السموات سبع

 

(تسبّح له السمـــوات السبع والارض ومن فيهن)  (الاسراء: 44)

و(ثم استوى الى السّماء فسوىـــهن سبعَ سمـــوات وهو بكل شىءٍ عليم) (البقرة:29)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 

هاتان الايتان وامثالهما من الايات الكريمة تبين أن السموات سبع. نرى من الانسب اختصار ما ذكرناه في تفسير اشارات الاعجاز الذي اُلف في جبهة القتال اثناء السنة الاولى من الحرب العالمية الاولى، اذ جاءت فيه هذه المسألة في غاية الإجمال والاختصار الشديد بسبب ظروف الحرب.

ان الحكمة القديمة قد تصورت السموات انها تسعُ سموات، فزادت على السموات السبع، العرش والكرسي الواردين في الشرع، فكان تصويراً عجيباً لها. ولقد استولت على البشرية طوال عصور مديدة تلك التعابير الرنانة لفلاسفة الحكمة القديمة وحكمائها حتى ان مفسرين كثيرين اضطروا الى امالة ظواهر الايات الى مذهبهم مما ادىّ الى اسدال ستار على اعجاز القرآن، الى حد ما.

أما الحكمة الجديدة المسماة الفلسفة الحديثة فتقول بما يفيد انكار السموات ازاء ما كانت تدّعيه الفلسفة القديمة من ان السموات غير قابلة للاختراق والالتئام. فقد فرّط هؤلاء كما أفرط اولئك. وعجز الاثنان عن بيان الحقيقة بياناً شافياً.

أما حكمة القرآن الكريم المقدسة فانها تدع ذلك الافراط والتفريط متخذة الحد الوسط، فهي تقول:

ان الصانع جل جلاله خلق سبع سموات طباقاً، أما النجوم السيارة فهي  تسبح وتسبّح في السماء كالاسماك في البحر. وقد جاء في الحديث الشريف  (ان السماء موج مكفوف)(1) اي كبحر استقرت امواجه. هذه الحقيقة نثبتها بسبع قواعد وبسبعة وجوه من المعاني، وباختصار شديد:

القاعدة الاولى:

انه قد ثبت علماً وفلسفة حكمة ان هذا الفضاء الوسيع مملوء بمادة تُسمى الاثير، وليس خالياً فارغاً لانهاية له.  

القاعدة الثانية:

انه ثابت علماً وعقلاً بل مشاهدةً؛ ان رابطة قوانين الاجرام العلوية - كالجاذبية والدافعة - وناشرةَ القوى الموجودة في المادة وناقلتَها - كالضياء والحرارة والكهرباء - انما هي مادة موجودة في ذلك الفضاء مالئة له.

القاعدة الثالثة:

انه ثابت بالتجارب ان مادة الاثير - مع بقائها أثيراً - لها انماط مختلفة من الاشكال ولها صور متنوعة كسائر المواد، فكما يحصل ثلاثة انواع من اشكال المواد: الغازية والسائلة والصلبة من المادة نفسها كالبخار والماء والثلج، كذلك لامانع عقلاً من أن تكون سبعة انواع من الطبقات من مادة اثيرية، ولا اعتراض عليه.

القاعدة الرابعة:

انه لو اُنعم النظر في الاجرام العلوية يُرى في طبقاتها تخالفٌ، فكما ان الطبقة التي تحوي درب التبانة المشاهد كسحاب، لاتشبه طبقة النجوم الثوابت البتة، حتى كأن نجوم طبقة الثوابت ثمار ناضجة مكتملة كفواكه الصيف، بينما نجوم لاتحد لدرب التبانة المشاهد كسحاب تنعقد مجدداً وتتكامل. وطبقة الثوابت نفسها لاتشبه ايضاً المنظومة الشمسية بحدس صادق. وهكذا يُدرك بالحدس والحس تخالف المنظومات السبع والطبقات السبع.

القاعدة الخامسة:

لقد ثبت حدساً وحسّاً واستقراءً وتجربة أنه اذا وقع التشكل والتنظيم في مادة تتولد منها مصنوعات اخرى فانها تأخذ اشكالاً مختلفة وطبقات متباينة.

فمثلاً حينما تبدأ التشكلات في معدن الالماس يتولد منه الرماد والفحم والألماس. وحينما تبدأ النار بالتشكل تتميز جمراً ولهباً ودخاناً. وعندما يمزج مولد الماء ومولد الحموضة يتشكل منهما الماء والثلج والبخار.

يفهم من هذا أنه اذا وقع التشكل في مادةٍ ما تنقسم الى طبقات، لذا فالقدرة الفاطرة لما شرعت بالتشكيل في مادة الاثير خلقت منها سبعة انواع من سموات على طبقات مختلفة كما جاءت في قوله تعالى:  (فسويـــهن سبع سمـــوات) .

القاعدة السادسة:

ان هذه الامارات المذكورة تدل بالضرورة على وجود السموات وعلى تعددها، فالسموات اذاً متعددة قطعاً، وحيث أن المخبر الصادق قد قال بلسان القرآن: هي سبعة، فهي سبعة.

