الشيخوخة والتسلي بذكر الباقي

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

بينما كنت وحيداً بلا معين في (بارلا) تلك الناحية التابعة لمحافظة (اسبارطة) أعاني الأسر المعذّب المسمى بالنفي، ممنوعاً من الاختلاط بالناس، بل حتى من المراسلة مع أيّ كان، فوق ما كنت فيه من المرض والشيخوخة والغربة.. فبينما كنت اضطرب من هذه الحالة واقاسي الحزن المرير اذا بنور مسلٍّ يشعّ من الاسرار اللطيفة للقرآن الكريم ومن نكاته الدقيقة، يتفضل الحق سبحانه به عليَّ برحمته الكاملة الواسعة فكنت اعمل جاهداً بذلك النور لتناسي ما انا فيه من الحالة المؤلمة المحزنة، حتى استطعت نسيان بلدتي واحبتي واقاربي.. ولكن – ياحسرتاه – لم اتمكن من نسيان واحد منهم أبداً وهو ابن اخي، بل ابني المعنوي، وتلميذي المخلص وصديقي الشجاع (عبدالرحمن) تغمده الله برحمته الذي فارقني قبل حوالي سبع سنوات، ولا اعلم حاله كي أرسله واتحدث معه ونتشارك في الآلام، ولا هو يعلم مكاني كي يسعى لخدمتي وتسليتي، نعم لقد كنت في أمسّ الحاجة – ولاسيما في الشيخوخة هذه – الى من هو مثل (عبدالرحمن).. ذلك الفدائي الصادق.. وذات يوم وفجأة سلمني أحدهمرسالة، ما إن فتحتها حتى تبين لي انها رسالة تظهر شخصية (عبدالرحمن) تماماً وقد أدرج قسم من تلك الرسالة ضمن فقرات المكتوب السابع والعشرين بما يظهر ثلاث كرامات واضحة.

لقد ابكتني تلك الرسالة كثيراً ولاتزال تبكيني، حيث يبين فيها (عبدالرحمن) بكل صدق وجدّ انه قد عزف عزوفاً تاماً عن الاذواق الدنيوية وعن لذائذها، وان اقصى ما يتمناه هو الوصول الىّ ليقوم برعايتي في شيخوختي هذه مثلما كنت ارعاه في صغره، وان يساعدني بقلمه السيال في وظيفتي ومهمتي الحقيقية في الدنيا، وهي نشر اسرار القرآن الكريم، حتى انه كان يقول في رسالته: إبعث الىّ ما يقرب من ثلاثين رسالة كي اكتب وأستكتب من كل منها ثلاثين نسخة.

لقد شدتني هذه الرسالة الى الدنيا بأمل قوي شديد، فقلت في نفسي: ها قد وجدت تلميذي المخلص الشجاع، ذا الذكاء الخارق، وذا الوفاء الخالص، والارتباط الوثيق الذي يفوق وفاء الابن الحقيقي وارتباطه بولده. فسوف يقوم – باذن الله – برعايتي وخدمتي، بل حتى انني بهذا الامل نسيت ما كنت فيه من الاسر المؤلم ومن عدم وجود معين لي، بل نسيت حتى الغربة والشيخوخة! بإيمان وكأن عبدالرحمن قد كتب تلك الرسالة في منتهى القوة وفي غاية اللمعان وهو ينتظر أجله، اذ استطاع ان يحصل على نسخة مطبوعة من الكلمة العاشرة التي كنت قد طبعتها وهي تبحث عن الإيمان بالآخرة. فكانت تلك الرسالة بلسماً شافياً له حيث ضمدت جميع جراحاته المعنوية التي عاناها عبر سبع سنوات خلت.

وبعد مضي حوالي شهرين وانا اعيش في ذلك الامل لنعيش معاً حياة دنيوية سعيدة.. اذا بي أفاجأ بنباً وفاته، فيا اسفاه.. وياحسرتاه.. لقد هزّني هذا الخبر هزاً عنيفاً، حتى انني لاازال تحت تأثيره منذخمس سنوات، واورثني حزناً شديداً وألماً عميقاً للفراق المؤلم يفوق ما كنت اعانيه من ألم الاسر المعذّب وألم الانفراد والغربة الموحشة وألم الشيخوخة والمرض.

