الشيخوخة والتسلي بأنوار قرآنية


 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

عندما رجعت من الاسر، كنت أسكن مع ابن اخي (عبدالرحمن)(1) في قصر على قمة (جاملجة) في استانبول. ويمكن ان تعتبر هذه الحياة التي كنت احياها حياة مثالية من الناحية الدنيوية بالنسبة لأمثالنا؛ ذلك لانني قد نجوت من الاسر، وكانت وسائل النشر مفتوحة امامي في (دار الحكمة الإسلامية)(2) وبما يناسب مهنتي العلمية، وان الشهرة والصيت والاقبال عليّ تحفّ بي بدرجة لا استحقها، وانا ساكن في اجمل بقعة من استانبول (جاملجة)، وكل شيء بالنسبة لي على مايرام، حيث أن ابن اخي (عبدالرحمن) – رحمه الله – معي، وهو في منتهى الذكاء والفطنة، فهو تلميذ ومضحّ وخادم وكاتب معاً، حتى أعدّه ابناً معنوياً لي.

وبينما كنت احس بأني اسعد انسان في العالم، نظرت الى المرآة، ورأيت شعيرات بيضاء في رأسي وفي لحيتي، واذا بتلك الصحوة الروحية التي احسست بها في الاسر في جامع (قوصترما) تبدأ بالظهور. فأخذتُ أنعم النظر وافكر مدققاً في تلك الحالات التي كنت ارتبط بها قلبياً، وكنت اظنها انها هي مدار السعادة الدنيوية. فما من حالة او سبب دققت النظر فيه، الا رأيت أنه سبب تافه وخادع، لا

يستحق التعلق به، ولا الارتباط معه. فضلاً عن ذلك وجدت في تلك الاثناء عدم الوفاء وفقدان الصداقة من صديق حميم، يُعدّ من أوفى الاصدقاء لي، وبشكل غير متوقع وبصورة لاتخطر على بال.. كل ذلك أدى الى النفرة والامتعاض من الحياة الدنيا، فقلت لقلبي:

- ياتُرى هل انا منخذع كلياً؛ فأرى الكثيرين ينظرون الى حياتنا التي يُرثى لها من زاوية الحقيقة نظر الغبطة؟ فهل جُنَّ جنون جميع هؤلاء الناس؟ أم انا في طريقي الى الجنون، لرؤيتي هؤلاء المفتونين بالدنيا مجانين بلهاء؟! وعلى كل حال.. فالصحوة الشديدة التي صحوتها برؤية الشيب جعلتني ارى اولاً: فناء ما ارتبط به من الاشياء المعرّضة للفناء والزوال!!

ثم التفتّ الى نفسي، فوجدتها في منتهى العجز!.. عندها صرختْ روحي وهي التي تنشد البقاء دون الفناء وتشبثت بالاشياء الفانية متوهمة فيها البقاء، صرخت من اعماقها: (مادمتُ فانية جسماً فأي فائدة ارجوها من هذه الفانيات؟ وما دمتُ عاجزة فماذا انتظر من العاجزين؟.. فليس لدائي دواء الاّ عند الباقي السرمدي، عند القدير الازلي) فبدأت أبحث وأستقصي.. راجعت اول ماراجعت، تلك العلوم التي اكتسبتها سابقاً، أبحث فيها السلوة والرجاء. ولكن كنت – وباللاسف- الى ذلك الوقت مغترفاً من العلوم الإسلامية مع العلوم الفلسفية ظناً مني – ظناً خطأ جداً – أن تلك العلوم الفلسفية هي مصدر الرقي والتكامل ومحور الثقافة وتنوّر الفكر، بينما تلك المسائل الفلسفية هي التي لوثت روحي كثيراً، بل اصبحت عائقة امام سموي المعنوي.