القاعدة السابعة:

ان التعابير: سبعة، وسبعين وسبعمائة وامثالها تفيد الكثرة في اساليب اللغة العربية، اي يمكن ان يضم تلك الطبقات السبع الكلية طبقات كثيرة جداً.

حاصل الكلام:

ان القدير ذا الجلال خلق سبع سموات طباقاً من مادة الاثير، وسوّاها ونظّمها بنظام عجيب دقيق، وزرع فيها النجوم. ولما كان القرآن الكريم خطاباً ازلياً للجن والانس بطبقاتهم كافة، فكل طبقة من البشر تأخذ اذاً حصتها من كل آية من القرآن الكريم، وكل آية ايضاً تُشبع أفهام كل طبقة من الناس، اي لكل آية معان متنوعة متعددة ضمناً واشارة.

نعم! ان سعة خطاب القرآن وشمول معانيه واشاراته ومراعاته درجات افهام الطبقات عامة ومداركهم من ادنى العوام الى أخص الخواص تبين: ان كل آية لها وجه متوجه الى كل طبقة من الناس.

ولأجل هذا فقد فَهمتْ سبعُ طبقات بشرية سبعَ طبقات مختلفة من المعاني ضمن المعنى الكلي للآية الكريمة: (سبع سمـــوات) . كالآتي:

يفهم ذوو النظر القاصر والفكر المحدود من الناس انها: طبقات الهواء النسيمية.

والذين اغتروا بعلم الفلك يفهمونها: النجوم المعروفة بالسيارات السبع ومداراتها لدى الناس.

ومن الناس من يفهمها: سبع كرات سماوية اخرى شبيهة بارضنا التي هي مقر ذوي الحياة.

وتفهمها طائفة من البشر: سبع منظومات شمسية اولاها منظومتنا هذه وانقسام المنظومة الشمسية الى سبع طبقات.

وطائفة اخرى من البشر تفهمها: انقسام تشكلات الاثير الى سبع طبقات.

وطبقة اخرى واسعة الادراك والفهم، تفهم: ان السموات المرئية كلها، المرصعة بالنجوم ليست الاّ سماء واحدة وهي السماء الدنيا، وهناك ست سموات اخرى فوقها لاتُرى.

وطبقة سامية من الناس وهم الطبقة السابعة ذوو ادراك عالٍ لايرون انحصار سبع سموات في عالم الشهادة فقط، بل هي سبع سموات تسقّف وتحيط بالعوالم الاخروية والغيبية والدنيوية والمثالية.

وهكذا ففي كلية هذه الآية الكريمة معان اخرى كثيرة جزئية جداً شبيهة بهذه الطبقات السبع المذكورة من المعاني التي تراعي افهام سبع طبقات من الناس. فكلٌ يستفيض بقدر استعداده من فيض القرآن ويأخذ رزقه من المائدة السماوية العامرة.

فما دامت هذه الآية الكريمة تحوي معاني مصدّقة لها الى هذا الحد، فان انكار الفلاسفة الحاليين المحرومين من العقل وجحود علماء الفلك المخمورين، السموات، واتخاذ هذا الانكار وسيلة تعرضٍ لأمثال هذه الآية الجليلة، ان هو الاّ كرمي الصبيان الفاسدي المزاج النجومَ العوالي بالحجارة بغية اسقاط واحدة منها! ذلك:

لأن معنى واحداً لهذه الآية من بين تلك المعاني الكثيرة إن كان صدقاً فان المعنى الكلي يكون صدقاً وصواباً، حتى لو ان فرداً واحداً من تلك المعاني، لاوجود له في الواقع إلاّ في ألسنة الناس، يصح أن يكون داخلاً ضمن ذلك المعنى الكلي، رعايةً لأفكار العامة. فكيف ونحن نرى كثيراً جداً من افراده صدقاً وحقيقةً.

الا ترى هؤلاء المغمورين بسُكر الجغرافية وعلم الفلك الذين لاينصفون، كيف يقعون في خطأ فيغمضون عيونهم عن المعنى الكلي الذي هو حق وحقيقة وصدق، فلا يرون مصدّقات الآية الكثيرة جداً، ويتوهمون معنى الآية منحصراً في فرد خيالي عجيب. فرشقوا الآية الكريمة بالحجارة، فارتدت على رؤوسهم فكسرتها، ففقدوا صوابهم وايمانهم.(*)

 

_________________

(1)   جزء من حديث اخرجه الامام احمد في مسنده (2/370) والترمذي برقم (3298) وفي تحفة الاحوذي برقم (3352) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. عزاه صاحب التحفة لأحمد وابن ابي حاتم والبزار، وفي مجمع الزوائد (8/132) جزء من حديث رواه الطبراني في الاوسط، وفيه ابو جعفر الرازي، وثقه ابو حاتم وغيره وضعّفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات. وانظر فيه (7/121) وتفسير ابن كثير سورة الحديد.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 104