الكلمة الثانية والثلاثون


 

هذه الكلمة ذيل يوضح اللمعة الثامنة من "الكلمة الثانية والعشرين".

   وهي تفسير لأول لسان من خمسة وخمسين لسانا من ألسنة الموجودات

الشاهدة على وحدانية اللّٰه سبحانه وتعالى، والتي أشير إليها في رسالة

"قطرة من بحر التوحيد"  (1) وهي في الوقت نفسه حقيقة من الحقائق

الزاخرة للآية الكريمة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾(الأنبياء:22)

لبسَت ثوبَ التمثيل.                                        

 

الموقف الأول

بسم الله الرحمن الرحيم 

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾(الأنبياء:22)

"لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّٰهُ وَحدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ لَهُ الْمُلكُ وَلَهُ الْحَمدُ يُحيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوتُ

بِيَدِهِ الْخَير وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَإلَيهِ الْمَصِيرُ".(2)

كنت قد بَيَّنتُ في إحدى ليالي رمضان المبارك؛ أنّ في كلٍّ من الجمل الإحدى عشرة من هذا الكلام التوحيدي بشارة سارة، ومرتبة من مراتب التوحيد. وقد بسطت الكلام بسطا يقرب من فهم العوام لتوضيح ما في جملة "لا شريك له" وحدَها من معانٍ جميلة؛ وذلك على صورة محاورة تمثيلية ومناظرة افتراضية، واتخاذ لسانِ الحال على هيئة لسان المقال. وأدرجُ الآن تلك المحاورة إسعافا لطلب إخوتي الأعزاء الذين يعينونني في شؤوني، ونـزولا عند رغبة رفقائي في المسجد ونظرا لطلبهم. وهي على النحو الآتي:

نفترض شخصا يمثل الشركاءَ الذين يتوهمُهم جميعُ أنواع أهل الشرك والكفر والضلال من أمثال عبَدة الطبيعة والمعتقدين بتأثير الأسباب والمشركين. ونفرض أن ذلك الشخص المفترَض يريد أن يكون ربا لشيء من موجودات العالم، ويدّعي التملّك الحقيقي له!

وهكذا فقد قابل ذلك المدَّعي أولا ما هو أصغر شيء في الموجودات وهو الذرة، فقال لها بلسان الطبيعة وبلغة الفلسفة المادية إنه ربّها ومالكها الحقيقي!

فأجابته تلك الذرةُ بلسان الحقيقة وبلُغةِ الحكمة الربانية المودَعة فيها: إنني أؤدي وظائفَ وأعمالا لا يحصرها العدّ. فأدخلُ في كل مصنوع على اختلاف أنواعه، فإن كنت أيها المدَّعي مالكا علما واسعا يحيط بجميع تلك الوظائف وصاحبَ قدرةٍ شاملة توجّه جميعَها، ولك حكم نافذ وهيمنة كاملة على تسخيري وتوجيهي مع أمثالي(3) من الذرات العاملة والمتجولة في الوجود.. وكذا لو كنت تتمكن من أن تكون مالكا حقيقيا للموجودات التي أنا جزء منها، كالكريات الحمر، وتتصرفَ فيها بانتظام تام.. فلكَ أن تدّعيَ المالكية عليّ، وتُسند أمري إلى غير خالقي سبحانه.. وإلاّ فاسكت! إذ لا تقدر على أن تتدخلَ في شؤوني فضلا عن أنك لا تستطيع أن تكون ربا لي؛ لأن ما في وظائفنا وأعمالنا وحركاتنا من النظام المتقن الكامل بحيث لن يقدر عليه مَن لم يكن ذا حكمةٍ مطلقةٍ وعلم محيط، فلو تدخّل غيرُه لأفسد. فأنّى لك أيها المدَّعي أن تمدّ إصبعك في شؤوننا وأنت العاجز الجامد الأعمى الأسيرُ بيد الطبيعة والمصادفة العمياويين!

