الحروف القرآنية

 

بِسْم الله الرَّحمٰن الرَّحيم

﴿إنما أمرُه إذا أراد شَيئاً أنْ يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾(يس: 82)

 قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

يفهم من اشارة هذه الآية الكريمة: ان الخلق يتم بالأمر، وان خزائن القدرة الإلهية بين الكاف والنون. ولهذا السر الدقيق وجوه كثيرة، وقد ذكر بعضها في الرسائل

اما الآن فنحاول ان نفهم هذا السر وفق مثال مادي محسوس لأجل تقريب الأحاديث النبوية الواردة حول خواص الحروف القرآنية ومزاياها وتأثيراتها المادية – ولاسيما الحروف المقطعة في اوائل السور – الى نظر هذا العصر المادي، وذلك:

ان للخالق الجليل ذي العرش العظيم سبحانه وتعالى أربعة عروش إلهية، هي محاور لتدبير امور المخلوقات الموجودة على كرة الارض، التي هي بمثابة مركز معنوي للعالم وقلب الكائنات وقبلتها

احدها: هو عرش التحفظ والحياة وهو التراب، المظهر لتجلي اسم الحفيظ والمحيي

ثانيها: هو عرش الفضل والرحمة وهو عنصر الماء

ثالثها: هو عرش العلم والحكمة وهو عنصر النور

رابعها: هو عرش الامر والارادة وهو عنصر الهواء .

اننا نشاهد بابصارنا ظهور المعادن التي تدور عليها حاجات غير محدودة غير محدودة حيوانية وانسانية، وظهور مالايحد من النباتات المختلفة، من تراب بسيط كما نشاهد ظهور ما لا يحد من معجزات الصنعة الإلهية ولاسيما من نطف الحيوانات التي هي سائل شبيه بالماء، ظهورها في الاحياء المختلفة بالماء.. أي ظهور تلك الكثرة الكاثرة والانواع المختلفة من عنصر بسيط، وبانتظام تام وكتابتها على صحيفة بسيطة على صورة نقوش بديعة لاتحد، مما يدلنا على ان النور والهواء ايضاً - كهذين العرشين - مظاهر لمعجزات عجيبة لقلم علم المصور الازلي العليم الجليل وقلم ارادته وأمره كالعرشين السابقين، رغم بساطتهما.

سندع حالياً عنصر النور. ولمناسبة مسألتنا نحاول كشف الحجاب عما يستر عجائب الامر والارادة وغرائبهما في عنصر الهواء الذي يمثل عرش الامر والارادة بالنسبة الى كرة الارض. وذلك

كما اننا نزرع الحروف والكلمات بالهواء الذي في افواهنا، واذا بها تتسنبل وتثمر، أي ان الكلمة تصبح حبة في آن واحد كأنه بلازمان وتتسنبل في الهواء الخارجي، هواءً حاوياً على مالايحد من الكلمة نفسها، صغيرها وكبيرها. كذلك ننظر الى عنصر الهواء فنرى انه مطيع ومنقاد لأمر (كن فيكون) ومسخر له الى حد عظيم حتى كأن كل ذرة من ذراته جندي لجيش منظم متأهب لتلقي الأمر في كل آن، ويُظهر الطاعة والامتثال للارادة المتجلية في أمر (كن) بلازمان، سواءً في ذلك أبعد الذرات وأقربها .

مثلاً: ان الخطاب الذي يلقيه انسان من الاذاعة يُسمع في كل مكان في الارض في الوقت نفسه وكأنه بلا زمان – بشرط وجود الراديوات – مما يبين مدى امتثال كل ذرة من ذرات الهواء لتجلي امر (كن فيكون) امتثالاً كاملاً .

فالأمر كذلك في الحروف التي هي غير مستقرة في الهواء، يمكن ان تصبح بكيفياتها القدسية مظاهر لتأثيرات خارجية ولخواص مادية كثيرة حسب سر الامتثال هذا. فتشاهد فيها خاصية، كأنها تقلب المعنويات الى ماديات وتحول الغيب الى شهادة .

وهكذا بمثل هذه الامارة، فان امارات اخرى لاتحد تظهر لنا ان الحروف التي هي موجودات هوائية، ولاسيما الحروف المقدسة القرآنية وبخاصة حروف الشفرات الإلهية وهي المقطعات التي في اوائل السور، تسمع الاوامر وتمتثلها امتثالاً في غاية الانتظام والشعور التام والحساسية الكاملة وبلا حاجة الى زمان. فلا شك ان هذا يحمل المرء على التسليم بالخواص المادية والمزايا الخارقة المروية للحروف التي في ذرات الهواء ومن حيث القدسية، والتي ينعكس فيها تجلي الارادة الازلية وجلوة من أمر (كن فيكون ).