كنت اقول: ان نصف دنياي الخاصة قد إنهدَّ بوفاة أمي، بيد اني رأيت ان النصف الاخر قد توفي ايضاً بوفاة عبدالرحمن، فلم تبق لي اذن علاقة مع الدنيا.. نعم لو كان عبدالرحمن يظل معي في الدنيا لا صبح محوراً تدور حوله وظيفتي الاخروية في الدنيا ولغدا خير خلف لي، ولحلّ مكاني من بعدي، ولكان صديقاً وفياً بل مدار سلوان لي وأنس، ولبات اذكى تلميذ لرسائل النور، والامين المخلص المحافظ عليها.. فضياع مثل هذا الضياع – باعتبار الانسانية – لهو ضياع محرق مؤلم لأمثالي. ورغم انني كنت ابذل الوسع لأتصبر وأتحمل ما كنت اعانيه من الآلام الاّ أنه كانت هناك عاصفة قوية جداً تعصف باقطار روحي، فلولا ذلك السلوان النابع من نور القرآن الكريم يفيض عليّ احياناً لما كان لمثلي ان يتحمل ويثبت.

كنت أذهب واسرح في وديان (بارلا) واجول في جبالها وحيداً منفرداً واجلس في اماكن خالية منعزلة، حاملاً تلك الهموم والآلام المحزنة، فكانت تمر من امامي لوحات الحياة السعيدة ومناظرها اللطيفة التي كنت قد قضيتها مع طلابي – امثال عبدالرحمن – كالفلم السينمائي. فكما مرّت تلك اللوحات امام خيالي، سلبت من شدة مقاومتي وفتّ في عضدي، سرعة التأثر النابعة من الشيخوخة والغربة.

ولكن على حين غرّة انكشف سرّ الآية الكريمة ﴿كلُ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجههُ لهُ الحُكمُ واليه تُرجعون﴾(القصص:88). انكشافاً بيناً بحيث جعلني أردّد: ياباقي انت الباقي.. وبه اخذت السلوان الحقيقي

اجل!. رأيت نفسي بسرّ هذه الآية الكريمة، وعبر تلك الوديان الخالية، ومع تلك الحالة المؤلمة، رأيتها على رأس ثلاث جنائز كبرى كما أشرت اليها في رسالة (مرقاة السنة):

الاولى: رأيت نفسي كشاهد قبر يضم خمساً وخمسين سعيداً ماتوا ودفنوا في حياتي، وضمن عمري الذي يناهز الخامسة والخمسين سنة.

الثانية: رأيت نفسي كالكائن الحي الصغير جداً – كالنملة – يدب على وجه هذا العصر الذي هو بمثابة شاهد قبر للجنازة العظمى لمن هم بنو جنسي ونوعي، والذيم دفنوا في قبر الماضي منذ زمن آدم عليه السلام.

اما الثالثة: فقد تجسمت امام خيالي – بسرّ هذه الآية الكريمة – موت هذه الدنيا الضخمة، مثلما تموت دنيا سيارة من على وجه الدنيا كل سنة كما يموت الانسان.. وهكذا فقد أغاثني المعنى الاشاري للآية الكريمة ﴿فإنْ تَوَلوا فَقُل حَسبيَ الله لا الهَ إلاّ هو عليهِ توكلتُ وهو ربُّ العرش العظيم﴾ (التوبة:129) وأمدني بنور لايخبو، فبدد ما كنت اعانيه من الحزن النابع من وفاة (عبدالرحمن) واهباً لي التسريَ والتسلي الحقيقي.