فقال المدَّعي ما يقوله الماديون: "إذن كُوني مالكةً لنفسك، فَلِمَ تقولين إنك تعملين في سبيل غيرك؟"

فأجابته الذرة: "لو كان لي عقل جبار كالشمس وعلم محيط كضوئها وقدرة شاملة كحرارتها وحواس ومشاعرُ واسعة كالألوان السبعة في ضيائها ووجه متوجّه إلى كل مكان أسيح فيه وعين ناظرة وكلام نافذ إلى كل موجود أتوجه إليه.. ربما كنتُ أتغابى مثلَك فأدّعي الحاكمية لنفسي!. تنحَّ عني فليس لك موضع فينا".

وعندما يئس داعيةُ الشرك من الذرة. قابل كريةً حمراء من الدم، علّه يظفر منها بشيء. فقال لها بلسان الأسباب ولغةِ الطبيعة ومنطقِ الفلسفة: "أنا لكِ رب ومالك!"

فردّت عليه الكريةُ الحمراء بلسان الحقيقة وبلغة الحكمة الربانية: "إنني لستُ وحيدةً منفردة، فأنا وأمثالي جميعا في جيش الدم الكثيف، نظامُنا واحد ووظائفُنا موحدة، نسير تحت إمرة آمرٍ واحد. فإن كنت تقدر على أن تملك زمامَ جميع ما في الدم من أمثالي، ولك حكمة دقيقة وقدرة عظيمة تحكمان سيطرتَهما على جميع خلايا الجسم التي نجول فيها ونُستخدَم لإنجاز مهماتٍ فيها بكل حكمة وانتظام، فهاتها. فلربما يكون عندئذٍ لدعواك معنى. ولكنك أيها المدَّعي لا تملك سوى قوةٍ عمياء وطبيعةٍ صماء، فلا تقدِرُ على أن تتدخل في شؤوننا ولو بمقدار ذرة، فضلا عن ادّعاء التملّك علينا؛ لأن النظام الذي يهيمن علينا دقيق وصارم إلى حدّ لا يمكن أن يحكُمنا إلاّ من يرى كلَّ شيء ويسمعُ كلَّ شيء ويعلمُ كلَّ شيء ويفعلُ ما يشاء. ولهذا فاسكت. إذ لا تدعُ وظائفُنا الجليلةُ ودقتُها ونظامُها مجالا لنا لنسمع هذرَك.." وهكذا تطرده الكريةُ الحمراء.

ولمّا لم يجد ذلك المدَّعي بغيتَه فيها. ذهب فقابل خليةً في الجسم فقال لها بمنطق الفلسفة ولسان الطبيعة: "لم أتمكن من أن أُسمعَ دعواي إلى الذرة، ولا إلى الكرية الحمراء، فلعلّي أجد منك أذنا صاغية؛ لأنك لستِ إلاّ حُجيرة صغيرة حاوية على أشياء متفرقة! ولهذا فإنني قادر على صنعك. فكوني مصنوعتي ومملوكتي حقا!"

فقالت له الخلية بلغة الحكمة والحقيقة: "إنني صغيرة جدا حقا، ولكنْ لي وظائفُ جليلةٌ وجسيمة، ولي علاقات وروابط وثيقة ودقيقة جدا مع جميع خلايا الجسم. فلي وظائف متقنة مع جميع الأوعية الدموية من شرايين وأوردة وأعصاب محرّكة وحسية، ومع جميع القوى التي تنظّم الجسم كالقوة الجاذبة والدافعة والمولّدة والمصوّرة وأمثالها. فإن كان لك أيها المدَّعي علم واسع وقدرة شاملة تنشئ تلك العروق والأعصاب والقوى المودَعة في الجسم وتنسّقها وتستخدمُها في مهماتها.. وكذا إن كانت لديك حكمة شاملة وقدرة نافذة تستطيع أن تتصرف في شؤون أخواتي من خلايا الجسم كلِّها، والتي تتشابه في الإتقان والروعة النوعية، فهيا أظهرها. ثم ادّع بأنك تتمكن من صنعي. وإلاّ فاغرب عنا. فإن الكريات الحمر تزودني بالأرزاق، والكريات البيض تدافع عني تجاه الأمراض المهاجمة. فليَ أعمال جسام، لا تشغلني عنها. فإنّ عاجزا قاصرا أعمى مثلَك ليس له حقُّ التدخل في شؤوننا الدقيقة أبدا؛ لأن فينا منالنظام المُحكم الكامل(4) ما لو يحكمنا غيرُ الحكيم المطلق والقديـــر المطلق والعليم المطلق لـفـسد نظامُنا وانفرط عقدُنا".

