السنة النبوية هي الأدب


 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 ان السنة النبوية المطهرة في حقيقة امرها لهي أدب عظيم، فليس فيها مسألة إلا وتنطوي على ادب ونور عظيم.

 وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)(1).

نعم، فمن يمعن النظر في السيرة النبوية ويحط علماً بالسنة المطهرة، يدرك يقيناً ان الله سبحانه وتعالى قد جمع اصول الاداب وقواعدها في حبيبه صلى الله عليه وسلم. فالذي يهجر سنته المطهرة ويجافيها فقد هجر منابع الادب واصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم، ويظل محروماً من لطف الرب الكريم، ويقع في سوء ادب وبيل. ويكون مصداق القاعدة:   بي ادب محروم باشد أز لطف رب(2).

سـؤال:

كيف نتأدب مع علام الغيوب، البصير العليم، الذي لايخفى عليه شئ، حيث ان هناك حالات تدعو الانسان الى الخجل، ولايمكن اخفاؤها عنه سبحانه، ولاالتستر منه، بينما ستر مثل هذه الحالات المستكرهة احد انواع الأدب؟.

الجـواب:

اول:كما ان الصانع ذا الجلال يظهر صنعته اظهاراً جميلاً في نظر مخلوقاته، ويأخذ الامور المستكرهة تحت أستار وحجب، ويزين نِعَمه ويجمّلها حتى لتشتاقها الابصار. كذلك يطلب سبحانه من مخلوقاته وعباده ان يظهروا امام ذوي الشعور بأجمل صورهم واكثرها حسناً؛ اذ ان ظهورهم للمخلوقات في حالات مزرية قبيحة، واوضاع مستهجنة، يكون منافياً للأدب الجميل، ونوعاً من العصيان تجاه قدسية اسمائه أمثال: الجميل، المزين، اللطيف، الحكيم. وهكذا فالادب الذي في السنة

النبوية الطاهرة انما هو تأدب بالادب المحض الذي هو ضمن الاسماء الحسنى للصانع الجليل.

ثاني:ان الطبيب له ان ينظر الى أشد الاماكن حرمة لمن يحرم عليه، من زاوية نظر الطب والعلاج. بل يكشف له - في حالات الضرورة - تلك الاماكن ولايعد ذلك خلافاً للأدب، وانما يعتبر ذلك من مقتضيات الطب. الا ان ذلك الطبيب نفسه لا يجوز له ان ينظر الى تلك الاماكن المحرمة من حيث كونه رجلا او واعظاً او عالماً، فلا يسمح الادب قطعاً باظهارها له بتلك العناوين والصفات. بل يعد ذلك انعداماً للحياء.

ولله المثل الاعلى فان للصانع الجليـل اسمـاء حسـنى كثيرة، ولكـل اسـم تجليه، فمثلا:

كما يقتضي اسم الغفار وجود الذنوب، واسم الستار وجود التقصيرات، فان اسم الجميل لايرضى برؤية القبح. وان الاسماء الجمالية والكمالية، امثال: اللطيف، الكريم، الحكيم، الرحيم، تقتضى ان تكون الموجودات في احسن الصور، وفي افضل الاوضاع الممكنة. فتلك الاسماء الجمالية والكمالية تقتضى اظهار جمالها؛ بالاوضاع الجميلة للموجودات وتأدبها بالاداب الحسنة، امام انظار الملائكة والعالم الروحاني والجن والانس.

وهكذا فالاداب التي تتضمنها السنة المطهرة اشارة الى هذه الاداب السامية، ولفتة الى دساتيرها ونماذجها.(*)

 

_______________

(1) حديث معناه صحيح، ابن السمعاني في ادب الاملاء عن ابن مسعود (شرح المناوى على الجامع الصغير) وقال ابن تيمية (18/375): معناه صحيح ولكن لا يعرف له اسناد ثابت وايده السخاوي والسيوطي. راجع (كشف الخفاء  1/70) وسلسلة الاحاديث الضعيفة برقم  72.

(2) مثنوي الرومي ج1/ص3 ط. بومبي

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 87