الزهد والعزوف عن الدنيا

 

النورسي 

بديع الزمان 

حالات متميزة 

الزهد والعزوف عن الدنيا:

كان سعيد القديم يخبر طلابه - في مؤلفاته القديمة وفي افادة المرام لإشارات الاعجاز- ويقول لهم مكرراً : ستحدث زلزلة اجتماعية بشرية عظيمة، زلزلة مادية ومعنوية، وسيغبطونني على اعتكافي وانزوائي وبقائي عزباً.(1)

[ فنذر نفسه لخدمة الإيمان والقرآن لاسيما بعدما سمع بمؤامرة خبيثة تحاك حول القرآن الكريم، حتى أنه ترك الزواج وبقي عزباً طوال حياته، ويعلله بالآتي:]

أولا: في الوقت الذي يلزم لصد هجوم زندقة رهيبة تُغير منذ أربعين سنة، فدائيون يضحّون بكل ما لديهم، قررت ان اضحي لحقيقة القرآن الكريم لا بسعادتي الدنيوية وحدها، بل حتى اذا استدعى الأمر بسعادتي الاخروية كذلك، 

فلأجل ان اتمكن من القيام بخدمة القرآن على وجهها الصحيح باخلاص حقيقي ما كان لي بد من ترك زواج الدنيا الوقتي - مع علمي بأنه سنة نبوية - بل لو وُهب لي عشر من الحور العين في هذه الدنيا، لوجدت نفسي مضطراً إلى التخلي عنهن جميعاً، من أجل تلك الحقيقة، حقيقة القرآن.

لأن هذه المنظمات الملحدة الرهيبة تشن هجمات عنيفة، وتدبر مكايد خبيثة، فلابد لصدها من منتهى التضحية وغاية الفداء، وجعل جميع الاعمال في سبيل نشر الدين خالصة لوجه الله وحده، من دون ان تكون وسيلة لشئ مهما كان.

ولقد أفتى علماء منكوبون، وأناس أتقياء ، لصالح البدع،

أو ظهروا بمظهر الموالين لها، من جراء هموم عيش أولادهم وأهليهم، لذا يقتضى منتهى التضحية والفداء،

ومنتهى الثبات والصلابة وغاية الاستغناء عن الناس،وعن كل شئ، تجاه الهجوم المرعب العنيف على الدين،ولا سيما بعد إلغاء دروس الدين في المدارس وتبديل الاذان الشرعي ومنع الحجاب بقوة القانون؛لذا تركت عادة الزواج الذي أعلم انها سنة نبوية لئلا ألج في محرمات كثيرة، ولكي اتمكن من القيام بكثير من الواجبات واداء الفرائض.

إذ لا يمكن أن تقترف محرمات كثيرة لأجل اداء سنة واحدة.

فلقد وجد علماء ادوا تلك السنة النبوية أنفسهم مضطرين إلى الدخول في عشر كبائر ومحرمات و ترك قسم من السنن والفرائض،في غضون هذه السنوات الأربعين.

ثانيا:ان الآية الكريمة ﴿فانكحوا ما طاب لكم..﴾(النساء:3) والحديثالشريف (تناكحوا تكثروا..)(2) وامثالهما من الاوامر، ليست أوامر وجوبية ودائمية، بل إستحبابية مسنونة، فضلا عن انها موقوفة بشروط لابد من توافرها، وقد يتعذر توافرها للجميع وفي كل وقت.

ثم ان الحديث الشريف (لا رهبانية في الإسلام)(3) لا يعني ان الانزواء والعزوبة - كما هو لدى الرهبان- محرمتان مرفوضتان لا أصل لهما.

بل هو حث على الانخراط في الحياة الاجتماعية كما هو مضمون الحديث الشريف (خير الناس انفعهم للناس).(4) وإلا فان ألوفاً من السلف الصالحين قد اعتزلوا الناس موقتاً، وآثروا الانزواء في المغارات لفترة من الزمن، واستغنوا عن زينة الحياة الدنيا الفانية وجردوا انفسهم عنها، كي يقوموا ببناء حياتهم الاخروية على الوجه الصحيح.

