الشيخوخة والتسلي بالاجر العظيم

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 عندما كنت نزيل غرفة في (اميرداغ)(1) تحت الاقامة الجبرية وحيداً فريداً، كانت عيون الترصد تتعقبني وتضايقني دائماً فأتعذب منها أشد العذاب، حتى مللت الحياة نفسها وتأسفت لخروجي من السجن، بل رغبتُ من كل قلبي في ان اعود الى سجن (دنيزلي) او دخول القبر، حيث السجن او القبر افضل من هذا اللون من الحياة. فأتتني العناية الإلهية مغيثة، إذ وهبتْ آلة الرونيو التى ظهرت حديثاًلطلاب (مدرسة الزهراء)(2) وهم يحملون اقلاماً ماسية كآلة الرونيو. فباتت (رسائل النور) تظهر بخمسمائة نسخة بقلم واحد، فتلك الفتوحات التي هيأتها العناية الإلهية لرسائل النور جعلتني أحب تلك الحياة الضجرة القلقة المضطربة، بل جعلتني اردد الف شكر وشكر للبارىء سبحانه وتعالى.

ولكن بعد مرور فترة وجيزة لم يتمكن اعداء رسائل النور المتسترين ان يتحملوا تلك الفتوحات النورية، فنبهوا المسؤولين في الدولة ضدنا وأثاروهم علينا، فاصبحت الحياة – مرة اخرى – ثقيلة مضجرة، الاّ ان العناية الإلهية تجلت على حين غرة، حيث ان المسؤولين أنفسهم – وهم أحوج الناس الى رسائل النور – بدأوا فعلاً بقراءة الرسائل المصادرة بشوق واهتمام، وذلك بحكم وظيفتهم. واستطاعت تلك الرسائل بفضل الله أن تلين قلوبَهم وتجنحها الى جانبها. فتوسعت بذلك دائرة مدارس النور، حيث أنهم بدأوا بقدرها والاعجاب بها بدلاً من جرحها ونقدها. فأكسبتنا هذه النتيجة منافع جمة، اذ هي خير مائة مرة مما نحن فيه من الاضرار المادية، وأذهبت ما نعانيه من اضطراب وقلق. ولكن ما ان مرّت فترة وجيزة، حتى حوّل المنافقون – وهم الاعداء المتسترون – نظر الحكومة الى شخصي أنا، ونبهوا أذهانها الى حياتي السياسية السابقة، فأثاروا الأوهام والشكوك، وبثوا المخاوف من حولي في صفوف دوائر العدل والمعارف (التربية) والامن ووزارة الداخلية، ومما وسّع تلك المخاوف لديهم ما يجري من المشاحنات بين الاحزاب السياسية، وما أثاره الفوضويون والارهابيون – وهم واجهة الشيوعيين – حتىأن الحكومة قامت إثر ذلك بحملة توقيف وتضييق شديد علينا، وبمصادرة ما تمكنت من الحصول عليه من الرسائل فتوقف نشاط طلاب النور وفعالياتهم.

وبالرغم من أن بعض الموظفين المسؤولين أشاعوا دعايات مغرضة عجيبة لجرح شخصيتي وذمها – مما لايمكن أن يصدّقه أحد – الاّ انهم باؤوا بالاخفاق الذريع، فلم يستطيعوا ان يقنعوا احداً بها. ومع ذلك احالوني الى الموقف لمدة يومين بحجج رخيصة تافهة جداً، ووضعوني في قاعة واسعة جداً وحيداً في تلك الايام الشديدة البرد كالزمهرير، علماً انني ما كنت اتحمل البرد في بيتي الاّ على مضض وكنت اقاومه بشدة بإشعال الموقد دائماً وبأشعال المدفأة عدة مرات يومياً، وذلك لما أعانيه من ضعف ومرض.

