الشيخوخة والتسلي بالرحمة الإلهية

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 كنت اسيراً اثناء الحرب العالمية الاولى في مدينة قصية، في شمال شرقي روسيا تدعى (قوصترما). كان هناك جامع صغير للتتار على حافة نهر (فولغا) المشهور.. كنت ضجراً من بين زملائي الضباط الاسرى، فآثرت العزلة، الاّ أنه لم يكن يسمح لي بالتجوال في الخارج دون اذن ورخصة، ثم سمح لي بأن أظل في ذلك الجامع بضمانة اهل حيّ التتار وكفالتهم، فكنت انام فيه وحيداً، وقد اقترب الربيع، وكانت الليالي طويلة جداً في تلك البقعة النائية..

كان الارق يصيبني كثيراً في تلك الليالي الحالكة السواد، المتسربلة باحزان الغربة القاتمة، حيث لا يُسمع الاّ الخرير الحزين لنهر (فولغا)، والاصوات الرقيقة لقطرات الامطار، ولوعة الفراق في صفير الرياح.. كل ذلك ايقظني – مؤقتاً – من نوم الغفلة العميق..

ورغم انني لم اكن اعدّ نفسي شيخاً بعدُ، ولكن من يرى الحرب شيخ، حيث ايامها يشيب من هولها الولدان، وكأن سراً من اسرار الآية الكريمة: ﴿يَوماً يَجعلُ الوِلدانَ شيباً﴾(المزمل:17) قد سرى فيها. ومع انني كنت قريباً من الاربعين الاّ انني وجدتُ نفسي كأنني في الثمانين من عمري..

في تلك الليالي المظلمة الطويلة الحزينة، وفي ذلك الجو الغامر بأسى الغربة، ومن واقعي المؤلم الاليم، جثم على صدري يأس ثقيل نحو حياتي وموطني، فكلما التفتُّ الى عجزي وانفرادي انقطع رجائي واملي. ولكن جائني المدد من القرآن الكريم..

فردد لساني: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾(آل عمران:173)

وقال قلبي باكياً:

انا غريب.. انا وحيد.. انا ضعيف.. انا عاجز.. انشد الامان.. اطلب العفو.. اخطب العون.. في بابك يا إلهي.

اما روحي التي تذكرت احبابي القدامى في بلدي، وتخيلت موتي في هذه الغربة، فقد تمثلت بأبيات نيازي المصري، وهي التي تبحث عن صديق:

مررت بأحزان الدنيا، واطلقت جناحي

للحرمان

طائراً في شوق، صائحاً في كل لحظة:

صديق!.. صديق..!

على أي حال.. فقد اصبح (عجزي) و (ضعفي) في تلك الليالي المحزنة الطويلة والحالكة بالفرقة والرقة والغربة وسيلتين للتقرب الى عتبة الرحمة الإلهية، وشفيعين لدى الحضرة الإلهية، حتى انني لا ازال مندهشاً كيف استطعت الفرار بعد ايام قليلة. واقطع بصورة غير متوقعة مسافة لا يمكن قطعها مشياً على الاقدام الاّ في عام كامل، ولم اكن ملماً باللغة الروسية. فلقد تخلصت من الاسر بصورة عجيبة محيرة، بفضل العناية الإلهية التي ادركتني بناء على عجزي وضعفي، ووصلت استانبول ماراً ب(وارشو) و (فينا). وهكذا نجوت من ذلك الاسر بسهولة تدعو الى الدهشة، حيث اكملت سياحة الفرار الطويل بسهولة ويسر كبيرين، بحيث لم يكن لينجزها اشجع الاشخاص وأذكاهم وامكرهم وممن يلمون باللغة الروسية.

ولكن حالتي في تلك الليلة التي قضيتها في الجامع على ضفاف (فولغا) قد ألهمتني هذا القرار:

(سأقضي بقية عمري في الكهوف والمغارات معتزلاً الناس.. كفاني تدخلاً في امورهم. ولما كانت نهاية المطاف دخول القبر منفرداً وحيداً، فعليّ ان اختار الانفراد والعزلة من الآن، لأعوّد نفسي عليها!.).

نعم، هكذا قررت.. ولكن – وياللأسف – فان احبابي الكثيرين المخلصين في استانبول، والحياة الاجتماعية البهيجة البرّاقة فيها، ولاسيما ما لا طائل فيه من اقبال الناس والشهرة والصيت.. كل ذلك أنساني قراري ذلك لفترة قصيرة. فكأن ليلة الغربة تلك هي السواد المنوّر البصير لعين حياتي، وكأن النهار البهيج لحياة استانبول هي البياض غير البصير لعين حياتي. فلم تتمكن تلك العين من رؤية البعيد، بل غطت ثانية في نوم عميق، حتى فتحها الشيخ الكيلاني بكتابه (فتوح الغيب) بعد سنتين.