فما دام الكثيرون من السلف الصالحين تركوا الدنيا وزينتها بلوغاً إلى كمال باق وخاص بشخصهم، فلابد أن من يعمل لأجل سعادة باقية، لكثير جداً من المنكوبين، ويحول بينهم وبين السقوط في هاوية الضلالة، ويسعى لتقوية ايمانهم، خدمةً للقرآن والإيمان خدمة حقيقية، ويثبت تجاه هجمات الإلحاد المغير من الخارج والظاهر في الداخل، اقول لابد أن الذي يقوم بهذا العمل العام الكلي -وليس عملا خاصاً لنفسه- تاركاً دنياه الآفلة، لا يخالف السنة النبوية بل يعمل طبقا لحقيقة السنة النبوية.

ثم إنني أتمنى أن أغنم ذرة واحدة من هذا الكلام الصادق الصادر من الصديق الاكبر رضى الله عنه: (ليكبر جسمي في جهنم حتى لا يبقى موضع لمؤمن).. ولأجله آثر هذا السعيد الضعيف العزوبة والاستغناء عن الناس طوال حياته كلها.

ثالثاً:لم نقل لطلاب النور: (تخلوا عن الزواج، دعوه للآخرين) ولا ينبغي ان يقال لهم هذا الكلام. ولكن الطلاب انفسهم على مراتب وطبقات.

فمنهم من يلزم عليه الا يربط نفسه بحاجات الدنيا، قدر المستطاع، في هذا الوقت، وفي فترة من عمره، بلوغاً إلى التضحية العظمى والثبات الأعظم والإخلاص الاتم. واذا ما وجد الزوجة التي تعينه على خدمة القرآن والإيمان، فبها ونعمت.

إذ لا يضر هذا الزواج بخدمته وعمله للقرآن، ولله الحمد والمنة ففي صفوف طلاب النور كثيرون من أمثال هؤلاء. وزوجاتهم لا يقصرن عنهم في خدمة القرآن والإيمان، بل قد يفقن أزواجهن ويسبقنهم لما فطرن عليه من الشفقة التي لا تطلب عوضاً،فيؤدين العمل بهذه البطولة الموهوبة لهن باخلاص تام.

هذا وان المتقدمين والسابقين من طلاب النور أغلبهم متزوجون، وقد أقاموا هذه السنة الشريفة على وجهها، ورسائل النور تخاطبهم قائلة:

اجعلوا بيوتكم مدرسة نورية مصغرة، وموضع تلقي العلم والعرفان، كي يتربى الأولاد الذين هم ثمار تطبيق هذه السنة، على الإيمان، فيكونون لكم شفعاء يوم القيامة، وأبناء بررة في هذه الدنيا، وعندها تتقرر هذه السنة الشريفة فيكم حقاً.

وبخلافه لو تربي الأولاد على التربية الاوروبية وحدها - كما حدث خلال ثلاثين سنة خلت - فإن أولئك الأولاد يكونون غير نافعين لكم في الدنيا - من جهة- ومدّعين عليكم يوم القيامة،

إذ يقولون لكم: (لِمَ لم تنقذوا إيماننا؟) فتندمون وتحزنون من قولهم هذا، يوم لا ينفع الندم،وما هذا الا مخالفة لحكمة السنة النبوية الشريفة.(5)(*)

 

 

_______________

(1) الملاحق -اميرداغ2 / 386

(2) رواه عبد الرزاق والبيهقي مرسلا بلفظ: "تناكحوا تكثروا فاني اباهي بكم الامم يوم القيامة" قال في المقاصد: جاء معناه عن جماعة من الصحابة، فأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم مرفوعاً: تزوجوا الولود الودود فانى مكاثر بكم الامم يوم القيامة، ولأحمد وسعيد بن منصور والطبراني في الاوسط والبيهقي واخرين عن أنس قال: كان رسول اللهyيأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديداً ويقول: تزوجوا الولود الودود فانى مكاثر بكم الامم يوم القيامة، وصححه ابن حبان والحاكم.. الخ "باختصار عن كشف الخفاء للعجلوني 1021"..

(3) قال ابن حجر لم أره بهذا اللفظ، لكن حديث سعد بن ابي وقاص عند البيهقي: ان الله ابدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة. "كشف الخفاء 3154"

(4) حديث حسن أخرجه القضاعي في مسند الشهاب وابن عساكر في تاريخ دمشق 2/420/2 وانظر الصحيحة 426 وصحيح الجامع الصغير وزيادته برقم 6538.

(5) الملاحق - اميرداغ2 / 401

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:493