وهكذا يئس المدَّعي من الخلية كذلك، ولكنه قابل جسمَ الإنسان، فقال له كما يقول الماديون، بلسان الطبيعة العمياء والفلسفة الضالة: "أنت مُلكي. فأنا الذي صنعتُك، أو في الأقل لي حظ فيك!"

فردّ عليه ذلك الجسمُ الإنساني بحقيقة النظام الحكيم الذي فيه: "إن كان لك أيها المدعي علم واسع وقدرة شاملة لها التصرف المطلق في جميع أجسام البشر من أمثالي، لوضعِ العلامات الفارقة الظاهرة في وجوهنا، والتي هي طابعُ القدرة وختمُ الفطرة.. وكذا لو كانت لك ثروة طائلة وحاكمية مهيمـنة تتحكم في مخازن أرزاقي الممتدة من الهواء والماء إلى النباتات والحيوانات.. وكذا لو كانت لك حكمة لا حدّ لها وقدرةٌ لا منتهى لها بحيث تمكّن اللطائفَ المعنوية الراقية الواسعة من روحٍ وقلبٍ وعقل في بودقة صغيرة مثلي، وتسيّرها بحكمة بالغة إلى العبودية، فأرنيها ثم ادّع الربوبية لي، وإلاّ فاسكت. فإن صانعي الجليل قادر على كل شيء، عليم بكل شيء، بصير بكل شيء، بشهادةِ النظام الأكمل الذي يسيّرني، وبدلالةِ طابع الوحدانية الموجود في وجهي، فلا يقدرُ عاجز وضال مثلُك أن يمدّ إصبعه إلى صنعته البديعة أبدا ولا أن يتدخّل فيها ولو بمقدار ذرة".

فانصرف داعيةُ الشرك حيث لم يستطع أن يجد موضعا للتدخل في الجسم، فقابلَ نوعَ الإنسان، فحاور نفسه قائلا: "ربما أجد في هذه الجماعة المتشابكة المتفرقة موضعا، فأتدخل في أحوال فطرتهم ووجودهم مثلما يتدخل الشيطانُ بضلاله في أفعالهم الاختيارية وشؤونِهم الاجتماعية. وعندها أتمكن من أن أجري حُكمي على جسمالإنسان الذي طردني هو وما فيه من خلايا".

ولهذا خاطب نوعَ الإنسان بلسان الطبيعة الصماء والفلسفة الضالة أيضا: "أنتم أيها البشر تبدون في فوضى، فلا أرى نظاما ينظّمكم، فأنا لكم رب ومالك، أو في الأقل لي حصة فيكم".

