الشيخوخة والتسلي بالنبي الاكرم

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

حينما أفقت على صبح المشيب، من نوم ليل الشباب، نظرت الى نفسي متأملاً فيها، فوجدتها كأنها تنحدر سعياً من علٍ الى سواء القبر، مثلما وصفها نيازي المصري(1):

بناء العمر يذوي حجراً إثر حجر غافلاً يغط الروح وبناؤه قد اندثر

فجسمي الذي هو مأوى روحي، بدأ يتداعى ويتساقط حجراً إثر حجر على مرّ الايام.. وآمالي التي كانت تشدّني بقوة الى الدنيا، بدأت اوثاقها تنفصم وتنقطع. فدب فيّ شعور بدنو وقت مفارقة من لايحصى من الاحبة والاصدقاء، فاخذت ابحث عن ضماد لهذا الجرح المعنوي الغائر، الغائر، الذي لا يرجى له دواء ناجع كما يبدو!. لم استطع أن اعثر له على علاج، فقلت ايضاً كما قال نيازي المصري:

حكمة الاله تقضي فناء الجسد         والقلب توا ق الى الابد

     لهف نفسي من بلاء وكمد             حار لقمان في أيجاد الضمد

وبينما كنت في هذه الحالة اذا بنور الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي هو رحمة الله على العالمين، ومثالها الذي يعبر عنها، والداعي إليها، والناطق بها، واذا بشفاعته، وبما أتاه من هداية الهداية الى البشرية، يصبح بلسماً شافياً، ودواءاً ناجعاً لذلك الداء الوخيم الذي ظننته بلا دواء، ويبدل ذلك اليأس القاتم الذي احاطني الى نور الرجاء الساط.

اجل، ايها الشيوخ وايتها العجائز الموقرون، ويامن تشعرون كلكم بالشيخوية مثلي!. اننا راحلون ولامناص من ذلك.. ولن يُسمح لنا بالمكوث هنا بمخادعة النفس واغماض العين، فنحن مساقون الى المصير المحتوم. ولكن عالم البرزخ، ليس هو كما يتراءى لنا بظلمات الاوهام الناشئة من الغفلة، وبما قد يصوره اهل الضلالة، فليس هو بعالم الفراق، ولا بعالم مظلم بل هو مجمع الأحباب، وعالم اللقاء مع الاحبة والاخلاّء، وفي طليعتهم حبيب رب العالمين وشفيعنا عنده يوم القيامة عليه افضل الصلاة والسلام.

نعم، ان مَن هو سلطان ثلاثمائة وخمسين مليوناً من الناس في كل عصر، عبر ألف وثلاثمائة وخمسين سنة وهو مربى ارواحهم،ومرشد عقولهم، ومحبوب قلوبهم، والذي يُرفع الى صحيفة حسناته يومياً امثال ما قدمت أمته من حسنات، اذ (السبب كالفاعل) والذي هو مدار المقاصد الربانية، ومحور الغايات الإلهية السامية في الكون، والذي هو السبب لرقي قيمة الموجودات وسموها، ذلك الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم ، فكما أنه قال في الدقائق الاولى التي تشرّف العالم به (امتي.. امتي..) كما ورد في الروايات الصحيحة والكشفيات الصادقة، فانه صلى الله عليه وسلم يقول في المحشر ايضاً: (امتي.. امتي..) ويسعى بشفاعته الى امداد امته واغاثتها باعظم رحمة واسماها واقدسها واعلاها، في الوقت الذي يقول كلّ فرد من الجموع العظيمة: (نفسي.. نفسي). فنحن اذن ذاهبون الى العالم الذي ارتحل اليه هذا النبي الكريم، راحلون الى العالم الذي استنار بنور ذلك السراج المنير وبمن حوله من نجوم الاصفياء والاولياء الذين لايحصرهم العد.

نعم، ان اتباع السنة الشريفة لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هو الذي يقود الى الانضواء تحت لواء شفاعته والاقتباس من انواره، والنجاة من ظلمات البرزخ.(*)

_________________________

(1) نيازي المصري: شاعر تركي صوفي (1618-1694م)، ولد في قرية قريبة لولاية (ملاطية). اكمل دراسته في الازهر الشريف فلقب ب (المصري)، له ديوان شعر ومؤلفات منها: رسالة الحسنين، موائد العرفان وعوائد الاحسان، هداية الاخوان. تولى الارشاد في مدارس استانبول العلمية. – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 343