فبينما كنت اتقلب من شدة الحمى المتولدة من البرد، واتململ من حالتي النفسية المتضايقة جداً، انكشفت في قلبي حقيقة عناية إلهية، ونُبهت الى ما يأتي:

(أنك قد اطلقت على السجن اسم (المدرسة اليوسفية)، وقد وهب لك (سجن دنيزلي) من النتائج والفوائد اضعاف اضعاف ما اذاقكم من الضيق والشدة، ومنحكم فرحاً شديداً وسروراً عظيماً وغنائم معنوية كثيرة: واستفادة المساجين معكم من رسائل النور، وقراءة رسائل النور في الاوساط الرسمية العليا وغيرها من الفوائد، حتى جعلتكم في شكر دائم مستمر بدل التشكي والضجر محوّلة كل ساعة من ساعات السجن والضيق الى عشر ساعات من العبادة، فخلدت تلك الساعات الفانية، فهذه (المدرسة اليوسفية الثالثة)(3) كذلك ستعطي – باذن الله – من الحرارة الكافية ما يدفىء هذا البرد الشديد، وستمنح من الفرح والبهجة ما يرفع هذا الضيق الثقيل، باستفادة اهل المصائب والبلاءمعكم من رسائل النور ووجدانهم السلوان فيها. أما الذين غضبت واحتدت عليهم، فان كانوا من المغرّربهم ومن المخدوعين فلا يستحقون الغضب والحدّة، اذ انهم يظلمونك دون قصد ولاعلم ولاشعور. وان كانوا يعذبونك ويشددون عليك الخناق يقومون بها عن علم وعن حقد دفين ارضاء لأهل الضلالة فإنهم سيعذّبون عن قريب بالموت الذي يتصورونه إعداماً أبدياً، وسيرون الضيق الشديد الدائمي المقيم في السجن المنفرد وهو القبر. وانت بدورك تكسب ثواباً عظيماً – نتيجة ظلمهم – وتظفر بخلود ساعاتك الفانية، وتغنم لذائذ روحية معنوية فضلاً عن قيامك بمهمتك العلمية والدينية باخلاص.

هكذا ورد الى روحي هذا المعنى فقلت بكل ماأوتيت من قوة: (الحمد لله). واشفقت على اولئك الظَلَمة بحكم انسانيتي ودعوت: ياربي أصلح شأن هؤلاء..

ولقد ثبتّ في افادتي التي كتبتُها الى وزارة الداخلية: ان هذه الحادثة الجديدة غير قانونية، وأثبتها بعشرة أوجه، بل ان هؤلاء الظلمة الذين يخرقون القانون باسم القانون هم المجرمون حقاً، حيث بدأوا بالبحث عن حجج واهية جداً وتتبعوا افتراءات مختلفة الى حدّ ان جلبوا سخرية السامعين وابكت اهل الحق المنصفين، وأظهروا لأهل الانصاف أنهم لايجدون باسم القانون والحق أي مسوّغ للتعرض لرسائل النور ومسّ طلابها بسوء، فيزلون الى البلاهة والجنون ويتخبطون خبط عشواء.

مثال ذلك:

لم يجد الجواسيس الذين راقبونا لمدة شهر شيئاً علينا، لذا لفقوا التقرير الآتي: ان خادم (سعيد) قد اشترى له الخمر من حانوت. الاّ أنهم لم يجدوا أحداً يوقع على هذا التقرير تصديقاً لهم، الاّ شخصاً غريباً وسكيراً في الوقت نفسه، فطلبوا منه – تحت الضغط والتهديد

ان يوقع مصدقاً على ذلك التقرير، فردّ عليهم: (استغفر الله من يستطيع أن يوقع مصدقاً هذا الكذب العجيب) فاضطروا الى اتلاف التقرير.

