الشيخوخة والتسلي بالانتساب الى المالك الحقيقي

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

بعدما نجوت من أسر الروس في الحرب العالمية الاولى، لبثت في استانبول لخدمة الدّين في (دار الحكمة الإسلامية) حوالي ثلاث

سنوات. ولكن بارشاد القرآن الكريم وبهمة الشيخ الكيلاني، وبانتباهي بالشيخوخة، تولد عندي سأم وملل من الحياة الحضارية في استانبول، وبت أنفر من حياتها الاجتماعية البهيجة، فساقني الشوق والحنين المسمى ب (داء الغُربة) الى بلدتي، اذ كنت اقول: مادمت سأموت فلأمت اذن في بلدتي.. فتوجهت الى مدينة (وان).

وهناك قبل كل شيء ذهبت الى زيارة مدرستى المسماة ب(خورخور) فرأيت أن الأرمن قد أحرقوها مثلما احرقوا بقية البيوت الموجودة في (وان) اثناء الاحتلال الروسي.. صعدت الى القلعة المشهورة في (وان) وهي كتلة من صخرة صلدة تضم تحتها مدرستي الملاصقة بها تماماً، وكانت تمرّ من امامي أشباح اولئك الاصدقاء الحقيقيين والاخوة المؤنسين من طلابي في مدرستي الذين فارقتهم قبل حوالي سبع سنوات خلت، فعلى إثر هذه الكارثة اصبح قسم من اولئك الاصدقاء الفدائيين شهداء حقيقيين وآخرون شهداء معنويين، فلم اتمالك نفسي من البكاء والنحيب.. صعدت الى قمة القلعة وارتقيتها وهي بعلو المنارتين ومدرستي تحتها، وجلست عليها أتأمل، فذهب بي الخيال الى ما يقرب من ثماني سنوات خلَتْ وجال بي الخيال في ذلك الزمان، لما لخيالي من قوة ولعدم وجود مانع يحول بيني وبين ذلك الخيال ويصرفني عن ذلك الزمان، اذ كنت وحيداً منفرداً.

شاهدت تحولاً هائلاً جداً قد جرى خلال ثماني سنوات حتى أنني كلما كنت افتح عيني أرى كأن عصراً قد ولى ومضى باحداثه. رأيت ان مركز المدينة المحيطة بمدرستي – الذي هو بجانب القلعة – قد أحرق من اقصاه الى أقصاه ودمر تدميراً كاملاً. فنظرت الى هذا المنظر نظرة حزن وأسى.. اذ كنت أشعر الفرق الهائل بين ماكنت فيه وبين ماأراه الآن، وكأن مائتي سنة قد مرّت على هذه المدينة.. كان أغلب الذين يعمرون هذه البيوت المهدّمة أصدقائي، وأحبة اعزّاء عليّ.. فلقد توفى قسم منهم بالهجرة من المدينة وذاقوا مضاضتها،تغمدهم الله جميعاً برحمته. حيث دُمرت بيوت المسلمين في المدينة كلياً ولم تبق الاّ محلة الأرمن، فتألمت من الاعماق، وحزنت حزناً شديداً ما لو كان لي ألف عين لكانت تسكب الدموع مدراراً.

كنت أظن أنني قد نجوت من الاغتراب حيث رجعت الى مدينتي، ولكن – وياللاسف – لقد رأيت أفجع غربة في مدينتي نفسها؛ اذ رأيت مئات من طلابي وأحبتي الذين ارتبط بهم روحياً – كعبدالرحمن المار ذكره في الرجاء الثاني عشر – رأيتهم قد أهيل عليهم التراب والانقاض، ورأيت أن منازلهم أصبحت أثراً بعد عين، وامام هذه اللوحة الحزينة تجسد معنى هذه الفقرة لأحدهم والتي كانت في ذاكرتي منذ زمن بعيد إلاّ انني لم اكن افهم معناها تماماً:-

لولا مفارقةُ الاحبابِ ما وجَدَتْ       لها المنايا الى ارواحنا سبُلاً(1)

أي ان اكثر ما يقضي على الانسان ويهلكه انما هو مفارقة الاحباب.

