الدرس الأخير

 

النورسي 

بديع الزمان 

 

الدرس الأخير حول العمل الإيجابي البنّاء 

الذي ألقاه الأستاذ النورسي قبل وفاته على طلبة النور 

اخواني الاعزاء! 

ان وظيفتنا هي العمل الايجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام. والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الالهي دون التدخل بماهو موكول امره إلى الله.

اننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي.

اقول متخذًا من نفسي مثالاً: انني لم انحن تجاه التحكم والتسلط منذ القدم. وهذا ثابت بكثير من الحوادث.

فمثلاً: عدم قيامي للقائد العام الروسي، وكما انني لم اعر اية اهمية على اسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذي كان يهددني بالشنق والاعدام. 

وطوري هذا تجاه القواد الاربعة تُبين عدم قبولي للتحكم والتسلط. الا انني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الاخيرة بالرضى والقبول، ذلك من اجل السعي للعمل الايجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله.

بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل إقتداءاً بنبي الله جرجيس عليه السلام وبالصحب الكرام الذين قاسوا كثيراً في غزوة بدر و غزوة احد.

نعم مثلاً: انني لم ادعُ بالسوء حتى على المدعي العام الذي اتخذ علينا القرار الجائر رغم انني قد اثبت اخطاءه البالغة واحداً وثمانين خطأً. لان المسألة الأساسية في هذا الزمان هو الجهاد المعنوي، واقامة السد المنيع امام التخريبات المعنوية، واعانة الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.

نعم، ان في مسلكنا قوة. الا اننا لم نقم باستعمالها الا في تأمين الأمن الداخلي.

لذا قمت طوال حياتي بتحقيق الأمن الداخلي اتباعاً لدستور الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (اي لا يجوز معاقبة انسان بجريرة اخيه او احبائه).

ان هذه القوة لا يمكن استعمالها الا ضد الهجمات الخارجية. ان وظيفتنا - وفق دستور الآية الكريمة المذكورة - هي الاعانة على ضمان الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.

لهذا السبب لم تشتعل نار الحروب الداخلية المخلة بنظام الأمن الداخلي في العالم الإسلامي الا بنسبة واحد من الالف. وهذا كان من جراء الاختلاف في الاجتهاد.

ان اعظم شرط من شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل بالوظيفة الإلهية. أي بما هو موكول إلى الله. بمعنى ان وظيفتنا الخدمة فحسب. بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، واننا مكلفون ومرغمون في الايفاء بوظيفتنا.

واقول كجلال الدين خوارزم شاه: (ان وظيفتي الخدمة الإيمانية، اما النصر أو الهزيمة فمن الله سبحانه). وانني قد تلقيت درس التقلد بالإخلاص التام من القرآن الكريم.

أجل، يستوجب مجابهة الهجمات الخارجية بالقوة، لان اموال العدو وذراريه يكون بمثابة غنيمة للمسليمن. اما في الداخل فالأمر ليس هكذا. ففي الداخل ينبغي الوقوف امام التخريبات المعنوية بشكل ايجابي بناء، بالإخلاص التام.

ان الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل. وقد احسن اليّ المولى سبحانه وتعالى بملايين من الطلابالحقيقيين. فنحن نقوم بالعمل الايجابي البناء بكل ما نملك من قوة في سبيل تأمين الأمن الداخلي. فالفرق عظيم بين الجهاد الداخلي والخارجي في الوقت الحاضر.

وهناك مسألة أخرى في غاية الاهمية. وهي ان متطلبات المدنية الدنية (الدنية بالنسبة لأحكام القرآن الكريم) في يومنا هذا قد زيّدت الحاجات الضرورية من الاربعة إلى العشرين. فجعلت الحاجات غير الضرورية بمثابة الحاجات الضرورية بالادمان والاعتياد والتقليد.

فتجد من يفضل الدنيا على الاخرة رغم ايمانه بها لإنهماكه بالأمور المعاشية والدنيوية ظناً منه انها ضرورة.

قبل أربعين سنة ارسل الي قائد عام عدداً من الضباط وحتى بعض العلماء الائمة من اجل ان يعيدوني شيئا إلى الأمور الدنيوية. فقالوا: (نحن الآن مضطرون).اي اننا مضطرون في تقليد بعض الاصول الاوروبية وموجبات المدنية حسب القاعدة المعروفة: (ان الضرورات تبيح المحظورات).

قلت لهم: انكم منخدعون تماماً؛ لان الضرورة النابعة من سوء الاختيار لاتبيح المحظورات. فلا يجعل الحرام بمثابة الحلال. بينما إن لم تنبع من سوء الاختيار، أي ان لم تأت الضرورة عن طريق الحرام فلا ضير.

