الشيخوخة والتسلي بوجوده سبحانه

 

﴿كهيعص * ذِكرُ رَحمَتِ رَبكَ عَبدَهُ زكريا * إذْ نادى رَبهُ نِداءً خَفِياً *

قال ربّ إني وهَنَ العظمُ مِني واشَتعَلَ الرَّأسُ شَيباً ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً﴾

(مريم:1-4)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 حينما كنت في منفاي ذلك الاسر الاليم بقيت وحدي منفرداً منعزلاً عن الناس على قمة جبل (ضام) المطلة على مراعي (بارلا).. كنت ابحث عن نور في تلك العزلة. وذات ليلة، في تلك الغرفة الصغيرة غير المسقفة، المنصوبة على شجرة صنوبر عالية على قمة ذلك المرتفع، اذا بشيخوختي تشعرني بألوان وانواع من الغربة المتداخلة – كما جاء ذلك في المكتوب السادس بوضوح – ففي سكون تلك الليلةحيث لا اثر ولا صوت سوى ذلك الصدى الحزين لحفيف الاشجار وهمهمتها.. احسست بأن ذلك الصدى الاليم قد اصاب صميم مشاعري، ومس اعماق شيخوختي وغربتي، فهمّست الشيخوخةُ في اذني منذرةً:

ان النهار قد تبدل الى هذا القبر الحالك، ولبست الدنيا كفنها الاسود، فسوف يتبدل نهار عمرك الى ليل، وسف ينقلب نهار الدنيا الى ليل البرزخ، وسوف يتحول نهار صيف الحياة الى ليل شتاء الموت.

فأجابتها نفسي على مضض:

نعم، كما انني غريبة هنا عن بلدتي ونائية عن موطني، فان مفارقتي لاحبائي الكثيرين خلالا عمري الذي ناهز الخمسين ولا املك سوى تذراف الدموع وراءهم هي غربة تفوق غربتي عن موطني.. واني لأشعر في هذه الليلة غربة اكثر حزناً واشد ألماً من غربتي على هذا الجبل الذي توشح بالغربة والحزن، فشيخوختي تنذرني بدنوي من موعد فراق نهائي عن الدنيا وما فيها، ففي هذه الغربة المكتنفة بالحزن، ومن خلال هذا الحزن الذي يمازجه الحزن، بدأتُ ابحث عن نور، وعن قبس امل، وعن باب رجاء، وسرعان ما جاء (الإيمان بالله) لنجدتي ولشد ازري، ومنحني أنساً عظيماً بحيث لو تضاعفت آلامي ووحشتي اضعافاً مشاعفة لكان ذلك الانس كافياً لإزالتها.

نعم، ايها الشيوخ، ويا ايتها العجائز!.. فما دام لنا خالق رحيم، فلا غربة لنا اذاً ابداً.. ومادام سبحانه موجوداً فكل شيء لنا موجود اذاً، ومادام هو موجوداً وملائكته موجودة. فهذه الدنيا إذن ليست خالية لا أنيس فيها ولاحسيس، وهذه الجبال الخاوية، وتلك السحارى المقفرة كلها عامرة ومأهولة بعبادة الله المكرمين، بالملائكة الكرام. نعم، ان نور الإيمان بالله سبحانه، والنظرة الى الكون لاجله، يجعل الاشجار بل حتى الاحجار كأنها اصدقاء مؤنسون فضلاً عن ذوي الشعور منعباده، حيث يمكن لتلك الموجودات ان تتكلم معنا – بلسان الحال – بما يسلينا ويروّح عنا.

نعم، ان الدلائل على وجوده سبحانه بعدد موجودات هذا الكون، وبعدد حروف كتاب العالم الكبير هذا، وهناك دلائل وشواهد على رحمته بعدد اجهزة ذوي الارواح وما خصهم من نِعَمه ومطعوماته التي هي محور الشفقة والرحمة والعناية، فجميعها تدل على باب خالقنا الرحيم والكريم، وصانعنا الانيس، وحامينا الودود، ولاشك ان العجز والضعف هما ارجى شفيعين عند ذلك الباب السامي. وان عهد الشيب أوانهما، ووقت ظهورهما، فعلينا إذن ان نوّد الشيخوخة، وان نحبها، لا ان نعرض عنها؛ اذ هي شفيع مرتجى امام ذلك الباب الرفيع.(*)

____________________________

(1) ان مدى السهولة في إخبار (الامر الثبوتي) ومدى الصعوبة والاشكال في نفي وانكار ذلك، يظهر في المثال الآتي:

اذا قال احدهم: ان هناك – على سطح الارض – حديقة خارقة جداً ثمارها كعلب الحليب، وأنكر عليه الآخر قوله هذا قائلاً: لا، لا توجد مثل هذه الحديقة. فالاول يستطيع بكل سهولة ان يثبت دعواه، بمجرد اراءة مكان تلك الحديقة او بعض ثمارها. اما الثاني (أي المنكر) فعليه ان يرى ويُري جميع انحاء الكرة الارضية لاجل ان يثبت نفيه، وهو عدم وجود مثل هذه الحديقة.

وهكذا الامر في الذين يخبرون عن الجنة، فانهم يُظهرون مئات الآلاف من ترشحاتها، ويبينون ثمارها وآثارها، علماً ان شاهدين صادقين منهم كافيان لاثبات دعواهم، بينما المنكرون لوجودها، لايسعهم اثبات دعواهم الاّ بعد مشاهدة الكون غير المحدود، والزمن غير المحدود، مع سبر غورهما بالبحث والتفتيش، وعند عدم رؤيتهم لها، يمكنهم اثبات دعواهم!

فيامن بلغ به الكبر عتياً ويا ايها الاخوة! اعلموا ما اعظم قوة الإيمان بالآخرة وما اشد رصانته!.

– المؤلف.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 349