نعم، بينما كنت في هذه الحالة، اذا بحكمة القرآن المقدسة تسعفني، رحمةً من العلي القدير، وفضلاً وكرماً من عنده سبحانه، فغسلتْ أدران تلك المسائل الفلسفية وطهرت روحي منها – كما هو مبين فيكثير من الرسائل – اذ كان الظلام الروحي المنبثق من العلوم الفلسفية، يغرق روحي ويطمسها في الكائنات، فاينما كنت اتوجه بنظري في تلك المسائل فلا أرى نوراً ولا اجد قبساً، ولم أتمكن من التنفس والانشراح، حتى جاء نور التوحيد الساطع النابع من القرآن الكريم الذي يلقن (لا اله الا هو) فمزق ذلك الظلام وبدده. فانشرح صدري وتنفس بكل راحة واطمئنان.. ولكن النفس والشيطان، شنا هجوماً عنيفاً على العقل والقلب وذلك يما أخذاه من تعليمات وتلقياه من دروس من اهل الضلالة والفلسفة. فبدأت المناظرة النفسية في هذا الهجوم حتى اختتمت – ولله الحمد والمنة – بانتصار القلب وفوزه.

ولما كان قسم من تلك المناظرات قد ورد في اغلب الرسائل، فنحن نكتفي به، الا أننا نبين هنا برهاناً واحداً فقط من بين آلاف البراهين، لنبين انتصار القلب وفوزه على النفس والشيطان، وليقوم ذلك البرهان بتطهير ارواح اولئك الشيوخ الذين لوثوا أرواحهم، واسقموا قلوبهم، واطغوا انفسهم، حتى تجاوزت حدودها، تارة بالضلالة، وتارة بما لايعنيهم من أمور تتستر تحت ستار العلوم الاجنبية والفنون الحضارية ولينجوا – باذن الله – في حق التوحيد، من شرور النفس والشيطان. والمناظرة هي كالآتي:

قالت نفسي مستفسرة باسم العلوم الفلسفية المادية: ان الاشياء الموجودة في الكون، بطبيعتها تتدخل في الموجودات فكل شيء متوجه الى سبب وصادر منه، فالثمرة تؤخذ من الشجرة، والحبوب تطلب من التراب، فماذا يعني التضرع الى الله وطلب اصغر شيء واكثره جزئية منه سبحانه؟!

انكشف حالا سر التوحيد بنور القرآن الكريم بالصورة الآتية:

أجاب قلبي لنفسي المتفلسفة: ان اصغر شيء واكثره جزئية انما هو كأكبر شيء واعظمه، فهو يصدر من قدرة خالق الكائنات مباشرة، ويأتي من خزينته سبحانه.. فليس هناك صورة اخرى قط،

وما الاسباب الاّ ستائر؛ ذلك لان اصغر المخلوقات وأتفهها – حسب ظننا – قد يكون أعظم من اكبر المخلوقات واضخمها، من حيث الخلقة والصنعة والاتقان، فالذباب مثلاً، ان لم يكن أدق وارقى من حيث الصنعة من الدجاج فليس هو بقاصر عنها، لهذا لا يمكن التمييز بين الصغير والكبير من حيث الخلقة والصنعة فإما أن يُنسب خلق الجميع – صغيرهُ وكبيرهُ – الى الاسباب المادية وإما أن يُسند الخلق جميعاً الى الواحد الاحد. ومثلما أن الشق الاول محال في محال، فان الشق الثاني واجب الاعتقاد به وضروري. لانه:

ما دام علم الله سبحانه وتعالى يحيط بكل شيء، والذي هو ثابت وجوده بشكل قاطع بانتظام جميع الموجودات والحِكَم التي فيها.. وما دام كل شيء يتعين مقداره في علمه سبحانه.. وما دامت المصنوعات والمخلوقات وهي في منتهى الروعة والاتقان تأتي بمنتهى السهولة الى الوجود من العدم كل حين كما هو مشاهد.. ومادام ذلك القدير العليم يملك قدرة مطلقة يمكنه أن يوجد كل شيء بامر (كن فيكون) وفي لمح البصر.. كما بينا ذلك في كثير من الرسائل بدلائل قاطعة ولاسيما في المكتوب العشرين وختام اللمعة الثالثة والعشرين. فلابد أن السهولة المطلقة المشاهدة، والخارقة للعادة، ماهي الاّ من تلك الاحاطة العلمية ومن عظمة تلك القدرة المطلقة.