نعم، انه لم يؤلمني شيء ولم يبكني مثل هذه الحادثة، فلو لم يأتني مددٌ من القرآن الكريم ومن الإيمان لكان ذلك الغم والحزن والهم يؤثر فيّ الى درجة كافية لسلب الروح منيّ. لقد كان الشعراء منذ القديم يبكون على منازل أحبتهم عند مرورهم على اطلالها فرأيت بعيني لوحة الفراق الحزينة هذه.. فبكت روحي وقلبي مع عيني بحزن شديد كمن يمر بعد مائتي سنة على ديار أحبته واطلالها..

عند ذلك مرّت الصفحات اللطيفة اللذيذة لحياتي امام عيني وخيالي واحدة تلو الاخرى بكل حيوية، كمرور مشاهد الفلمالسينمائي.. تلك الحياة السارة التي قضيتها في تدريس طلابي النجباء بما يقرب من عشرين سنة، وفي هذه الاماكن نفسها، التي كانت عامرة بهيجة وذات نشوة وسرور، فاصبحت الآن خرائب وأطلالاً. قضيت فترة طويلة امام هذه اللوحات من حياتي، وعندها بدأت أستغرب من حال أهل الدنيا، كيف أنهم يخدعون انفسهم، فالوضع هذا يبين بداهة ان الدنيا لامحالة فانية، وان الانسان فيها ليس الاّ عابر سبيل، وضيف راحل. وشاهدت بعينيّ مدى صدق ما يقوله اهل الحقيقة:

-(لاتنخدعوا بالدنيا فإنها غدّارة.. مكارة.. فانية..).

ورأيت كذلك أن الانسان ذو علاقة مع مدينته وبلدته بل مع دنياه مثلما له علاقة مع جسمه وبيته، فبينما كنت أريد أن ابكي بعينيّ لشيخوختي – باعتبار وجودي – كنت أريد أن أجهش بالبكاء بعشرة عيون لا لمجرد شيخوخة مدرستي، بل لوفاتها، بل كنت أشعر أنني بحاجة الى البكاء بمائة عين على مدينتي الحلوة الشبيهة بالميتة.

لقد ورد في الحديث الشريف من أن مَلَكاً ينادي كل صباح: (لدوا للموت وابنوا للخراب)(2) كنت اسمع هذه الحقيقة، اسمعها بعينيّ لا بأذني، ومثلما أبكاني وضعي في ذلك الوقت، فان خيالي منذ عشرين سنة يذرق الدموع ايضاً كلما مرّ على ذلك الحال. نعم ان دمار تلك البيوت في قمة القلعة التي عمرت آلاف السنين، واكتهال المدينة التي تحتها خلالا ثماني سنوات، حتى كأنه قد مرّت عليها ثمانمائة سنة، ووفاة مدرستي – اسفل القلعة – التي كانت تنبض بالحياة والتي كانت مجمع الاحباب.. تشير الى وفاة جميع المدارس الدينية في الدولة العثمانية. وتبين العظمة المعنوية لجنازتها الكبرى، حتى كأن القلعة التي هي صخرة صلدة واحدة، قد اصبحت شاهدة قبرها. ورأيت انطلابي – رحمهم الله جميعاً – الذين كانوا معي في تلك المدرسة - قبل ثماني سنوات - وهم راقدون في قبورهم، رأيتهم كأنهم يبكون معي، بل تشاركني البكاء والحزن حتى بيوت المدينة المدَمرة، بل حتى جدرانها المنهدّة واحجارها المبعثرة.