فردّ عليه حالا نوعُ الإنسان بلسان الحق والحقيقة وبلغة الحكمة والانتظام: "إن كنت -أيها المدَّعي- مالكا قدرةً تتمكن من أن تُلبس الكرةَ الأرضية حلّة قشيبةً ملونة بألوانٍ زاهية منسوجةٍ بكمال الحكمة بخيوط أنواع النباتات والحيوانات التي تنوف على مائة ألف نوع، الشبيهة بنوعنا الإنساني، وتكون بوسعِها نسجُ ذلك البساط البديع المفروش على الأرض من خيوط مئات الألوف من أنواع الكائنات الحية، والتي هي في أبدع نقشٍ وأجملِه.. وفضلا عن خلق هذا البساط الرائع، وتجدّده دوما وبحكمة تامة! فإن كانت لديك قدرة محيطة وحكمة شاملة كهذه، بحيث تتصرف في كرة الأرض التي نحن من ثمارها، وتدبِّر شؤونَ العالم الذي نحن بذورُه، فترسلَ بميزان الحكمة لوازمَ حياتنا إلينا من أقطار العالم كله.. وإن كنت -أيها المدَّعي- تنطوي على اقتدار يخلق علاماتِ القدرةالإلهية المميّزة الموحدة في وجوهنا، وفي أمثالنا من السالفين والآتين.. فإن كنتَ مالكا لما ذكـرنا فلربما يكون لك حقُّ ادّعاء الربوبية عليّ. وإلاّ فاخرس! ولا تقل إنني أتمكن من أن أتدخل في شؤون هـؤلاء الذين يبدون في اختلاط وتشابك، إذ الانتظامُ عندنا على أتمِّه. وتلك الأوضاعُ التي تظنها فوضى إنما هي استنساخ للقدرة الإلهية بكمال الانتظام على وفق القَدر الإلهي. فلئن كان النظامُ دقيقا في أدنى درجات الحياة كالنباتات والحيوانات ويرفض أيَّ تدخّلٍ كان، فكيف بنا ونحن في قمة مراتب الحياة؟ أليس الذي يبدو اختلاطا وفوضى هو نوع من كتابة ربانية حكيمة؟ أفيمكن للذي مكّن خيوطَ النقوش البديعة لهذا البساط، كل في موضعه المناسب، وفي أي جزءٍ وطرف كان، أن يكون غيرَ صانعِه، غيرَ خالقِه الحقيقي، فهل يمكن أن يكونَ خالقُ النواة غيرَ خالقِ ثمرتِها؟ وهل يمكن أن يكون خالقُ الثمرة غيرَ خالق شجرتها؟ ولكنك أعمى لا تبصر! ألا ترى معجزاتِ القدرة في وجهي وخوارق الصنعة في فطرتي؟ فإن استطعتَ أن تشاهدها، فستدرك أن خالقي لا يخفى عليه شيء ولا يصعب عليه أمر، ولا يعجزه شيء، يدير النجومَ بيُسر إدارة الذرات، ويخلق الربيعَ الشاسع بسهولة خلق زهرة واحدة، وهو الذي أدرج فهرسَ الكونالعظيم في ماهيتي بانتظام دقيق، أفيمكن لعاجزٍ أعمى مثلِك أن يحشر نفسه فيتدخل في إبداع هذا الخالق العظيم والصانع الجليل.. ولهذا فاسكتْ واصرفْ وجهَك عني.. فيمضى مطرودا.

ثم يذهبُ ذلك المدَّعي إلى البساط الزاهي المفروش على وجه الأرض والحُلّة القشيبة المزيّنة التي ألبست، فخاطبَه باسم الأسباب وبلغة الطبيعة ولسان الفلسفة: "إنني أتمكن من التصرف في شؤونك، فأنا إذن مالك لك ولي حظ فيك في الأقل".