مثلاً: كما انه اذا أمررت مادة كيمياوية معينة على كتاب كتب بحبر كيمياوي لايُرى، فان ذلك الكتاب الضخم يظهر عياناً حتى يستقرىء كل ناظر اليه، كذلك يتعين مقدار كل شيء وصورته الخاصة به في العلم المحيط للقدير الازلي، فيمرر القدير المطلق قوته – التي هي تجلٍ من قدرته – بكل سهولة ويسر، كإمرار تلك المادة في المثال، على تلك الماهية العلمية، يمرره بأمر (كن فيكون)، وبقدرته المطلقة تلك، وبارادته النافذة.. فيعطي سبحانه ذلك الشيء وجوداً

خارجياً، مظهراً اياه امام الاشهاد، مما يجعلهم يقرأون ما فيه من نقوش حكمته..

ولكن ان لم يُسند خلق جميع الاشياء دفعة واحدة الى العليم المطلق والى القدير الازلي، فان خلق اصغر شيء عندئذ – كالذباب مثلاً – يستلزم جمع جميع ما له علاقة بالذباب من اكثر انواع العالم، جمعه بميزان خاص ودقيق جداً، أي جمع كل ذلك في جسم الذباب، بل ينبغي ان تكون كل ذرة عاملة في جسم الذباب عالمة تمام العلم بسرّ خلق الذباب وحكمة وجوده، بل ينبغي أن تكون متقنة لروعة الصنعة التي فيها بدقائقها وتفاصيلها كافة.

ولما كانت الاسباب المادية او الطبيعية لا يمكنها ان تخلق شيئاً من العدم مطلقاً كما هو بديهي ومتفق عليه عند ارباب العقول؛ لذا فان تلك الاسباب حتى لو تمكنت من الايجاد فانها لاتتمكن ذلك الاّ بالجمع، فما دامت ستقوم بالجمع، وأن الكائن الحي – اياً كان – ينطوي على اغلب نماذج ما في العالم من عناصر وانواع، وكأنه خلاصة الكائنات او بذرتها، فلابد اذن من جمع ذرات البذرة من شجرة كاملة، وجمع عناصر الكائن الحي وذراته من ارجاء العالم اجمع، وذلك بعد تصفيتها وتنظيمها وتقديرها بدقة واتقان حسب موازين خاصة ووفق مصاف حساسة ودقيقة جداً.. ولكون الاسباب المادية الطبيعية جاهلة وجامدة، فلا علم لها مطلقاً كي تقدّر خطة، وتنظم منهاجاً، وتنسق فهرساً، وكي تتعامل مع الذرات وفق قوالب معنوية، مصهرة اياها في تلك القوالب لتمنعها من التفرق والتشتت واختلال النظام. بينما يمكن أن يكون شكل كل شيء وهيئته ضمن أنماط لاتحد.. لذا فان اعطاء شكل معين واحد من بين تلك الاشكال غير المحدودة، وتنظيم ذلك الشيء بمقدار معين ضمن تلك المقادير غير المعدودة، دون أن تتبعثر ذرات العناصر الجارية كالسيل وبانتظام كامل. ثم بناؤها وعمارتها بعضها فوق بعض بلا قوالب خاصة وبلا تعيين المقادير، ثم اعطاء الكائن الحي وجوداً منتظماً منسقاً.. كل هذا امر واضح أنهخارج عن حدود الامكان، بل خارج عن حدود العقل والاحتمال! فالذي لم يفقد بصيرته يرى ذلك بجلاء! نعم، وتوضيحاً لهذه الحقيقة