نعم انني رأيت كُل شيء وكأنه يبكي، وعندئذٍ علمت انني لاأستطيع أن اتحمل هذه الغربة في مدينتي، ففكرت إما أن أذهب اليهم في قبورهم او عليّ أن انسحب الى مغارة في الجبل منتظراً اجلي، وقلت مادام في الدنيا مثل هذه الفراقات والافتراقات التي لايمكن أن يُبصر عليها، ولايمكن أن تقاوم، وهي مؤلمة ومحرقة الى هذه الدرجة، فلاشك أن الموت افضل من هذه الحياة، ويرجح على مثل هذه الاوضاع التي لاتطاق.. لذا وليت وجهي سارحاً بنظري الى الجهات الست.. فما رأيت فيها الاّ الظلام الدامس، فالغفلة الناشئة من ذلك التألم الشديد والتأثر العميق أرتنى الدنيا مخيفة مرعبة، وانها خالية جرداء وكأنها ستنقض على رأسي. كانت روحي تبحث عن نقطة استناد وركن شديد امام البلايا والمصائب غير المحدودة التي اتخذت صورة اعداء ألدّاء. وكانت تبحث ايضاً عن نقطة استمداد امام رغباتها الكامنة غير المحدودة والتي تمتد الى الابد. فبينما كانت روحي تبحث عن نقطة استناد، وتفتش عن نقطة استمداد وتنتظر السلوان والتسرّي من الهموم والاحزان المتولدة من الفراقات والإفتراقات غير المحدودة والتخريبات والوفيات الهائلة، اذا بحقيقة آية واحدة من القرآن الكريم المعجز وهي: ﴿سبح لله ما في السموات والارض وهو العزيزُ الحكيم {لهُ مُلك السموات والأرض يحيي ويُميت وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ﴾(الحديد:1-2) تتجلى امامي بوضوح وتنقذني من ذلك الخيال الاليم المرعب، وتنجيني من ألم الفراق والافتراق، فاتحةً عيني وبصيرتي. فالتفتُ الى الاثمار المعلقة على الاشجار المثمرة وهي تنظر اليّ مبتسمة ابتسامة حلوة وتقول لي: (لاتحصرنَّ نظرك في الخرائب وحدها.. فهلاّ نظرت الينا، وانعمت النظر فينا..).

نعم ان حقيقة هذه الآية الكريمة تنبه بقوة مذكرةً وتقول: لِمَ يُحزنك الى هذا الحدّ سقوط رسالة عامرة شيدت بيد الانسان الضعيف على صحيفة مفازة (وان)، حتى اتخذت صورة مدينة مأهولة؟ فلِمَ تحزن من سقوطها في السيل الجارف المخيف المسمى بالاحتلال الروسي الذي محا آثارها واذهب كتابتها؟ إرفع بصرك الى الباري المصوّر وهو ربّ كل شيء ومالكه الحقيقي، فناصيته بيده، وان كتاباته سبحانه على صحيفة (وان) تُكتب مجدداً باستمرار بكمال التوهج والبهجة وان ما شاهدته من اوضاع في الغابر والبكاء والنحيب على خلو تلك الاماكن وعلى دمارها وبقائها مقفرة انما هو من الغفلة عن مالكها الحقيقي، ومن توهم الانسان – خطأ – انه هو المالك لها، ومن عدم تصوره انه عابر سبيل وضيف ليس الاّ..

فانفتح من ذلك الوضع المحرق، ومن ذلك الخطأ في التصور بابٌ لحقيقة عظيمة، وتهيأت النفسُ لتقبلها – كالحديد الذي يدخل في النار ليلين ويعطي له شكلاً معيناً نافعاً – اذ اصبحت تلك الحالة المحزنة وذلك الوضع المؤلم، ناراً متأججة ألانت النفس. فأظهر القرآن الكريم لها فيض الحقائق الإيمانية بجلاء ووضوح تام من خلال حقيقة تلك الآية المذكورة حتى جعلها تقبل وترضخ.

نعم، فكما أثبتنا في المكتوب العشرين وامثاله من الرسائل، فان حقيقة هذه الآية الكريمة – ولله الحمد – قد وهبت بفيض الإيمان نقطة استناد وارتكاز هائلة، وهبتها للروح ومنحتها الى القلب كل حسب ما ينكشف له من فيض ما يملكه من قوة الإيمان، بحيث تستطيع ان تتصدّى لتلك المصائب والحالات المرعبة حتى لو تضاعفت مائة مرة، ذلك لانها ذكرت بأن كل شيء مسخّر لأمر خالقك الذي هو المالك الحقيقي لهذه المملكة، فمقاليد كل شيء بيده، وحسبك أن تنتسب اليه سبحانه.

فبعدما عرفتُ خالقي، وتوكلتُ عليه، ترك كل شيء ما يضمره من العداء نحوي حتى بدأت الحالات التي كانت تحزنني وتؤلمني، بدأت الآن تسعدني وتسرّني.

