الشيخوخة والتسلي بلقاء الاحبة

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 بعدما رجعت من الأسر، سيطرت الغفلة عليّ مرة اخرى طوال سنتين من حياتي في استانبول، حيث الأجواء السياسية وتياراتها صرفت نظري عن التأمل في نفسي، وحدثت تشتتاً في ذهني وفكري.

فحينما كنت جالساً ذات يوم في مقبرة ابي ايوب الانصاري رضي الله عنه وعلى مرتفع مطلّ على وادٍ سحيق، مستغرقاً في تأمل الافاق المحيطة باستانبول، اذا بي أرى كأن دنياي التخاصة اوشكت على الوفاة، حتى شعرت – خيالاً – كأن الروح تنسل منها انسلالاً من بعض نواحيّ. فقلت: تُرى هل الكتابات الموجودة على شواهد هذه القبور هي التي دعتني الى هذا الخيال؟

أشحتُ نظري عن الخارج وانعمت النظر في المقبرة دون الآفاق البعيدة فألقى في روعي:

(ان هذه المقبرة المحيطة بك تضم مائة استانبول! حيث ان استانبول قد أفرغت فيها مائة مرة، فلن تُستثنى انت وحدك من حكم الحاكم القدير الذي افرغ جميع اهالي استانبول هنا، فانت راحل مثلهم لا محالة..!).

غادرت المقبرة وانا احمل هذا الخيال المخيف، ودخلت الغرفة الصغيرة في محفل جامع ابي ايوب الانصاري رضي الله عنه والتي كنت ادخلها مراراً في السابق فاستغرقت في التفكير في نفسي: إنما انا ضيف! وضيف من ثلاثة اوجه؛ اذ كما انني ضيف في هذه الغرفة الصغيرة، فانا ضيفٌ كذلك في استانبول، بل انا ضيف في الدنيا وراحل عنها كذلك، وعلى المسافر ان يفكر في سبيله ودربه.

نعم، كما انني سوف اخرج من هذه الغرفة واغادرها، فسوف اترك استانبول ذات يوم واغادرها، وسوف اخرج من الدنيا كذلك.

وهكذا جثمت على قلبي وفكري وانا في هذه الحالة، حالة أليمة محزنة مكدّرة. فلا غرو انني لا أترك احباباً قليلين وحدهم، بل سأفارق ايضاً آلاف الاحبة في استانبول، بل سأغادر استانبول الحبيبة نفسها وسأفترق عن مئات آلالاف من الاحبة كما افترق عن الدنيا الجميلة التي ابتلينا بها.

ذهبتُ الى المكان المرتفع نفسه في المقبرة مرة اخرى، فبدا لي اهالي استانبول، جنائز يمشون قائمين مثلما يظهر الذين ماتوا شخوصاً متحركة في الافلام السينمائية، فقد كنت اتردد اليها احياناً للعبرة! فقال لي خيالي: مادام قسم من الراقدين في هذه المقبرة يمكن ان يظهروا متحركين كالشخوص السينمائية، ففكر في هؤلاء الناس كذلك انهم سيدخلون هذه المقبرة حتماً، واعتبرهم داخلين فيها من الآن.

وبينما كنت اتقلب في تلك الحالة المحزنة المؤلمة اذا بنور من القرآن الحكيم وبارشاد من الشيخ الكيلاني (قدس سرّه) يقلب تلك الحالة المحزنة ويحولها الى حالة مفرحة مبهجة، ذات نشوة ولذة، حيث ذكرني النور القادم من القرآن الكريم ونبهني الى ما يأتي:

كان لك صديق أو صديقين من الضباط الاسرى عند اسرك في (قوسترما) في شمال شرقي روسيا، وكنتَ تعلم حتماً أنهما سيرجعان الى استانبول. ولو خَيرك احدهما قائلاً: أتذهب الى استانبول أم تريد ان تبقى هنا؟. فلا جرم انك كنت تختار الذهاب الى استانبول لو كان لك مسكة من عقل، بفرح وسرور حيث ان تسعمائة وتسعة وتسعين من الف حبيب وحبيب لك هم الآن في استانبول، وليس لك هنا الاّ واحد او اثنان، وهم بدورهم سيرحلون الى هناك. فالذهاب الى استانبول بالنسبة لك اذن ليس بفراق حزين، ولا بافتراق أليم.. وها أنتذا قد أتيت اليها، ألم تصبح راضياً شاكراً؟ فلقد نجوتَ من بلد الاعداء، من لياليها الطوال السوداء، ومن شتائها القارس العاصف، وقدمت استانبول الزاهية الجميلة، كأنها جنة الدنيا!. وهكذا الامر حيث ان تسعاً وتسعين من مائة شخص ممن تحبهم منذ صغرك حتى الآن، قد ارتحلوا الى المقبرة. تلك تبدو لك موحشة مدهشة، ولم يظل منهم في هذه الدنيا الاّ واحد او اثنان، وهم في طريقهم اليها كذلك. فوفاتك في الدنيا اذن ليست بفراق، ولا بافتراق، وانما هي وصال ولقاء مع اولئك الاحبة الاعزاء.