فقد جاء في القرآن الكريم ﴿انّ الذين تَدعونَ من دون الله لن يَخلقوا ذُباباً ولو اجتمعوا له..﴾(الحج:73). أي اذا اجتمعت الاسباب المادية كافة لا يمكنها أن تجمع وتنسق جسم ذبابة واحدة وأجهزتها وفق موازين دقيقة خاصة حتى لو أوتيت تلك الاسبابا ارادةًَ واختياراً، بل حتى لو تمكنت من تكوين جسم ذباب وجمعه فانها لاتستطيع ابقاءه وادامته على مقداره المعين له، بل حتى لو تمكنت من ابقائه بالمقدار المعين فلن تستطيع ن تحرك بانتظام تلك الذرات التي تتجدد دوماً وترد الى ذلك الوجود لتسعى فيه؛ لذا فمن البداهة أن الاسباب لن تكون مالكة لهذه الاشياء ولن تكون صاحبتها مطلقاً. انما صاحبها الحقيقي هو غير الاسباب.. نعم، ان لها مالكاً وصاحباً حقيقياً بحيث أن إحياء ما على الارض من كائنات سهل عليه ويسير، كإحياء ذبابة واحدة. وايجاد الربيع عنده سهل وهين كسهولة أيجاد زهرة واحدة.. كما تبينه الآية الكريمة: ﴿ما خلقُكُم ولا بَعثُكم الاّ كنَفسٍ واحدة﴾(لقمان:28) ذلك لأنه غير محتاج الى الجمع، حيث أنه مالك لأمر: (كن فيكون).. ولانه يخلق من العدم في كل ربيع أحوال موجودات الربيع وصفاتها واشكالها، مما سوى عناصرها.. ولان خطة كل شيء ونموذجه وفهرسه ومخططه متعين في علمه سبحانه.. ولان جميع الذرات لاتتحرك الاّ ضمن دائرة علمه وقدرته؛ لذا فانه يخلق كل شيء ويوجده ايتجاداً بلمح البصر وفي منتهى اليسر، ولن يحيد شيء عما أنيط به في حركته ولو بمقدار ذرة. فتعدو الكواكب السيارة جيشاً منظماً طائعاً له، وتصبح الذرات جنوداً مطيعين لأمره، وحيث ان الجميع يسيرون على وفق تلك القدرة الازلية ويتحركون وفق دساتير ذلك العلم الازلي لذا فأن هذه الآثار تأتي الى الوجود حسب تلك القدرة، فلا تصغُر تلك الآثار بنظر الاستصغار، ولا تكون مهملة بعدم الاهتمام بها؛ اذ الذبابة المنتسبة الى تلك القدرة تهلك نمروداً، والنملة تدمر قصر فرعون، وبذرة الصنوبر المتناهية فيالصغر تحمل على اكتافها ثقل شجرة الصنوبر الضخمة كالجبل. فكما اننا اثبتنا هذه التحقيقة في رسائل كثيرة فاننا نقول هنا كذلك: ان الجندي المنتسب الى السلطان بالجندية يمكنه أن يقوم بأعمال تفوق طاقته ألف مرة، كأن يأسر مثلاً قائداً عظيماً للعدو بانتسابه، كذلك فان كل شيء بانتسابه الى تلك القدرة الازلية يكون مصدراً لمعجزات الصنعة والاتقان بما تفوق تلك الاسباب الطبيعية بمائة ألف مرة.

 

الخلاصة:

ان الصنعة المتقنة البديعة لكل شيء، والسهولة المطلقة في ايجاده، تظهران معاً من آثار القدير الازلي ذي العلم المحيط، والاّ فهو محال في مائة محال، بأن ذلك الشيء وروده الى الوجود، بل يكون – عندئذٍ – خارجاً عن دائرة الامكان وداخلاً في دائرة الامتناع، بل خارجاً من صورة الممكن الى صورة الممتنع وماهية الممتنع، بل لا يمكن ان يرد – عندئذ – شيء مهما كان الى الوجود مطلقاً.

وهكذا فان هذا البرهان وهو في منتهى القوة والدقة، ومنتهى العمق والوضوح قد أسكت نفسي التي اصبحت تلميذة مؤقتة للشيطان، ووكيله لاهل الضلالة والفلسفة، حتى آمنت – ولله الحمد – إيماناً راسخاً، وقالت:

