خلق الموجودات، هو تعريف وتحبيب نفسه سبحانه الى ذوي الشعور، ودفعهم الى تقديم حمدهم وشكرهم وثنائهم له وحده.

ولاجل هذا السر الدقيق فان الافعال والآلاء، الجزئية منها والكلية، المتمركزة في منتهى دائرة الكثرة، كالرزق والشفاء ولاسيما الاهتداء والايمان وامثالها من الافعال والآلاء التى تنتج الشكر وتبعث على العبادة والحمد والمحبة والعبودية والثناء؛ انما هي احسان مباشر لرب العالمين وانعام مباشر لسلطان الموجودات وأثر مباشر لهدايته وفعله. ومن اجل إراءة ذلك يُسند القرآن الكريم مكرراً الرزق والهداية والشفاء الى الواجب الوجود. ويبين ان احسان كل منها انما هو خاص به وحده ومنحصر به وحده، وفي الوقت نفسه يردّ رداً قوياً تدخل الاغيار في تلك الافعال الجليلة (1).

نعم ان نعمة الايمان التي تُكسب دار سعادة ابدية لاتكون الاّ نعمة مَن خلق تلك الدار ومن جعل الايمان مفتاحاً لها، وهو الله ذو الجلال والاكرام، وليس غيره اطلاقا؛ اذ لايمكن ان يكون غيره تعالى مُنعم مثل هذه النعمة العظمى، فيسد اعظم نافذة مطلة على المعبودية ويغصب اجلّ وسيلة اليها.

حاصل الكلام:

ان ادق الاحوال الجزئية والثمرات التي هي في اقصى نهايات شجرة الخلق تشهد وتشير الى التوحيد والوحدانية بجهتين:

اولاها:

لأن مقاصد الربوبية في الكون تتجمع في الاحوال الجزئية، وغاياتها تتمركز فيها، وتجليات اكثر الاسماء الحسنى وظهورها وتعيناتها تجتمع فيها، ونتائج خلق الموجودات وفوائدها تبرز فيها؛ لذا فان كلاً منها تقول انطلاقاً من نقطة التمركز والتجمع هذه: انا ملك مَن خلق الكون بأسره، انا فعله واثره.

اما الجهة الثانية:

فان قلب تلك الثمرة الجزئية، وذهن الانسان المسمى حسب الحديث الشريف بظهر القلب(2)، فهرسٌ مختصر لأكثر الانواع. ونموذج مصغر لخريطتها. وبذرة معنوية لشجرة الكون. ومرآة رقيقة لاكثر الاسماء الإلهية. فانتشار تلك القلوب والاذهان وامثالها التي هي على نمط واحد انتشاراً مستولياً ومهيمناً على وجه الكائنات كلها، يرنو بلا شك الى مَن بيده مقاليد السموات والارض.  فيقول كل منها: انا اثره وحده، انا اتقانه وحده.

زبدة الكلام:

مثلما تتوجه الثمرة الى مالك شجرتها من حيث كونها مفيدة، وترنو الى جميع اجهزة تلك الشجرة واغصانها وماهيتها من حيث نواها. وتنظر الى جميع ثمار تلك الشــجرة من حيث سكتها المضروبة على وجهها والموجودة في مثيلاتها. فتقول جميعاً: " نحن على نمط واحد، صدرنا من يد واحدة. ونحن ملك لمالك واحد، فالذي خلق واحدة منا هو خالق جميعنا بلاشك " .

كذلك الامر في الكائن الحي الذي هو في نهايات دائرة الكثرة. ولاسيما الانسان، وبخاصة من حيث العلامات الفارقة الموجودة على وجهه ومن حيث ما في قلبه من فهرس ومن حيث ما في ماهيته من نتائج، تتوجه كلها الى الذي يمسك السموات والارض بربوبيته الجليلة وتشهد على وحدانيته جل وعلا.(*)

 

__________________

(1)كقوله تعالى: (ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين) - المؤلف.

(2)عن سهل بن سعد رضي الله عنه : (ان امراة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر اليها وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست فقام رجل من أصحابه فقال: يارسول الله اِن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال: هل عندك من شيء، فقال: لا والله يارسول الله، قال اذهب الى أهلك فانظر هل تجد شيئاً، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يارسول الله ما وجدت شيئاً قال:انظر ولو خاتماً من حديد، فذهب ثم رجع فقال لا والله يارسول الله ولا خاتماً من حديد ولكن إزاري قال سهل مالَه رداءٌ فلها نصفه فقال رسول الله صلى الله عليهوسلم ما تصنع بازارك اِن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وان لبسته لم يكن عليك شيءٌ فجلس الرجل حتى طال مجلسه ثم قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولياً فأمر به فدُعي فلما جاء قال ماذا معك من القرآن؟ قال معي سورة كذا وكذا وسورة كذا عدّها، قال أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن). البخاري في المعسر (5/237) وظهر القلب ( 7/8)  في كتاب النكاح - باب تزويج المعسر وفي كتاب فضائل القرآن - باب القراءة عن ظهر القلب والنسائي في كتاب النكاح.

(*) كليات رسائل النور – الشعاعات  ص: 22