وعند ذلك تكلم ذلك البساطُ المزركش، وتلك الحلةُ القشيبة(5) وخاطبا ذلك المدَّعي بلغة الحقيقة وبلسان الحكمة المودَعة فيهما: "إن كانت لك قدرة نافذة وإتقان بديع يجعلانك تنسج جميعَ هذه البُسط المفروشة والحُلل البهية التي تخلعُ على الأرض بعدد القرون والسنين ثم تنـزعها عنها بنظام تام وتنشرها على حبل الزمان الماضي، ومن بعد ذلك تخيط ما تُخلع عليها من حُلل زاهرة بنقوشها وتفصّل تصاميمَها في دائرة القَدر.. وكذا إن كنت مالكا ليَدٍ معنوية ذات قدرة وحكمة بحيث تمتد إلى كل شيءٍ ابتداءً من خلق الأرض إلى دمارها، بل من الأزل إلى الأبد، فتجدّد وتبدّل أفراد لُحمة بساطي هذا وسداه.. وكذا إن كنت تستطيع أن تقبض على زمام الأرض التي تلبسنا وتكتسي بنا وتتستر.. نعم، إن كنت هكذا فادّع الربوبية عليَّ.. وإلاّ فاخرج مذموما مدحورا من الأرض. فليس لك مقام هنا؛ إذ فينا من تجليات الوحدانية وأختام الأحدية بحيث مَن لم يكن جميعُ الكائنات في قبضة تصرفه ولم يرَ جميع الأشياء بجميع شؤونِها دفعةً واحدة، ولم يستطع أن يعمل أمورا لا تُحد في آن واحد، ولم يكن حاضرا ورقيبا في كل مكان ومنـزّها عن المكان والزمان.. لا يتمكن أن يكون مالكا لنا أبدا، بل لا يمكن أن يتدخل في أمورنا مطلقا. أي مَن لم يكن مالكا لقدرةٍ مطلقة وحكمةٍ مطلقة وعلم مطلق، لا يمكن أن يتحكم فينا ويدَّعي المالكيةَ علينا".

وهكذا يذهب المدَّعي مخاطبا نفسَه: "لأذهبْ إلى الكرة الأرضية علَّني أستغفلُها وأجدُ فيها موضعا.." فتوجَّهَ إليها قائلا لها(6) باسم الأسباب وبلسان الطبيعة مرة أخرى: "إنّ دورانكِ هكذا دون قصد يشفُّ عن أنّك سائبة دون مالك. ولهذا يمكن أن تكوني طوعَ أمري!"

فردَّتْ عليه الأرضُ بصيحة كالصاعقة منكرةً دعواه بلسان الحق والحقيقة المضمَرة فيها: "لا تهذرْ أيها الأحمق الأبله!. كيف أكون هملا بلا مالك ومولى! فهل رأيت في ثوبي الذي ألبسُه خيطا واحدا فقط نشازا بغير حكمةٍ ومن دون إتقان! حتى تزعم أنّ حبلي على غاربي وأنني بلا مولى ولا مالك؟ انظر إلى حركاتي فحسب، ومنها حركتي السنوية(7) التي أسير فيها مسافةَ خمسٍ وعشرين ألف سنةٍ في سنة واحدة فقط، منجِزةً وظائفي المُلْقاة عليَّ بكمال الميزان والحكمة.. فإن كانت لديك حكمة مطلقة وقدرة مطلقة فتُسيّر وتُجري معي رفقائي من السيارات العشر من أمثالي في أفلاكها العظمى، وتخلقُ الشمسَ المنيرة التي هي قائدُنا وإمامُنا والتي تربطنا وإياها جاذبةُ الرحمة فتديرُنا وتجري بنا أنا والسيارات جميعا حول الشمس بنظام تام وحكمة كاملة. نعم، أيها المدَّعي إن كانت لديك قدرة مطلقة وحكمة مطلقة على إدارة هذه الأمور الجسام وتدبيرها فادّع بدعواك. وإلاّ فاتركْ هذا الهذيان المفرط، وسُحقا لك في جهنم وبئس المصير، فلا تشغلني عن مهماتي العظيمة. إذ إنّ ما فينا من الانتظام الرائع والتناسق المهيب والتسخير الحكيم يدل بوضوح على أن جميع الموجودات من الذرات إلى النجوم والى الشموس طوعَ أمر صانعنا ومسخّرة له. إذ مثلما ينظّم الشجرةَ بسهولة ويزّين ثمراتِها فإنّه بالسهولة نفسها ينظّم الشمس بسياراتها. فهو الحكيم ذوالجلال والحاكم المطلق ذو الكمال".

