الشيخوخة والتسلي بأنوار الايمان المتألقة من القرآن

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 حينما تبدلت نشوة (سعيد القديم) وابتساماته الى نحيب (سعيد الجديد) وبكائه، وذلك في بداية المشيب، دعاني ارباب الدنيا في (انقرة) اليها، ظناً منهم انني (سعيد القديم) فاستجبت للدعوة.

ففي ذات يوم من الايام الاخيرة للخريف، صعدت الى قمة قلعة انقرة، التي اصابها الكبر والبلى اكثر مني، فتمثلت تلك القلعة امامي كأنها حوادث تأريخية متحجرة، واعتراني حزن شديد واسى عميق من شيب السنة في موسم الخريف، ومن شيبي انا، ومن هرم القلعة، ومن هرم البشرية ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية، ومن وفاة سلطنة الخلافة، ومن شيخوخة الدنيا، فاضطرتني تلك الحالة الى النظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة الى اودية الماضي وشواهق المستقبل، أنقب عن نور، وابحث عن رجاء وعزاء ينير ما كنتأحسّ به من اكثف الظلمات التي غشيت روحي هناك وهي غارقة في ليل هذا الهرم المتداخل المحيط(1).

فحينما نظرت الى اليمين الذي هو الماضي باحثاً عن نور ورجاء، بدت لي تلك الجهة من بعيد على هيئة مقبرة كبرى لأبي واجدادي والنوع الانساني، فأوحشتني بدلاً من ان تسليني.

ثم نظرت الى يسار الذي هو المستقبل مفتشاً عن الدواء، فتراءى لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي ولأمثالي وللجيل القابل، فأدهشني عوضا من ان يؤنسني.

ثم نظرت الى زمني الحاضر بعد ان امتلأ قلبي بالوحشة من اليمين واليسار، فبدا ذلك اليوم لنظري الحسير ونظرتي التأريخية على شكل نعش لجنازة جسمي المضطرب كالمذبوح بين الموت والحياة.

فلما يئست من هذه الجهة ايضاً، رفعت رأسي ونظرت الى قمة شجرة عمري، فرأيت ان على تلك الشجرة ثمرة واحدة فقط، وهي تنظر اليّ، تلك هي جنازتي، فطأطأت رأسي ناظراً الى جذور شجرة عمري، فرأيت ان التراب الذي هناك ما هو الاّ رميم عظامي، وتراب مبدأ خلقتي قد اختلطا معاً وامتزجا، وهما يُداسان تحت الاقدام، فأضافا الى دائي داء من دون ان يمنحاني دواءً.

ثم حوّاتُ نظري على مضض الى ما ورائي، فرأيت ان هذه الدنيا الفانية الزائلة تتدحرج في اودية العبث وتنحدر في ظلمات العدم، فسكبتْ هذه النظرة السمَّ على جروحي بدلاً من ان تواسيها بالمرهم والعلاج الشافي.

ولما لم أجد في تلك الجهة خيراً ولا أملاً، وليت وجهي شطر الامام ورنوت بنظري بعيداً، فرأيت ان القبر واقف لي بالمرصادعلى قارعة الطريق، فاغراً فاه، يحدق بي، وخلفه الصراط الممتد الى حيث الابد، وتتراءى القوافل البشرية السائرة على ذلك الصراط من بعيد. وليس لي من نقطة استناد امام هذه المصائب المدهشة التي تأتيني من الجهات الست، ولا املك سلاحاً يدفع عني غير جزء ضئيل من الارادة الجزئية. فليس لي اذن امام كل اولئك الاعداء الذين لا حصر لهم، والاشياء المضرة غير المحصورة، سوى السلاح الانساني الوحيد وهو الجزء الاختياري. ولكن لما كان هذا السلاح ناقصاً وقاصراً وعاجزاً، ولا قوة له على ايجاد شيء، وليس في طوقه الاً الكسب فحسب، حيث لا يستطيع ان يمضي الى الزمان الماضي ويذبّ عني الاحزان ويسكتها، ولايمكنه ان ينطلق الى المستقبل حتى يمنع عنّي الاهوال والمخاوف الواردة منه، أيقنت الاّ جدوى منه فيما يحيط بي من آلام وآمال الماضي والمستقبل.

وفيما كنت مضطرباً وسط الجهات الست تتولى عليّ منها صنوف الوحشة والدهشة واليأس والظلمة، اذ بأنوار الإيمان المتألقة في وجه القرآن المعجز البيان، تمدني وتضيء تلك الجهات الست وتنورها بانوار باهرة ساطعة ما لو تضاعف ما انتابني من صنوف الوحشة وانواع الظلمات مائة مرة، لكانت تلك الانوار كافية ووافية لإحاطتها.

فبدّلت – تلك الانوار – السلسلة الطويلة من الوحشة الى سلوان ورجاء، وحولت كل المخاوف الى انس القلب، وامل الروح الواحدة تلو الاخرى.