وكما أثبتنا في كثير من الرسائل ببراهين قاطعة، فان النور القادم من (الإيمان بالآخرة) كذلك اعطى (نقطة استمداد) هائلة جداً تجاه الآمال والرغبات غير المحدودة، بحيث أنها تكفي تلك القوة لا لتلك الميول والرغبات الصغيرة المؤقتة والقصيرة، ولا لتلك الروابط مع احبتي في الدنيا وحدها. بل تكفي ايضاً لرغباتي غير المتناهية في دار الخلود وعالم البقاء وفي السعادة الابدية، ذلك لانه بتجلٍّ واحد من تجليات رحمة الرحمن الرحيم يُنشر على مائدة الربيع مالايعد ولا يُحصى من نعمه اللذيذة البديعة على سطح الارض التي هي منزل من منازل دار ضيافة الدنيا المؤقتة، فيمنح بها – سبحانه – في كل ربيع الى اولئك الضيوف، وينعم بها عليهم، كي يدخل في قلوبهم السرور لبضع ساعات، وكأنه يطعمهم فطور الصباح، ثم يأخذهم الى مساكنهم الابدية في ثماني جنات خالدات ملأى بنعم غير محدودة لزمن غير محدود التي اعدّها لعباده، فلاريب ان الذي يؤمن برحمة هذا (الرحمن الرحيم) ويطمئن اليها مدركاً انتسابه اليه سبحانه، لابدّ أنه يجد نقطة استمداد عظيمة بحيث ان ادنى درجاتها تمدّ آمالاً غير محدودة وتديمها.

هذا وان النور الصادر من ضياء الإيمان – بحقيقة تلك الآية – قد تجلى كذلك تجلياً باهراً ساطعاً حتى أنه نوّر الجهات الست المظلمة تنويراً كالنهار، ونوّر حالتي المؤسفة المبكية على مدرستي هذه وعلى طلابي وأحبتي الراحلين تنويراً كافياً حيث نبهني الى ان العالم الذي يرحل اليه الاحباب ليس هو بعالم مظلم، بل بدّلوا المكان ليس الاّ، فستتلاقون معاً وستجتمعون ببعضكم.. وبذلك قطع دابر البكاء قطعاً كاملاً، وأفهمني كذلك انني سأجد أمثالهم ومن يحلّ محلهم.

فلله الحمد والمنة الذي احيا مدرسة (اسبارطة) عوضاً عن مدرسة (وان) المتوفاة والمتحولة الى اطلال، واحيا اولئك الاحبة معنىً باكثر وافضل منهم من الطلاب النجباء والاحبة الكرام. وعلمني كذلك ان الدنيا ليست خاوية مقفرة، وانها ليست مدينة خربة مدمرة، كما كنت أتصورها خطأ، بل ان المالك الحقيقي – كما تقتضي حكمته – يبدل اللوحات المؤقتة والمصنوعة من قبل الانسان بلوحات اخرى ويجدد رسائله، فكما تحمل ثمار جديدة كلما قطعت الثمار فكذلك الزوال والفراق في البشرية انما هو تجددّ وتجديد، فلا يبعث حزناً أليماً لانعدام الاحباب نهائياً، بل يبعث من زاوية الإيمان حزناً لذيذاً نابعاً من فراق لأجل لقاء في دار اخرى بهيجة.

وكذا نوّر تلك الحالة المدهشة التي كنت فيها، ونوّر ما يتراءى لي من الوجه المظلم لموجودات الكون كلها. فأردت ابداء الحمد والشكر على تلك الحالة المنوّرة في وقته فأتتني الفقرة التالية باللغة العربية مصورةً لتلك الحقيقة كاملة:

[ الحمد لله على نور الإيمان المصور ما يُتوهم اجانب اعداءً امواتاً موحشين أيتاماً باكين، أودّاء اخواناً احياءً مؤنسين مرخصين مسرورين ذاكرين مسبحين ].