مثال آخر

لحاجتي الشديدة لاستنشاق الهواء النقي، ولما يُعلم من اعتلال صحتي، فقد أعارني شخص لاأعرفه – ولم اتعرف عليه لحدّ الآن – عربة ذات حصان لأتنزه بها خارج البلدة فكنت اقضي ساعة او ساعتين في هذه النزهة، وكنت قد وعدت صاحب العربة والحصان بأن أوفي اجرتها كتباً تثمن بخمسين ليرة، لئلا أحيد عن قاعدتي التي اتخذتها لنفسي، ولئلا أظل تحت منة أحد من الناس واذاه.. فهل هناك احتمال لان ينجم ضرر ما من هذا العمل؟! غير أن دائرة الشرطة ودائرة العدل والامن الداخلي وحتى المحافظ نفسه استفسر باكثر من خمسين مرة: لمنْ هذا الحصان؟ ولمن هذه العربة؟ وكأنه قد حدثت حادثة سياسية خطيرة للاخلال بالأمن والنظام! مما اضطر ان يتطوع أحد الاشخاص لقطع دابر هذه الاستفسارات السخيفة المتتالية فيدّعي أن الحصان ملكه، وادّعى آخر بان العربة له، فصدر الامر بالقبض عليهما واودعا معي في السجن. فبمثل هذه النماذج اصبحنا من المتفرجين على لعب الصبيان ودُماهم، فبكينا ضاحكين وحزنا ساخرين، وعرفنا أن كل من يتعرض لرسائل النور ولطلابها يصبح اضحوكة وموضع هزء وسخرية.

واليك محاورة لطيفة من تلك النماذج: لقد قلتُ للمدعي العام – قبل ان اطلع على ماكتب في محضر اتهامي من الاخلال بالامن – قلت له: لقد اغتبتك امس اذ قلت لأحد افراد الشرطة الذي استجوبني نيابة عن مدير الامن: (ليهلكني الله – ثلاثة مرات – ان لم اكن قد خدمت الامن العام لهذا البلد أكثر من الف مدير أمن واكثر من ألف مدع عام..).

ثم انني في الوقت الذي كنتُ في أمسّ الحاجة الى الاخلاد الى الراحة وعدم الاهتمام بهموم الدنيا والابتعاد نهائياً عن البرد، فان قيام هؤلاء بنفيي – في هذه الفترة من البرد بالذات – وتهجيري من مدينة لاخرى بما يفوق تحملي، ومن ثم توقيفي والتضيق عليّ باكثر من طاقتي وبما يشعر أنه حقدٌ دفين وأمر متعمد مقصود.. كل ذلك ولد عندي غيظاً وامتعاضاً غير اعتيادي تجاه هؤلاء. ولكن العناية الإلهية أغاثتني فنبهت القلب الى هذا المعنى:

ان للقدر الإلهي – الذي هو عدل محض – حصةً عظيمةً جداً فيما يسلطه عليك هؤلاء البشر من الظلم البين، وان رزقك في السجن هو الذي دعاك الى السجن، فينبغي اذاً ان تقابل هذه الحصة بالرضى والتسليم.

وان للحكمة الربانية ورحمتها حظاً وافراً ايضاً كفتح طريق النور والهداية الى قلوب المساجين وبث السلوان والأمل فيهم، ومن ثم احراز الثواب لكم؛ لذا ينبغي تقديم آلاف الحمد والشكر لله – من خلال الصبر – تجاه هذا الحظ العظيم.

وكذا فان لنفسك انت ايضاً حصتها حيث ان لها مالاتعرف من التقصيرات.. فينبغي مقابلة هذه الحصة ايضاً بالاستغفار والتوبة والانابة الى الله وتأنيب النفس بأنها مستحقة لهذه الصفعة.

وكذا فان بعض الموظفين السذج والجبناء المنخدعين الذين يساقون الى ذلك الظلم بدسائس الاعداء المتسترين منهم حصة ايضاً ونصيب، فرسائل النور قد ثأرت لك ثأراً كاملاً من هؤلاء المنافقين بما أنزلت بهم من صفعاتها المعنوية المدهشة. فحسبهم تلك الضربات.

أما الحصة الاخيرة فهي لاولئك الموظفين الذين هم وسائط فعلية. ولكن لكونهم منتفعين حتماً من جهة الإيمان – سواء أرادوا أم لم يريدوا – عند نظرهم الى رسائل النور وقراءتهم لها بنية النقد اوالجرح، فان العفو والتجاوز عنهم وفق دستور ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾(آل عمران:134) هو شهامة ونجابة.