نعم لقد علمتني هذه الآية الكريمة أنه مادام الله سبحانه وتعالى موجوداً فهو البديل عن كل شيء، وما دام باقياً فهو كافٍ عبده، حيث أن تجلياً واحداً من تجليات عنايته سبحانه يعدل العالم كله، وان تجلياً من تجليات نوره العميم يمنح تلك الجنائز الثلاث حياة معنوية أيما حياة، بحيث تظهر انها ليست جنائز، بل ممن أنهوا مهامهم ووظائفهم على هذه الارض فارتحلوا الى عالم آخر.

ولما كنا قد اوضحنا هذا السرّ والحكمة في (اللمعة الثالثة) أراني هنا في غير حاجة الى مزيدٍ من التوضيح، الاّ أنني اقول:

ان الذي نجاني من تلك الحالة المحزنة المؤلمة، تكراري ل (ياباقي انت الباقي.. ياباقي انت الباقي) مرتين والذي هو معنى الآية الكريمة ﴿كلُ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجههُ﴾ وتوضيح ذلك:

انني عندما قلت: (ياباقي انت الباقي) للمرة الاولى، بدأ التداوي والضماد بما يشبه العمليات الجراحية على تلك الجروح المعنوية غير المحدودة الناشئة من زوال الدنيا وزوال مَن فيها من الاحبة من أمثال عبدالرحمن والمتولدة من انفراط عقد الروابط التي ارتبط بها معهم.

اما في المرة الثانية فقد اصبحت جملة (ياباقي انت الباقي) مرهماً لجميع تلك الجروح المعنوية، بلسماً شافياً لها، وذلك بالتأمل في المعنى الآتي:

ليرحل مَن يرحل ياإلهي فانت الباقي وانت الكافي، وما دمتَ باقياً فَلَتجلٍّ من تجليات رحمتك كافٍ لكل شيء يزول، ومادمتَ موجوداً فكل شيء اذاً موجود لمن يدرك معنى انتسابه اليك بالإيمان بوجودك ويتحرك على وفق ذلك الانتساب بسر الإسلام، فليس الفناء والزوال ولا الموت والعدم الاّ ستائر للتجديد ، وإلاّ وسيلة للتجول في منازل مختلفة والسير فيها.. فانقلبتْ بهذا التفكير تلك الحالة الروحية المحرقة الحزينة، وتلك الحالة المظلمة المرعبة الى حالة مسرّة بهيجة ولذيذة، والى حالة منورة محبوبة مؤنسة، فاصبح لساني وقلبي بل كل ذرّة من ذرات جسمي، يردد بلسان الحال قائلاً: الحمد لله.

ولقد تجلى جزء من ألف جزء من ذلك التجلى للرحمة بهذه الصورة:

عندما رجعت من موطن حزني.. من تلك الوديان، الى (بارلا) حاملاً معي تلك الاحزان، رأيت شاباً يدعى (مصطفى قوله أونلى) قد أتاني مستفسراً عن بعض ما يشغله من مسائل الفقه والوضوء والصلاة.. فرغم انني لم اكن استقبل الضيوف في تلك الفترة الاّ أن

روحي كأنها قد قرأت ما في روح ذلك الشاب من الاخلاص، وكأنها شعرت – بحسٍّ قبل الوقوع – ما سوف يؤديه هذا الشاب من خدمات الرسائل النور في المستقبل (1)، لذا لم أردّه وقبلته ضيفاً(2) ثم تبين لي أن الله سبحانه وتعالى قد عوضني بهذا الشاب عن (عبدالرحمن) الذي هو خير خلف لي ويفي بمهمة الوارث الحقيقي في خدمة رسالة النور. وبعث سبحانه وتعالى اليّ (مصطفى) وكأنه يقول: أخذت منك عبداً للرحمن واحداً وسأعوضك عنه بثلاثين (عبدالرحمن) كهذا الشاب (مصطفى) ممن يسعون في تلك الوظيفة الدينية، وسيكونون لك طلاباً اوفياء، وابناء كرماء، واولاداً معنويين، واخوة طيبين، واصدقاء فدائيين مضحين..