وهكذا فان تعابير القرآن الكريم التي تبين احياناً اثر القدرة كأنها صادرة من صفة الارادة وصفة الكلام مبني على هذا السر. فتلك التعابير القرآنية تدل على ان الموجودات تُخلق في منتهى السرعة ومسخرة ومنقادة انقياداً تاماً للاوامر حتى لكأن الأمر ينفذ حُكمه كالقدرة .

أي ان الحروف الآتية من الأمر التكويني تؤثر في وجود الاشياء وكأنها قوة مادية، ويظهر الامر التكويني كأنه القدرة نفسها والارادة نفسها. نعم ان هذه الموجودات الخفية التي وجودها المادي هوائي وهي في غاية الخفاء، حتى كأنها موجودات نصف معنوية ونصف مادية، تشاهد فيها آثار الامر والارادة بحيث يشبه الامر التكويني كالقدرة بعينها، بل القدرة نفسها .

وهكذا لأجل جلب الانظار والحث على التدبير في موجودات كأنها برزخ بين المعنويات والماديات يقول القرآن الكريم ﴿إنما أمرُه إذا أراد شَيئاً أنْ يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾(يس:82). لذا فمن المعقول جداً ان تكون الحروف المقطعة التي في اوائل السور امثال: الم، طس، حم، وما شابهها من الشفرات الإلهية، عقداً وازراراً حرفية تستطيع ان تهزّ اوتار العلاقات الدقيقة الخفية بين ذرات الهواء بلا زمان، بل هذا من شأن تلك الحروف ومن وظائفها أن تؤدي مخابرات قدسية – كاللاسلكي المعنوي – من الارض الى العرش .

نعم ان كل ذرة بل كل ذرات الهواء المنتشرة في اقطار العالم تمتثل الاوامر وتنقلها عبر اللاسلكي والهاتف والبرقية، فضلاً عن نقلها سائر السيالات اللطيفة كالكهرباء. فلقد شاهدت بالحدس القطعي بل بالمشاهدة الحقة احدى وظائفها – مما سوى المذكورة – في ازاهير اللوز، وهي: ان الاشجار المنتشرة في اقطار الارض كأنها جيش منظم يستلم الامر نفسه في آن واحد. فبمجرد هبوب نسيم رقيق تستلم الامر من تلك الذرات، وتظهر وضعاً معيناً. مما اورثتني تلك الحالة يقيناً تاماً وقناعة كاملة. بمعنى ان قيام الهواء في سطح الارض كخادم امين نشط فعال، يخدم ضيوف الرحمن الرحيم الذين يسكنون سطح الارض، يبلغ في الوقت نفسه اوامر الرحمن بذراته الشبيهة باللاسلكي الى النباتات والحيوانات، بحيث تكون ذراته كلها في حكم خدّام الامر وشبيهة بلاقطات اللاسلكي والهاتف. وفي الوقت نفسه يؤدي بأمر (كن) مهمات جليلة ووظائف منتظمة كثيرة، من امثال تشكيل الحروف في الفم بعد خروجه منه، وتهوية الانفاس واسترواح النفوس، أي بعد ادائه وظيفة تنقية الدم الباعث على الحياة، واشعال الحرارة الغريزية التي هي وقود الحياة، ثم يخرج الهواء من الفم ويكون مبعث نطق الحروف وانطلاقها.. وهكذا تجري وظائف كثيرة بأمر (كن فيكون).

فبناء على خاصية الهواء هذه، فان الحروف التي هي موجودات هوائية كلما اكتسبت قداسة، أي اتخذت اوضاع البث والالتقاط يصبح لها حظ وافر من تلك الخاصية.

لذا فلكون حروف القرآن، وهي في حكم العقد، وحروف المقطعات في حكم المركز لرؤوس تلك المناسبات الخفية، وفي حكم عقدها وازرارها الحساسة، يكون وجودها الهوائي مالكاً لهذه الخاصية، كما ان وجودها الذهني، بل وجودها النقشي ايضاً، لهما خاصية من تلك الخاصية.

أي يمكن بقراءة تلك الحروف وبكتابتها كسبَ الشفاء – كالدواء المادي – والحصول على مقاصد اخرى. (*)

_____________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 415