وبعد ان تلقيت هذا التنبيه والتحذير الذي كله حق وحقيقة قررت أن أظل صابراً وشاكراً جذلاً في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة. بل قررت أن أساعد وأعاون حتى اولئك الذين يسيئون اليّ ويخاصمونني مؤدباً نفسي بتقصير لا ضرر منه.

ثم ان من كان مثلي في الخامسة والسبعين من عمره، وقد انقطعت علاقاته مع الدنيا ولم يبق من احبابه في الدنيا الاّ خمسٌ من كل سبعين شخص، وتقوم سبعون ألف نسخة من رسائل النور بمهمته النورية بكل حرية، وله من الاخوان ومن الورثة مَن يؤدون وظيفة الإيمان بآلاف الالسنة بدلاً من لسان واحد.. فالقبر لمثلي اذاً خير وأفضل مائة مرّة من هذا السجن. فضلاً عن أن هذا السجن هو اكثر نفعاً واكثر راحة بمائة مرة من الحرية المقيدة في الخارج، ومن الحياة تحت تحكم الآخرين وسيطرتهم؛ لان المرء يتحمل مضطراً مع مئات المساجين تحكماً من بعض المسؤولين؛ امثال المدير ورئيس الحراس بحكم وظيفتهم، فيجد سلواناً وإكراماً أخوياً من اصدقاء كثيرين من حوله، بينما يتحمل وحده في الخارج سيطرة مئات الموظفين والمسؤولين.

وكذلك الرأفة الإسلامية والفطرة البشرية تسعيان بالرحمة للشيوخ ولاسيما من هم في هذه الحالة فتبدلان مشقة السجن وعذابه الى رحمة ايضاً.. لاجل كل ذلك فقد رضيت بالسجن..

وحينما قُدمت الى هذه المحكمة الثالثة جلست على كرسي خارج باب المحكمة لما كنت أحسّ من النصب والضيق في الوقوف لشدة ضعفي وشيخوختي ومرضي. وفجأة أتى الحاكم وقال مغاضباً مع إهانة وتحقير: لمَ لا ينتظر هذا واقفاً؟!.

ففار الغضب في اعماقي على انعدام الرحمة للشيب، والتفتُّ واذا بجمع غفير من المسلمين قد احتشدوا حولنا ينظرون الينا بعيون ملؤها الرأفة، بقلوب ملؤها الرحمة والاخوة، حتى لم يستطع أحد من صرفهم عن هذا التجمع، وهنا وردت الى القلب هاتان الحقيقتان:

الاولى

ان اعدائي، واعداء النور المتسترين قد اقنعوا بعض الموظفين الغافلين وساقوهم الى مثل هذه المعاملات المهينة كي يحطموا شخصيتي امام أنظار الناس، ويصرفوا ما لا أرغبه أبداً من توجه الناس واقبالهم عليّ، ظناً منهم أنهم يتمكنون بذلك من إقامة سدّ منيع امام سيل فتوحات النور. فتجاه تلك الاهانة الصادرة من رجل واحد فقد صرفت العناية الإلهية نظري الى هؤلاء (المائة) إكراماً منها للخدمة الإيمانية التي تقدمها رسائل النور وطلابها قائلة: (انظر الى هؤلاء، فقد أتوا للترحيب بكم لخدمتكم تلك، بقلوب ملأى بالرأفة والحزن والاعجاب والارتباط الوثيق).

بل حتى في اليوم الثاني عندما كنت أجيب عن اسئلة حاكم التحقيق؛ إحتشد ألفٌ من الناس في الساحة المقابلة لنوافذ المقر. كانت ملامح وجوههم تعبر عن وضعهم، وتقول: (لاتضايقوا هؤلاء). ولشدة ارتباطهم بنا، عجزت الشرطة عن ان تفرقهم. وعند ذلك ورد الى القلب:

(ان هؤلاء الناس في هذا الوقت العصيب؛ ينشدون سلوانا كاملا، ونوراً لاينطفىء، وإيماناً راسخاً، وبشارة صادقة بالسعادة الابدية، بل يبحثون عنها بفطرتهم، وقد طرق سمعُهم أن ما يبحثون عنه موجود فعلاً في رسائل النور، لذا يبدون هذا الاحترام والقدر لشخصي – الذي لا اهمية له – بما يفوق طاقتي وحدي، من موقع كوني خادماً للإيمان، وعسى أن اكون قد قمت بشيء من الخدمة له).