نعم ان اولئك – أي الارواح الباقية – قد تركوا مأواهم وعشهم المندرس تحت الارض، فيسرح قسم منهم بين النجوم، وقسم آخر بين طبقات عالم البرزخ.

وهكذا ذكرني ذلك النور القرآني.. ولقد أثبت هذه الحقيقة اثباتاً قاطعاً كلٌ من القرآن الكريم، والإيمان، بحيث مَن لم يفقد قلبه وروحه، او لم تغرقه الضلالة لابد ان يصدق بها كأنه يراها؛ ذلك لأن الذي زين هذه الدنيا بأنواع ألطافه التي لاتحد وبأشكال آلائه التي لاتُعد مُظهراً بها ربوبيته الكريمة الرؤوف، حفيظاً حتى على الاشياءالصغيرة الجزئية جداً – كالبذور مثلاً – ذلك الصانع الكريم الرحيم، لابد – بل بالبداهة – لايُفني هذا الانسان الذي هو اكمل مخلوقاته واكرمها واجمعها واهمها واحبها اليه، ولا يمحوه بالفناء والاعدام النهائي، بلا رحمة وبلا عاقبة – كما يبدو ظاهراً – ولا يضيعه ابداً.. بل يضع الخالق الرحيم ذلك المخلوق المحبوب تحت التراب الذي هو باب الرحمة موقتاً، كي يعطي ثماره في حياة اخرى، كما يبذر الفلاح البذور على الارض(1).

وبعد ان تلقيت هذا التنبيه القرآني، باتت تلك المقبرة عندي مؤنسة اكثر من استانبول نفسها، واصبحت الخلوة والعزلة عندي اكثر لطافة من المعاشرة والمؤانسة، مما حدا بي ان اجد مكاناً للعزلة في (صاري ير) على البسفور. واصبح الشيخ الكيلاني رضي الله عنه استاذاً لي وطبيباً ومرشداً بكتابه (فتوح الغيب)، وصار الامام الرباني رضي الله عنه(2) كذلك بمثابة استاذ أنيس ورؤوف شفيق بكاتبه (مكتوبات) فاصبحت راضياً كلياً وممتناً من دخولي المشيب، ومن عزوفي عن مظاهر الحضارة البراقة ومتعها الزائفة،ومن إنسلالي من الحياة الاجتماعية وانسحابي منها، فشكرت الله على ذلك كثيراً.

فيا من يدلف الى المشيب مثلي.. ويا من يتذكر الموت بنذير الشيب.. ! ان علينا ان نرضى بالشيخوخة وبالموت وبالمرض،

ونراها لطيفة بنور الإيمان الذي أتى به القرآن الكريم، بل علينا ان نحبها – من جهة – فما دمنا نملك إيماناً وهو النعمة الكبرى، فالشيخوخة اذن طيبة والمرض طيب، والموت طيب ايضاً.. وليس هناك شيء قبيح محض في حقيقة الامر الاّ الاثم والسفه والبدع والضلالة.

________________________

(1) لقد اثبتت هذه الحقيقة بصورة قاطعة كقطعية (اثنين في اثنين يساوي اربعاً) في سائر الرسائل ولاسيما الكلمة العاشرة والكلمة التاسعة والعشرون. – المؤلف.

(2) هو احمد بن عبدالاحد السرهندي (971-1034ه) الملقب بحق مجدد الالف الثاني. برع في علوم عصره، وجمع معها تربية الروح وتهذيب النفس والاخلاص لله وحضور القلب. رفض المناصب التي عرضت عليه، قاوم فتنة (الملك اكبر) التي كادت ان تمحق الإسلام. وفقه المولى العزيز الى صرف الدولة المغولية القوية من الالحاد والبرهمية الى احتضان الإسلام بما بث من نظام البيعة والاخوة والارشاد بين الناس. طهر معين التصوف من الاكدار. تنامت دعوته في القارة الهندية حتى ظهر من ثمارها الملك الصالح (اورنك زيب) فانتصر الذين في زمانه، وعزّ المسلمون وهان الكفار. له مؤلفات عديدة اشهرها (مكتوبات) ترجمها الى اللغة العربية محمد مراد في مجلدين. – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 363