فمثلاً: اذا سكر شخص بسوء اختياره بشربه الحرام، ثم اقترف جريمة وهو سكران، فان الحكم يجري عليه ولا يكون بريئاً بل يعاقب. ولكن اذا قام طفل مختل العقل بقتل شخص ما -وهو في حالة الاختلال- فهو معذور ولا يعاقب. لانه لم يقترف الجريمة بإرداته.

وهكذا قلت للقواد والائمة: أي الأمور تُعد ضرورية مما سوى الاكل والعيش؟.

فالاعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا تكون عذراً لجعل الحرام حلالاً. فاذا ادمن الإنسان نفسه على شئ كمتابعته للافلام في السينما وارتياده المسرح والرقص بكثرة، وهذه الأمورليست ضرورية قطعاً، بل نابعة من سوء الاختيار، لذا لا تكون كافية لجعل الحرام حلالاً. وحتى القانون الإنساني قد اخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار، وميز بين الضرورة القاطعة غير الداخلة ضمن اطار الاختيار والاحكام الناشئة من سوء الاختيار. الا ان القانون الالهي قد فرق بينهما بشكل أساس وثابت راسخ ومحكم.

اخواني ! لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعض الجاءات العصر ضرورة، وركنوا إلى البدع. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمر (ضرورة)، بدون علم وعملوا وفقها. ولهذا فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل. فلا تتحرشوا بهم وان كان المعارضون لنا من العلماء الائمة.

انني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم افتر مقدار ذرة قط. ووفّقت في تلك الخدمة الإيمانية بإذن الله. فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فانني اسعى بالعمل الايجابي واتحمل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم.

اننا لا نلتفت إلى الدنيا، فاذا ما نظرنا اليها فنحن لانسعى سوى معاونتهم فيها. فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل ايجابي. وبسبب هذه الحقائق وامثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم .

ان نشر رسائل النور قد أورث قناعة تامة بان الديمقراطيين يساندون الدين ولا يخالفونه. لذا فان التعرض للرسائل يكون ضد منفعة الوطن والملة.

وها مثالاً صغيراً لقاعدة: (ان ضرورة نبعت من سوء الاختيار لا تكون سبباً لجعل الحرام حلالاً): كانت هناك رسالة خاصة سرية قد منعتُ نشرها، وقلت لطلابي ليقوموا بنشرها بعد وفاتي، الا ان المحاكم قد عثرت عليها وطالعتها بدقة ثم قضت بالبراءة .

وأيدت محكمة التمييز هذه البراءة. وأنا بدوري اذنتُ بنشرها من اجل تأمين الأمن الداخلي والحيلولة دون ان يمس خمساً وتسعين بالمئة من الأبرياء ضرر، وقلت: يمكن نشرها بالاستشارة.

المسألة الثالثة:

يسعى الكفر المطلق حالياً لنشر جهنم معنوي رهيب، بحيث يلزم ان لا يقترب منه أي إنسان في العالم اجمع. ولكن أحد اسرار كون القرآن الكريم (رحمة للعالمين) هو: مثلما انه رحمة للمسلمين جميعاً، فهو رحمة لجميع الكفار ايضاً وبني آدم اجمع، حيث يورثهم احتمال وجود الاخرة ووجود الله سبحانه، فيخفف عنهم بهذا الاحتمال شيئاً من الجحيم المعنوي الذي يكتوون بناره في هذه الحياة الدنيا. وهذا سر دقيق من اسرار كون القرآن رحمة للخلق اجمعين.

الا ان قسم الضلالة من العلم والفلسلفة، أي غير المتوافق مع القرآن الكريم والمنحرف عن الصراط السوي قد بدأ بنشر الكفر المطلق على طراز الشيوعيين.

فبدأ بتطعيم أفكارهم المولدة للفوضى والارهاب ونشرها بوساطة المنافقين والزنادقة وبوساطة قسم من السياسيين الكفرة.

علماً ان الحياة لا يمكن أن تسير بدون دين. و(لاحياة لأمة بلا دين) تشير إلى هذه النقطة. إذ لا يمكن العيش-في حقيقة الحال- بالكفر المطلق. ولهذا فان احدى المعجزات المعنوية للقرآن الحكيم انه قد منح هذا الدرس لطلاب رسائل النور ليكونوا سداً امام الكفر المطلق والارهاب في هذا القرن.

وحقاً أن الرسائل أدت دورها. نعم ان هذا الدرس القرآني هو الذي وقانا من هذا التيار الجارف الذي استولى على الصين ونصف اوروبا ودول البلقان واقام سداً امام هذا الهجوم. وهكذا وُجد حل سليم امام هذا الخطر الداهم.