نعم.. ولله الحمد فقد وهبني الباري عز وجل ثلاثين عبداً للرحمن، وعندها خاطبت قلبي: مادمتَ ياقلبي الباكي المكلوم قد رأيت هذا

النموذج وهذا المثال وضمدتَ به اهم جرح من تلك الجروح المعنوية، فعليك ان تسكن وتطمئن بأن الله سبحانه سيضمد الجروح الباقية التي تقلقك وتتألم منها..

فيا أيها الاخوة الشيوخ ويا أيتها الاخوات العجائز.. ويامَن فقدتم مثلي أحب ولده اليه زمن الشيخوخة او فارقه احد اقاربه.. ويامن يثقل كاهله وطأة الشيخوخة ويحمل معها على رأسه الهموم الثقيلة الناشئة من الفراق! لقد علمتهم وضعي وعرفتم حالي فانه رغم شدّته باضعاف ما عندكم من اوضاع وحالات، الاّ أن هذه الآية الكريمة قد ضمدته واسعفته فشفته باذن الله، فلا شك من أن صيدلية القرآن المقدسة زاخرة بعلاج كل مرض من امراضكم ودواء كل سقم من اسقامكم. فاذا استطعتم مراجعتها بالإيمان، وقمتم بالتداوي والعلاج بالعبادة، فلابُدَّ أن تخف وطأة ما تحملون على كاهلكم من أثقال الشيخوخة وما يثقل رؤوسكم من هموم.

هذا وان سبب كتابة هذا البحث كتابة مطوّلة هو رجاء الاكثار من طلب الدعاء للمرحوم (عبدالرحمن). فلا تملوا ولا تسأموا من طوله. وان قصدي من اظهار جرحي المخيف بهذه الصورة المفجعة المؤلمة، فتتألمون أكثر وتحزنون حتى أنه قد يؤدي الى زيادة آلامكم واحزانكم فتنفرون منه، ليس الاّ لبيان ما في البلسم القرآني المقدس من شفاء خارق ومن نور باهر ساطع.(*)

_________________________

(1) وهكذا فان الاخ الصغير لهذا الشاب (مصطفى) يدعي (علي الصغير) قد أثبت انه (عبدالرحمن) حقاً، بكتابته اكثر من سبعمائة نسخة من رسائل النور بقلمه الطاهر بل قد ربى عديداً من عباد الرحمن.- المؤلف.

(2) نعم فقد اظهر هذا الشاب أنه ليس اهلاً للقبول فحسب، بل هو اهل للاستقبال كذلك. – المؤلف.(&)

----------------------------------

 (&) هذه حادثة ارويها تصديقاً لحكم استاذي من ان مصطفى، وهو اول تلميذ لرسائل النور اهل للاستقبال: كان الاستاذ يرغب في التجول في اليوم السابق ليوم عَرَفة، فأرسلني لأن أهيء له الفرس، قلت: لاتنزل بااستاذي لغلق الباب فانا سأقفله وسأخرج من الباب الخلفي، قال لي: بل اخرج من الباب.. فنزل واغلق الباب بالمزلاج من ورائي، وصعد الى غرفته يضطجع… وبعد ذلك قدم (مصطفى اونلى) بصحبة الحاج عثمان. وكان الاستاذ لا يقبل يومها أحداً عنده بله ان يقبل في تلك الفترة شخصين معاً! فلا محالة أنه يردهما.. ولكن مصطفى هذا - المذكور في هذا البحث – ما أن أتى الى باب الاستاذ مع الحاج عثمان حتى كأن الباب قد رحب به بلسان الحال قائلاً: ان استاذي لن يستقبلك، ولكني سأنفتح لك فانفتح له الباب المغلق. (نعم ان ما قاله الاستاذ حق حول مصطفى من أنه يستحق الاستقبال والقبول، مثلما أظهر المستقبل ذلك بوضوح فأن باب بيته قد شهد على ذلك ايضاً..) خسرو.

(نعم ان ما كتبه (خسرو) صدق، فأنا اصدقه. فباب البيت الذي اسكنه قد قبل مصطفى واستقبله بدلاً عني). سعيد النورسي.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 373