الحقيقة الثانية

لقد ورد الى القلب: انه حيال اهانتنا والاستخفاف بنا بحجة اخلالنا بالامن العام، وازاء صرف اقبال الناس عنا بالمعاملات الدنيئة التي يقوم بها اشخاص معدودون من المغرربهم.. فان هناك الترحيب الحار والقدر اللائق لكم من قبل اهل الحقيقة وابناء الجيل القادم. نعم، في الوقت الذي تنشط الفوضى والارهاب المتستر بستار الشيوعية للاخلال بالأمن العام، فان طلاب رسائل النور يقفون ذلك الأفساد المرعب، في جميع ارجاء البلاد ويكسرون شوكته بقوة الإيمان التحقيقي، ويسعون حثيثاً لإحلال الأمن والنظام مكان الخوف والفوضى، فلم تظهر في العشرين سنة السابقة اية حادثة كانت حول اخلالهم بالأمن، رغم كثرة طلاب النور وانتشارهم في جميع انحاء البلاد، فلم يجد ولم يسجل عليهم أحد من الضباط المسؤولين حدثاً، في عشر ولايات وعبر حوالي اربع محاكم ذات علاقة، بل لقد قال ضباط منصفون لثلاث ولايات: (ان طلاب النور ضباط معنويون للأمن في البلاد، انهم يساعدوننا في الحفاظ على الامن والنظام لما يجعلون من فكر كل من يقرأ رسائل النور بالإيمان التحقيقي حارساً ورقيباً عليه فيسعون بذلك للحفاظ على الأمن العام).

وسجن (دنيزلي) مثال واضح ونموذج جيد لهذا الكلام، فما ان دخل طلاب النور ورسالة (الثمرة) التي كتبت للمسجونين حتى تاب اكثر من مائتي سجين وتحلوا بالطاعة والصلاح، وذلك في غضون ثلاثة أشهر أو تزيد. حتى أن قاتلاً لاكثر من ثلاثة اشخاص كان يتحاشى أن يقتل (بقة الفراش). فلم يعد عضواً لا يضر، بل اصبح نافعاً رحيماً للبلاد.

فكان الموظفون المسؤولون ينظرون الى هذا الوضع بحيرة واعجاب، حتى صرّح بعض الشباب قبل ان يستلموا قرار المحكمة: (اذا لبث طلاب النور في السجن فسنحكم على انفسنا وندينها لنظل معهم ونتتلمذ عليهم ونصلح انفسنا بارشاداتهم لنكون امثالهم). فالذين يتهمون طلاب النور الذين لهم هذه الخصائص والخصال بإخلالالامن لامحالة قد انخدعوا بشكل مفجع، او خُدعوا، او انهم يغفلون اركان الحكومة في سبيل الفوضى والارهاب – من حيث يعلمون او لا يعلمون – لذا يسعون لإبادتنا واقتحامنا في العذاب.

فنحن نقول لهؤلاء:

(مادام الموت لايُقتل والقبر لايُغلق بابه، وقوافل البشرية في دار ضيافة الدنيا تغيب وتتوارى فيما وراء التراب بسرعة مذهلة.. فلا مناص اننا سنفترق في اقرب وقت، وسترون جزاء ظلمكم جزاءً رهيباً، وفي الاقل ستذوقون الموت الذي هو رخصة من الحياة عند اهل الإيمان المظلومين، ستذوقونه إعداماً ابدياً لكم، فالاذواق الفانية التي تكسبونها بتوهمكم الخلود في الدنيا ستنقلب الى آلام باقية مؤلمة دائمة..