اذن لا يمكن لمسلم ان يخرج عن الإسلام ويتنصّر او يتهود او يكون بلشفيا... لان النصراني اذا اسلم فان حبه لعيسى عليه السلام يزداد اكثر. واليهودي كذلك يزداد حبه لموسى عليه السلام بعد دخوله للاسلام.

ولكن المسلم اذا ارتد وحل ربقته من سلسلة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتخلى عن الدين الحنيف فلا يمكن له ان يدخل أي دين آخر بل يكون إرهابياً. ولا يبقى في روحه أي نوع من الكمالات. بل يتفسخ وجدانه، ويكون بمثابة سم قاتل للحياة الاجتماعية.

لذا نشكر الله عز وجل ان قد بدأ بالانتشار درس من دروس القرآن المعجز لينقذ هذا العصر باسم (رسائل النور) بين ملة الترك والعرب باللغة التركية والعربية. وقد تحقق انها مثلما انقذت قبل ست عشرة سنة ايمان ستمائة ألف شخص.

فانها الان قد تجاوز هذا العدد إلى الملايين من الناس. وكما ان رسائل النور اصبحت وسيلة لإنقاذ الإنسانية من الارهاب - شيئاً ما - اصحبت وسيلة للتآخي والوحدة بين الاخوين الجليلين للاسلام وهما العرب والترك، وكذلك اصبحت وسيلة لنشر الاحكام الأساسية للقران الكريم حتى بتصديق اعدائها.

فمادام الكفر المطلق يقف حائلاً امام القرآن الكريم في هذا العصر. وان الكفر يضمر في ثناياه في هذه الحياة الدنيا جهنما معنويا يفوق

جهنم نفسه. حيث ان الموت لا يمكن قتله. بل تشهد كل يوم ثلاثون ألف من الجنائز على استمرارية الموت. فان هذا الموت هو بمثابة جهنم معنوي يفوق عذاب جهنم نفسه عشرات المرات لمن وقع في الكفر المطلق او لمن يساند الكفر المطلق، نظراً لانه يفكر في الموت انه اعدام ابدي له ولاحبائه الذين مضوا والآتين معاً. لان كل شخص كما يكون سعيداً بسعادة احبائه، يتعذب بعذابه.

فالذي يكفر بوجود الله تمحى عنده جميع تلك السعادات، وتحل الأعذبة محلها. لذا هناك حل وحيد في هذا العصر ليزيل هذا الجحيم المعنوي من قلب الإنسان؛ ألا وهو القران الحكيم. واجزاء رسائل النور التي هي المعجزة المعنوية للقران الكريم والتي كتبت وفق افهام ابناء هذا العصر.

نحن الآن نشكر الله عز وجل. إذ قد شعر-إلى حد ما- أحد الاحزاب السياسية هذا الأمر فلم يقم بمنع هذه المؤلفات. ولم يمنع نشر (رسائل النور) التي تثبت بان الحقائق الإيمانية تذيق أهل الإيمان جنة معنوية في هذه الدنيا. بل سمح على نشرها وتخلى عن مضايقة ناشريها.

اخواني! ان مرضي قد اشتد كثيراً. ولعلي أتوفى قريباً، او امنع من المكالمة كلياً -كما كنت امنع احياناً منها- لذا فعلى اخوتي في الآخرة ان يتجاوزوا عن الهجوم على اخطاء بعض المخطئين المساكين، وليعدّوها من قبيل (أهون الشرين).

وليقوموا بالعمل الايجابي دائماً. لان العمل السلبي ليس من وظيفتنا. ولان العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر. ومادام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل مسامحون قليلاً. لذا انظروا اليهم كـ(اهون الشرين).

ومن اجل التخلص من اعظم الشر فلاتمسوهم بضرر بل حاولوا ان تنفعوهم.

وكذا ان الجهاد المعنوي في الداخل هو العمل ضد التخريبات المعنوية وانه ليس مادياً قط.. وانما يستوجب القيام بخدمات معنوية. لذا فكما لم نتدخل بامور أهل السياسية، فلا يحق لاهل السياسة ان ينشغلوا بنا.

فمثلاً: لقد سامحت عن جميع حقوقي وعفوت عن حزب من الاحزاب السياسية رغم مقاساتي منه الوفاً من المضايقات والسجون

منذ ثلاثين سنة. فقد اصبحت جميع تلك المشقات والمضايقات وسيلةً لخلاص خمسة وتسعين بالمئة من المساكين في ان يسقطوا في مضايقات ومظالم واعتراضات.حيث اسند الذنب إلى خمسة بالمئة من ذلك الحزب، بحكم الآية الكريمة: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فلا يحق اذن لذلك الحزب الذي عادانا القيام بالشكوى منا بأي وجه كان.

