الشيخوخة والتسلي بالرجوع الى القرآن

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 حينما وطأت قدماي عتبة الشيخوخة، كانت صحتي الجسدية التي ترخي عنان الغفلة وتمدّها قد اعتلت ايضاً فاتفقت الشيخوخة والمرض معاً على شن الجوم عليّ، ومازالا يكيلان على راسي الضربات تلو الضربات حتى أذهبا نوم الغفلة عني. ولم يكن لي ثمة ما يربطني بالدنيا من مال وبنين وما شابههما، فوجدت ان عصارة عمري الذي اضعته بغفلة الشباب، انما هي آثام وذنوب، فاستغثتُ صائحاً مثلما صاح نيازي المصري:

ذهب العُمر هباءً، لم أفز فيه بشيء

ولقد جئت اسير الدرب، لكنْ

رحل الرّكبُ بعيداً

وبقيتْ

ذلك النائي الغريب

وبكيتْ

همتُ وحدي تائهاً اطوي الطريق

وبعينيّ ينابيع الدموع

وبصدري حرقة الشوق

حار عقلي..!

كنت حينها في غربة مضنية، فشعرت بحزن يائس، واسف نادم، وحسرة ملتاعة على ما فات من العمر. صرخت من اعماقي اطلب امداد العون، وضياء الرجاء.. واذا بالقرآن الحكيم المعجز البيان يمدّني، ويسعفني، ويفتح امامي باب رجاء عظيم، ويمنحني نوراً ساطعاً من الامل والرجاء يستطيع ان يزيل اضعاف اضعاف يأسي، ويمكنه ان يبدد تلك الظلمات القاتمة من حولي.

نعم، ايها الشيوخ وايتها العجائز المحترمون، يامَن بدأت اوثاق صلتهم بالانفصام عن الدنيا مثلي! ان الصانع ذا الجلال الذي خلق هذه الدنيا كأكمل مدينة وأنظمها، حتى كأنها قصر منيف، هل يمكن لهذا الخالق الكريم الاّ يتكلم مع احبائه واكرم ضيوفه في هذه المدينة او في هذا القصر؟ وهل يمكن الاّ يقابلهم؟!!

فما دام قد خلق هذا القصر الشامخ بعلم، ونظمه بارادة، وزينه باختيار، فلابد انه يتكلم؛ اذ كما ان الباني يعلم، فالعالم يتكلم. وما دام قد جعل هذا القصر دار ضيافة جميلة بهيجة، وهذه المدينة متجراًرائعاً، فلابد ان يكون له كتب وصحف يبين فيها مايريده منا، ويوضح علاقاته معنا.

ولاشك ان اكمل كتاب من تلك الكتب المقدسة التي انزلها، انما هو القرآن الحكيم العجز، الذي ثبت اعجازه بأربعين وجهاً من وجوه الاعجاز، والذي يتلى في كل دقيقة بألسنة مائة مليون شخص في الاقل، والذي ينشر النور ويهدي السبيل. والذي في كل حرف من حروفه عشر حسنات، وعشر مثوبات في الاقل، واحياناً عشرة آلاف حسنة، بل ثلاثين ألف حسنة، كما في ليلة القدر. وهكذا يمنح من ثمار الجنة ونور البرزخ ما شاء الله ان يمنح. فهل في الكون اجمع كتاب يناظره في هذا المقام، وهل يمكن ان يدّعي ذلك احد قط؟

فما دام هذا القرآن الكريم الذي بين ايدينا هو كلام رب العالمين، وهو أمره المبلغ الينا، وهو منبع رحمته التي وسعت كل شيء، وهو صادر من خالق السموات والارض ذي الجلال، من جهة ربوبيته المطلقة، ومن جهة عظمة ألوهيته، ومن جانب رحمته المحيطة الواسعة، فاستمسك به واعتصم، ففيه دواء لكل داء، ونور لكل ظلام، ورجاء لكل يأس.. وما مفتاح هذه الخزينة الابدية الاّ الإيمان والتسليم، والاستماع اليه، والانقياد له، والاستمتاع بتلاوته.(*)

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 345