وهكذا ايها الشيوخ، ويا ايتها العجائز!.. اعلموا ان ما في الشيخوخة من العجز والضعف ليسا الاّ وسيلتين لدرّ الرحمة الإلهية وجلب العناية الربانية.. فانني شاهد على هذه الحقيقة في كثير من حوادث حياتي، وان تجلي الرحمة على سطح الارض يظهرها كذلك بشكل واضح ابلج؛ لان اعجز الحيوانات واضعفها هي صغارها، والحال ان ألطف حالات الرحمة وألذها واجملها تتجلى في تلك الصغار، فعجزُ الفرخ الساكن في عشه على شجرة باسقة، يستخدم والدته – بتجلي الرحمة – كأنها جندية تنتظر الاوامر. فتحوم حول الزروع الخضر لتجلب الرزق الوفير لفرخها الصغير، ولكن ما ان ينسى الفرخ الصغير عجزه – بنموّ جناحيه وتكامله – حتى تقول له والدته: عليك ان تبحث عن رزقك بنفسك. فلا تعود تستجيب لندائه بعد ذلك.

فكما يجري سرّ الرحمة هذا على هذه الصورة بحق الصغار، يجري كذلك من زاوية الضعف والعجز، بحق الشيوخ الذين اصبحوا في حكم الصغار.

ولقد اعطتني تجاربي الخاصة القناعة التامة ان رزق الصغار مثلما يأتي بناء على عجزهم، وترسله الرحمة الإلهية لهم بشكل خارق، فتفجر ينابيع الاثداء وتسيلها لهم سيلاً، فان رزق الشيوخ المؤمنين الذين اكتسبوا العصمة يُرسل اليهم من قبل الرحمة على صورة بركة، وأن عمود البركة لأي بيت وسندها انما هو اولئك الشيوخ الذين يأهلونه، وان الذي يحفظ ذلك البيت من البلايا والمصائب انما هم اولئك الشيوخ الركع الذين يعمرونه. يثبت هذه الحقيقة اثباتاً كاملاً جزء من حديث شريف: لولا الشيوخ الركع لصبّ عليكم البلاء صباً(1).

وهكذا فما دام الضعف والعجز اللذان في الشيخوخة يصبحان محورين لجلب الرحمة الإلهية الواسعة، وان القرآن الكريم يدعو الاولاد الى الاحترام والرأفة بالوالدين في خمس مراتب، وبأسلوب غاية في الاعجاز، في قوله تعالى:

﴿إما يَبلغَنّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحدُهُما أو كلاهما فلا تَقُل لهما أفّ ولاتَنهَرهُما وقُل لُهما قولاً كريماً {واخفِضْ لُهما جَناحَ الذُلّ من الرحمة وقُل ربّ ارحَمهُما كما ربياني صغيرا﴾(الاسراء:23-24).

وما دام الإسلام يأمر بتوقير الشيوخ والرحمة بهم، والفطرة الانسانية تقضي الاحترام والرحمة تجاه الشيوخ.. فلا بد لنا – نحن الشيوخ – ألا! نستبدل شيخوختنا هذه بمائة عهد من عهود الصبا؛ ذلك لان لنا فيها اذواقاً معنوية دائمة جديرة، بدلاً من الذوق المادي الناشيء من نزوة الشباب، حيث نأخذ اذواقاً روحية نابعة من الرحمة الصادرة من العناية الإلهية ومن الاحترام النابع من فطرة الانسانية.

نعم، انى اُطمئنكم بأنه لو اُعطيتُ عشر سنوات من عهد شباب (سعيد القديم) فلن استبدلها بسنة واحدة من شيب (سعيد الجديد). فانا راضٍ عن شيخوختي، فارضوا عنها انتهم كذلك..(*)

____________________________

(1) لولا عباد لله ركع وصبية رضع وبهائم رتع لصبّ عليكم – وفي رواية العذاب – صباً) رواه الطيالسي والطبراني وابن منده وابن عدي وغيرهم عن ابي هريرة رفعه… ورواه السيوطي في الجامع الصغير – الحديث نفسه – ثم رصّ رصاً. قال المناوي نقلاً عن الهيثمي: وهو ضعيف (باختصار عن كشف الخفاء 2/163). – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 359