وهي تعني.: انني اقدم الى الخالق ذي الجلال حمداً لانهاية له، على ما وهبني من نور الإيمان الذي هو منبع جميع هذه النعم الإلهية غير المحدودة، بما حوّل تلك اللوحة المرعبة التي اُظهرت لنفسي الغافلة فأوهمتها الغفلة – المتولدة من شدة التأثر على تلك الحالة المؤلمة – أن قسماً من موجودات الكون أعداء او جانب(3) وقسماً آخر جنائز مدهشة مفزعة، وقسماً آخر أيتام باكون حيث لامعين لهم ولامولى، حوّل ذلك النور كل شيء حتى شاهدت بعين اليقين ان الذين كانوا يبدون اجانب وأعداء انما هم اخوة واصدقاء.. وان ما كان يَظهر كالجنائز المرعبة؛ قسمٌ منهم أحياء مؤنسون، أو هم ممن أنهواوظائفهم ومهماتهم.. وان ما يتوهم أنها نواح الايتام الباكين، ترانيم ذكر وتراتيل تسبيح. أي أنني اقدم الحمد لله مع جميع الموجودات التي تملأ دنياي الخاصَة التي تسع الدنيا كلها، فأشركها معي في ذلك الحمد والتسبيح لله سبحانه، نيةً وتصوراً. حيث لي الحق في ذلك، فنقول معاً بلسان حال كل فرد من افراد الموجودات وبلسان حال الجميع ايضاً: (الحمد لله على نور الإيمان).

ثم أن لذائذ الحياة واذواقها التي تلاشت على اثر تلك الحالة المدهشة الباعثة على الغفلة، والآمال التي انسحبت نهائياً وانكمشت ونضب معينها، والنعم واللذائذ الخاصة بي التي ظلت محصورة في أضيق دائرة وربما فنيت، كل ذلك قد تحول وتبدل بنور الإيمان – كما أثبتنا ذلك في رسائل اخرى – فوسع ذلك النور تلك الدائرة الضيقة المطوقة حول القلب الى دائرة واسعة جداً حتى انطوى فيها الكون كله، وجعل دار الدنيا ودار الآخرة سُفرتين مملوءتين بالنعم، وحوّلهما الى مائدتين ممدتين للرحمة، بدلاً من تلك النعم التي يبست وفقدت لذتها في حديقة (خورخور). ولم يقتصر على ذلك فقط بل جعل كلاً من العين والاذن والقلب وامثالها من الحواس بل مائة من اجهزة الانسان، يداً ممتدة حسب درجات المؤمن تمتد الى السفرتين المملوءتين بالنعم بحيث تتمكن من ان تأخذ النعم وتلتقطها من جميع اقطارها؛ لذا قلت امام هذه الحقيقة الكبرى شكراً لله على تلك النعم غير المحدودة ما يأتي:

[ الحمد لله على نور الإيمان المصوّر للدارين مملوءتين من النعمة والرحمة، لكل مؤمن حقٌ أن يستفيد منهما بحواسه الكثيرة المنكشفة باذن خالقه ].

وهذا يعني: الحمد لله الذي وهب لي ذلك الإيمان الذي يُري بنعمة نوره أن الدنيا والآخرة مملوءتان بالنعم والرحمة ويضمن الاستفادة من تينك السفرتين العظيمتين بايدي جميع الحواس المنكشفة بنور الإيمان والمنبسطة بنور الإسلام للمؤمنين الحقيقيين، فلو استطعت

تقديم الحمد والشكر لله خالقي تجاه ذلك الإيمان بجميع ذرات كياني وبملء الدنيا والاخرة لَفعلت.

فما دام الإيمان يفعل فعله في هذا العالم بمثل هذه الآثار العظيمة، فلابدّ أن له في دار البقاء والخلود ثمراتٍ اعظم وفيوضات اوسع، بحيث لا يمكن أن تستوعبها عقولنا الدنيوية وتعرّفها.