حتى ان المدعي العام الذي طالب في احدى المحاكم -من جراء الاوهام الخاطئة لبعض المخبرين والجواسيس- بإنزال الحكم علينا نحن السبعين متهماً، مستنداً إلى سوء فهمه وعدم تدقيقه، وباسناد معنى خطأ لقسم من رسائل النور، فسعى بالحكم علينا بهذه الاخطاء التي كانت تنوف على ثمانين خطأً، كما اثبتنا اخطاء تلك الاخطاء، وكان أحد اخوانكم الذي تعرض اكثر من غيره لمثل تلك الهجمات الظالمة، مسجوناً وقد شاهد طفلة صغيرة من خلال نافذة السجن فسأل عنها فقيل له انها ابنة ذلك المدعي العام، فلم يقم حتى بالدعاء على ذلك المدعي العام لاجل تلك الطفلة البريئة المسكينة. ولعل تلك المشقات والاضطرابات التي القاها علينا المدعي العام انقلبت إلى رحمة، نظراً لانها اصبحت وسيلة لنشر رسائل النور تلك المعجزة المعنوية.

اخواني! ربما اموت قريباً. فان لهذا العصر مرضاً داهماً. وهو الانانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وامثالها من الأمراض المزمنة. ان اول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم، هو التخلي عن الانانية وحب النفس.

حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي. ولله الحمد والمنة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي. فهناك الكثيرون ممن يضحون بانانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل اصغر مسألة ايمانية.

وحتى قد اخفت صوت لاحد طلاب النور وهو الضعيف المسكبن من قبل الرحمة الإلهية عندما اصبح اعداؤه اصدقاءاً له وكثر الخطاب معه. ويتألم من انظار من ينظر اليه بنظر تقدير واستحسان.

اضافة انهيتضايق من المصافحات كأنه يتلقى الصفعات. فسئل عنه (ما حالك؟ فما دام لك اصحاب يتجاوزون الملايين، فلماذا لا تحافظ على احترامهم لك وتوقيرهم اياك؟) فاجاب قائلاً:

- مادام الإخلاص التام هو مسلكنا. فبمقتضى الإخلاص التام لابد من التضحية والفداء ليس بالانانية فحسب، بل لو منحت سلطنة الدنيا يستوجب تفضيل مسألة ايمانية واحدة باقية على تلك السلطنة.

لذا فقد فضل نكتة دقيقة قرآنية في آية واحدة او في حرف منها في الحرب، وفي الخط الامامي بين قنابل مدافع الأعداء فامر طالبه المسمى بـ(حبيب): (اخرج الدفتر) فاملى عليه تلك النكتة وهو يمتطي صهوة جواده. أي انه لم يترك حرفاً واحداً ونكتةً واحدة من القرآن الكريم مقابل قنابل الأعداء بل يفضلها على إنقاذ حياته.

فسألنا ذلك الاخ: (من اين تلقيت هذا الإخلاص العجيب) فقال:

- من نقطتين...

الأولى: ان في غزوة بدر التي هي من اعظم الغزوات الإسلامية، وضع قسم من المجاهدين اسلحتهم ووقفوا لاداء الصلاة جماعة بينما القسم الاخر وقفوا مسلحين حذرين. ثم التحقوا بالصلاة كسبا لثواب الجماعة كما امر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمادام هذه الرخصة موجودة في الحرب. ومادام ثواب الجماعة رغم كونه سنة قد فضّل على اكبر حادثة في الدنيا لأجل رعاية تلك السنة النبوية فنحن نستلهم من الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم هذه النكتة الصغيرة ونتبعها بروحنا وانفسنا.

الثانية: ان الامام علي رضي الله عنه قد طلب من الله سبحانه وتعالى في اماكن كثيرة من قصيدته (البديعية) ولاسيما في اواخرها حاميا يحميه من طروء الغفلة في خشوعه عند وقوفه في الصلاة. فطلب من الرب الجليل عفريتاً من الجن ليحميه مما يمكن أن يحدثه الأعداء من خلل في اطمئنانه وخشوعه في الصلاة.

ان اخاكم هذا المسكين الضعيف، الذي قضى صفوة عمره في الانانية في هذا الزمان، قد تلقى هاتين النكتتين الصغيرتين من سيد

الكونين الذي هو سبب خلق الافلاك، ومن الذي هو اسد الإسلام. وفي زماننا هذا قد أعطى هذا المسكين الضعيف اهمية لاسرار القرآن ولم يعر سمعاً لحماية نفسه من الأعداء في الحرب، فبين نكتة واحدة فقط من حرف واحد من القرآن الكريم.(*)

 

_______________

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:469