نعم، ان الإيمان قد مزق تلك الصورة الرهيبة للماضي وهي كالمقبرة الكبرى، وحوّلها الى مجلس منوّر أنوس والى ملتقى الاحباب، وأظهر ذلك بعين اليقين وحق اليقين…

ثم ان الإيمان قد أظهر بعلم اليقين ان المستقبل الذي يتراءى لنا بنظر الغفلة، كقبر واسع كبير ما هو الاّ مجلس ضيافة رحمانية اعدّت في قصور السعادة الخالدة.

ثم ان الإيمان قد حطم صورة التابوت والنعش للزمن الحاضر التي تبدو هكذا بنظر الغفلة، واشهدني ان اليوم الحاضر انما هو متجر اخروي، ودار ضيافة رائعة للرحمن.

ثم ان الإيمان قد بصرني بعلم اليقين ان ما يبدو بنظر الغفلة من الثمرة الوحيدة التي هي فوق شجرة العمر على شكل نعش وجنازة. انها ليست كذلك، وانما هي انطلاق لروحي – التي هي اهل للحياة الابدية ومرشحة للسعادة الابدية – من وكرها القديم الى حيث آفاق النجوم للسياحة والارتياد.

ثم ان الإيمان قد بين باسراره؛ ان عظامي ورميمها وتراب بداية خلقتي، ليسا عظاماً حقيرة فانية تداس تحت الاقدام، وانما ذلك التراب باب للرحمة، وستار لسرادق الجنة.

ثم ان الإيمان أراني بفضل اسرار القرآن الكريم ان احوال الدنيا واوضاعها المنهارة في ظلمات العدم بنظر الغفلة، لا تتدحرج هكذا في غياهب العدم – كما ظنّ في بادىء الامر – بل انها نوع من رسائل ربانية ومكاتيب صمدانية، وصحائف نقوش للاسماء السبحانية قد اتمت مهامها، وأفادت معانيها، واخلفت عنها نتائجها في الوجود، فأعلمني الإيمان بذلك ماهية الدنيا علم اليقين.

ثم ان الإيمان قد اوضح لي بنور القرآن ان ذلك القبر الذي احدق بي ناظراً ومنتظراً ليس هو بفوهة بئر، وانما هو باب لعالم النور. وان ذلك الطريق المؤدي الى الابد ليس طريقاً ممتداً ومنتهياً بالظلمات والعدم، بل انه سبيل سوي الى عالم النور، وعالم الوجود وعالم السعادة الخالدة.. وهكذا اصبحت هذه الاحوال دواء لدائي، ومرهماً له، حيث قد بدت واضحة جلية فأقنعتني قناعة تامة.

ثم، ان الإيمان يمنح ذلك الجزء الضئيل من – الجزء الاختياري – الذي يملك كسباً جزئياً للغاية، وثيقة يستند بها الى قدرة مطلقة، وينتسب بها الى رحمة واسعة، ضد تلك الكثرة الكاثرة من الاعداء والظلمات المحيطة، بل ان الإيمان نفسه يكون وثيقة بيد الجزء

الاختياري. ثم ان هذا الجزء الاختياري الذي هو السلاح الانساني، وان كان في حد ذاته ناقصاً عاجزاً قاصراً، الاّ أنه اذا استعمل باسم الحق سبحانه، وبذل في سبيله، ولاجله، يمكن ان ينال به – بمقتضى الإيمان – جنة ابدية بسعة خمسمائة سنة. مَثَلُ المؤمن في ذلك مثل الجندي اذا استعمل قوته الجزئية باسم الدولة فانه يسهل له ان يؤدي اعمالاً تفوق قوته الشخصية بألوف المرات.

وكما ان الإيمان يمنح الجزء الاختياري وثيقة، فانه يسلب زمامه من قبضة الجسم الذي لايستطيع النفوذ في الماضي ولا في المستقبل، ويسلمه الى القلب والروح، ولعدم انحصار دائرة حياة الروح والقلب في الزمن الحاضر كما هو في الجسد، ولدخول سنوات عدة من الماضي وسنوات مثلها من المستقبل في دائرة تلك الحياة، فان ذلك الجزء الاختياري ينطلق من الجزئية مكتسباً الكلية. فكما انه يدخل بقوة الإيمان في اعمق اودية الماضي مبدداً ظلمات الاحزان، كذلك يصعد محلقاً بنور الإيمان الى ابعد شواهق المستقبل مزيلاً اهواله ومخاوفه.

فيا ايها الاخوان الشيوخ، ويا ايتها الاخوات العجائز، ويا من تتألمون مثلي من تعب المشيب! ما دمنا والحمد لله من اهل الإيمان، والإيمان فيه خزائن حلوة نيرة لذيذة محبوبة الى هذا الحد، وان شيبنا يدفعنا الى هذه الخزائن دفعاً اكثر، فليس لنا التشكي من الشيخوخة اذاً، بل يجب علينا ان نقدم ألف شكر وشكر الى الله عزّ وجلّ، وان نحمده تعالى على شيبنا المنوّر بالإيمان.(*)

______________________________

(1) وردت هذه الحالة الروحية على صورة مناجاة الى القلب باللغة الفارسية، فكتبتها كما وردت، ثم طبعت ضمن رسالة (حَباب) في أنقرة. – المؤلف.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 351