فيا اخوتي الشيوخ، ويا اخواني العجائز، ويا مَن تتجرعون مثلي الآلام المرّة بفراق كثير من الاحبة بسبب الشيخوخة! انيّ أخال نفسي اكثر منكم شيباً معنىً، وان كان يبدو أن فيكم من هو اكبر مني سناً، ذلك لانني أتألم – فضلاً عن آلامي – بآلام آلاف من اخواني، لما أحمله في فطرتي من الرقة والشفقة الزائدتين الى بني جنسي. فأتألم كأنني شيخ يناهز المئات من السنين، أما انتم فمهما تجرعتم من آلام الفراق لم تتعرضوا لمثل ما تعرضت له من البلايا والمصائب! انه ليس لي ابن افكر فيه، الاّ انني اشعر برقة وألم – بسر الشفقة الكامنة في فطرتي – متوجهة الى آلام ومصائب آلاف من أبناء الإسلام، بل اشعرها حتى لالآم الحيوانات البريئة. زد على ذلك أنني ارى نفسي متعلقة – من جهة الغيرة على الإسلام – بهذه البلاد، بل بالعالم الإسلامي، وارتبط بهما كأنهما داري، برغم اني لا أملك بيتاً خاصاً بي كي أحصر ذهني فيه؛ لذا فانني أتألم بالآم المؤمنين الذين هم في هاتين الدارين وأحزن كثيراً لفراقهم.

ولما كان نور الإيمان قد كفاني كفاية تامة وأتى على جميع تأثراتي الناشئة من شيخوختي كلها ومن بلايا الفراقات، ووهب لي رجاءً لايخيب، واملاً لا ينفصم، وضياءً لاينطفىء، وسلواناً لا ينفد، فلابد أن الإيمان ايضاً سيكون كافياً لكم ووافياً ايضاً ازاء الظلمات الناشئة من الشيخوخة، وازاء الغفلة الواردة منها، وازاء التأثرات والتألمات الصادرة منها. وحقاً ان اعتم شيخوخة انما هي شيخوخة اهل الضلالة والسفاهة وأن أقسى الفراقات واشدها ايلاماً انما هي آلامهم وفراقاتهم!!

نعم، ان تذوق الإيمان الذي يبعث الرجاء ويشيع النور وينشر السلوى، وان الشعور بسلوانه والتلذذ به هو في التمثل الشعوري للعبودية اللائقة بالشيخوخة والموافقة للإسلام، وليس هو بتناسي الشيخوخة واللهات وراء التشبه بالشباب واقتحام غفلتهم المسكرة.. تفكروا دائماً وتأملوا في الحديث النبوي الشريف (خيرُ شبابكم من تشبه بكهولكم وشرُّ كهولكم من تشبه بشبابكم)(4) اوكما قال صلى الله عليه وسلم، أي خير شبابكم من تشبه بالكهول في التأني والرزانة وتجنبهم السفاهة وشر كهولكم من تشبه بالشباب في السفاهة والاتغماس في الغفلة.

فيا اخوتي الشيوخ ويا اخواتي العجائز! لقد ورد في الحديث الشريف ما معناه (ان الرحمة الإلهية لتستحي من أن تردّ يداً ضارعة من شيخ مؤمن او عجوز مؤمنة)(5). فما دامت الرحمة الإلهية تحترمكم هكذا، فعظموا إذن احترامها بعبوديتكم لله.(*)

___________________________

(1) قول المتنبي: لولا مفارقة الاحباب.. الخ.. في (لها) وجه غريب، وهو أن تقدره جمعاً للهاة، كحصاة وحصا، ويكون (لها) فاعلاً بـ(وجدت) و (المنايا) مضافاً اليه. ويكون اثبات اللهوات للمنايا استعارة شُبهت بشيء يبتلع الناس. ويكون اقام (اللها) مقام الافواه، لمجاورة اللهوات للفم. (عن مغنى اللبيب 1/234). – المترجم.

(2) البيهقي في الشعب من حديث عن ابي هريرة والترمذي مرفوعاً، ابو نعيم في الحلية عن ابي ذر مرفوعاً، واحمد في الزهد عن عبدالواحد قال: عيسى عليه السلام، فذكره (الدرر المنتثرة) وانظر كشف الخفاء (2041). – المترجم.

(3) مثل الزلازل والعواصف والطوفان والطاعون والحريق. – المؤلف.

(4) أبو يعلى، المسند 1/467؛ الطبراني، المعجم الكبير 22/83، المعجم الأوسط 6/94؛ البيهقي، شعب الإيمان 6/168. 

(5) أصل الحديث: "إن اللّه عز وجل ليستحي من ذي الشيبة المسلم...". انظر: ابن أبي عاصم، السنة 1/16؛ الطبرانى، المعجم الأوسط 5/270، مسند الشاميين 2/268؛ العجلوني، كشف الخفاء 1/244. 

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 378