نعم انه ينبغي أن يكون لي ربٌ خالق يعلم ويسمع أدق خواطر قلبي وأخفى رجائي ودعائي. ويكون ذا قدرة مطلقة فيسعف أخفى حاجات روحي ويستبدل كذلك بهذه الدنيا الضخمة دنيا اخرى غيرها ليسعدني سعادة ابدية فيقيم الآخرة بعدما يرفع هذه الدنيا، وكما أنه يخلق الذباب فانه يوجد السموات أيجاداً ايضاً. وكما أنه رصع وجه السماء بعين الشمس جعل من الذرة ترصيعاً في بؤبؤ عيني. والاّ فانالذي لا يستطيع أن يخلق ذباباً لا يمكنه أن يتدخل في خواطر قلبي، ولن يسمع تضرع روحي. وان الذي لايستطيع أن يخلق السموات لايمكنه ان يهبني السعادة الابدية؛ لذا فان ربي انما هو الذي يسمع – بل يصلح – خواطر قلبي، فمثلما أنه يملأ جو السماء بالغيوم ويفرغها منه خلال ساعة فانه سيبدل الآخرة بهذه الدنيا ويعمر الجنة ويفتح أبوابها لي قائلاً: هيا أدخل!!

فيا اخوتي الشيوخ، ويامن صرفتم جزءاً من عمركم بسوء حظ النفس وشقائها – مثل نفسي – في مغالطات العلوم الاجنبية والفلسفة المظلمة.. اعلموا أن الذي يردده القرآن دوماً من (لا اله الاّ هو) ذلك الامر القدسي، ركن إيماني لا يتزلزل ولا يتصدع ولا يتغير أبداً!! فما اقواه وما اصوبه! حيث يبدد جميع الظلمات ويضمد الجراحات المعنوية.

هذا وان درج هذه الحادثة المطولة ضمن ابواب الرجاء والامل لشيخوختي، لم يكن باختياري، بل لم أكن أرغب درجها هنا، تحاشياً من الملل، الاّ انني استطيع ان اقول قد كُتبتها وأملِيَنْ عليّ.. وعلى كل.. لنرجع الى الموضوع الذي نحن بصدده:

نعم، هكذا جاءني النفور من تلك الحياة الدنيوية البهيجة في استانبول التي ظاهرها اللذة، من ذلك التأمل والنظر في شعيرات بيضاء لرأسي ولحيتي، ومن عدم الوفاء الذي بدر من الصديق الوفي المخلص.. حتى بدأت النفس بالبحث والتحري عن اذواق معنوية بدلا عما افتتنت به من اذواق، فطلبت نوراً وسلواناً في هذه الشيخوخة التي تبدو ثقيلة ومزعجة ومقيتة في نظر الغافلين. فلله الحمد والمنة وألف شكر وشكر له سبحانه أن وفقني لوجدان تلك الاذواق الإيمانية الحقيقية الدائمة في (لا اله الاّ هو) وفي نور التوحيد بدلا من تلك الاذواق الدنيوية التي لا حقيقة لها ولا لذة فيها، بل لا خير في عقباها. وله الحمد أن وفقني كذلك لأجد الشيخوخة خفيفة الظل أتنعم بدفئها ونورها بخلاف ما يراه أهل الغفلة من ثقل وبرودة.

نعم يا اخوتي! فما دمتم تملكون الإيمان، وما دامت لديكم الصلوات والدعاء اللذان ينوران الإيمان، بل ينميانه ويصقلانه.. فانكم تستطيعون اذن أن تنظروا الى شيخوختكم من أنها شباب دائم، بما تكسبون بها شباباً خالداً، حيث ان الشيخوخة الباردة حقاً، والثقيلة جداً، والقبيحة، بل المظلمة والمؤلمة تماماً ليس الاّ شيخوخة اهل الضلالة، بل ربما عهد شبابهم كذلك.. فليبكوا.. ولينتحبوا.. وليقولوا: واأسفاه.. واحسرتاه!!

أما انتم ايها الشيوخ المؤمنون الموقرون فعليكم أن تشكروا ربكم بكل فرح وسرور قائلين: (الحمد لله على كل حال!).(*)

 

_____________________

 (1) هو عبدالرحمن بن عبدالله، ابن شقيق الاستاذ النورسي ولد سنة 1903 في نورس وتوفي سنة 1928 ودفن في قرية (ذو الفضل) في انقرة. كتب تاريخ حياة الاستاذ حتى عام 1918 ونشره بكتاب طبع في ستانبول. – المترجم.

(2) هي اعلى مؤسسة علمية تابعة للمشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية. – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 366