ان حقيقة الإسلام التي ظفرت بها هذه الامة المتدينة وحافظت عليها بدماء مئات الملايين من شهدائها الذين هم بمرتبة الاولياء وسيوف ابطالها المجاهدين يطلق عليها اليوم – مع الاسف- اعداؤنا المنافقون المتسترون اسم (الطريقة الصوفية) احياناً، ويظهرون الطريقة الصوفية التي هي شعاع واحد من اشعة تلك الشمس المنيرة انها الشمس نفسها ليموهو على بعض الموظفين السطحيين. مطلقين على طلاب النور الذين يسعون بجد ونشاط الابراز حقيقة القرآن وحقائق الإيمان اسم (اهل الطريقة الصوفية) او (جمعية سياسية) ولا يبغون من ورائها الاّ التشويه والتحريض علينا. فنحن نقول لهؤلاء ولكل من يصغي اليهم قولتنا التي قلناها امام محكمة دنيزلي العادلة:

(ان الحقيقة المقدسة التي افتدتها ملايين الرؤوس فداءٌ لها رأسنا ايضاً، فلو اشعلتم الدنيا على رؤوسنا ناراً فلن ترضخ تلك الرؤوس التي افتدت الحقيقة القرآنية ولن تسلم القيادة للزندقة ولن تتخلى عن مهمتها المقدسة باذن الله).

وهكذا فلا أستبدل بسنة واحدة من شيخوختي التي أنشأت حوادثُها اليأسَ والاعباء الثقيلة والتي اسعفها السلوان النزيه النابع من الإيمان والقرآن، مع ما فيها من معاناة وضيق، عشر سنوات بهيجة سارة من حياة شبابي. وبالاخص اذا كان كل ساعة من ساعات التائب المقيم لفرائضه في السجن بحكم عشر ساعات له من العبادة، وان كُل يوم يمر بالمريض وهو مظلوم يجعل صاحبه يفوز بثواب عشرة ايام خالدة، فكم يكون مثل هذه الحياة مبعث شكر وامتنان لله لمثلي الذي يترقب دوره وهو على شفير القبر.

نعم، فهذا هو الذي فهمته من ذلك التنبيه المعنوي، فقلت: شكراً لله بلا نهاية.. وفرحت بشيخوختي ورضيت بالسجن. حيث ان العمر لايتوقف بل يمضي مسرعاً، فان مضى باللذة والفرح فانه يورث الحزن والاسى؛ لان زوال اللذة يورث الألم، وان مضى مشبعاً بالغفلة خاوياً من الشكر. فانه يترك بعض آثار الآثام ويفنى هو ويمضي. ولكن اذا مضى العمر بالعناء والسجن، فلكون زوال الألم يورث لذةً معنوية، وأن مثل هذا العمر يعدّ نوعاً من العبادة؛ لذا يظل باقياً من جهة، فيجعل صاحبه يفوز بعمر خالد بثمرات خالدة خيرة، ومن جهة اخرى كفارة للذنوب السابقة وتزكية للاخطاء التي سببت السجن. فمن زاوية النظر هذه على المسجونين الذين يؤدون الفرائض أن يشكروا الله تعالى ضمن الصبر.(*)

________________________

(1) قضاء يقع في اواسط الاناضول، نفي اليها الاستاذ النورسي سنة (1944) وظل فيها حتى سنة1951. – المترجم.

(2) سعى الاستاذ النورسي طوال حياته لاقامة هذه المدرسة التي تدمج فيها الدراسة الدينية والعلمية معاً، حتى وضع حجرها الاساس سنة 1911 قرب بحيرة (وان). الاّ ان ظروف الحرب العالمية الاولى حالت دون اتمام المشروع، ولكن العناية الربانية عوضت عن تلك المدرسة بمدرسة معنوية امتدت اغصانها الوارقة طول البلاد وعرضها، تلك هي المدارس المعنوية النورية، ومن هنا كان الاستاذ النورسي يعد طلاب النور طلاب مدرسة الزهراء. – المترجم.

(3) المقصود سجن آفيون سنة 1948. – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 394