ثم يتوجّه ذلك المدَّعي إلى الشمس بعد أن لم يجد له موضعَ قدم في الأرض فَحَاورَ نفسَه قائلا: "إنّهذه الشمس شيء عظيم، لعلّي أجد فيها ثغرةً أمرر فيها دعواي وأسخّر بدوري الأرض كذلك".

فقال للشمس بلسان الشرك وأضاليل الفلسفة الشيطانية، وكما يقوله المجوس: "أنتِ يا شمسُ سلطانةُ العالم، وأنت حتما مالكة لنفسك، وتتصرفين في العالم كيف تشائين".

وعلى الفور أجابَته الشمسُ بلسان الحق والحقيقة: "كلا وألف مرة كلا.. بل لستُ إلاّ مأمورةً مطيعة مسخرة بوظيفةِ تنوير مستضاف سيدي. فلست مالكةً لنفسي أبدا بل لستُ مالكةً حتى لجناح ذبابة مُلكا حقيقيا، لأن في جسم الذباب من الجواهر المعنوية النفيسة، كالعين والأذن ومن بدائع الصنعة، ما لا أملكه قط وما هو خارج عن طوقي" وهكذا يوبّخ المدَّعي.

فينبرى ذلك المدَّعي قائلا بلسان الفلسفة المتغطرسة المتفرعنة: "ما دمتِ لستِ مالكةً لنفسك، بل خادمة، فإذن أنت مملوكة لي وتحت تصرفي باسم الأسباب".

فردّت عليه الشمسُ ردا قويا باسم الحق والحقيقة وبلسان العبودية قائلة: "إنما أنا أكون مملوكةً لمن خلق نجوما عالية من أمثالي، وأسكنَها في سمائه بكمال حكمة، وأدارها بكمال هيبة، وزيّنها بكمال زينة".

ثم إن ذلك المدَّعي بدأ يحدّث نفسَه: "إن النجوم مختلطة مزدحمة، وهي مشتَّتة متباعدة بعضُها عن بعض، فلعلّي أجد منها موضعا باسم موكلي فأظفر منها بشيء.. فيدخل بين النجوم".

فقال لها كما يقول الصابئة عُبّاد النجوم باسم الأسباب وفي سبيل شركائه وبلسان الفلسفة الطاغية: "أيتها النجوم! إنّ حُكاما كثيرين يتحكمون فيكم لشدة تشتتكم وتبعثركم".

فأجابته نجمة واحدة نيابة عن النجوم: ما أشدَّ بلاهتَك أيها المدَّعي الأحمق. ألا ترى علامةَ التوحيد وطغراء الأحدية على وجوهنا، ألا تفهمها؟. ألا تعلم أنظمتنا الراقية وقوانينَ عبوديتنا الصارمة؟ أتظننا بلا نظام؟

فنحن مخلوقون عبيدا لواحدٍ أحدٍ يمسك في قبضته أمورَنا وأمور السماوات التي هي بحرُنا، والكائناتِ التي هي شجرتُنا، وفضاءَ العالم الواسع الذي هو مسيرُنا. فنحن شواهدُ نورانية كالمصابيح المنيرة أيام المهرجانات نبيّن كمال ربوبيته سبحانه، ونحن براهينُ ساطعة نعلن عن سلطنة ربوبيته، فكل طائفة منا خَدَمَة عاملون نورانيون ندلّ على عظمة سلطنته، في منازل علوية سفلية دنيوية برزخية أخروية.

نعم، إننا معجزة باهرة من معجزات قدرة الواحد الأحد.. وثمرة يانعة لشجرة الخلقة.. وبرهان منور للوحدانية.. فنحن للملائكة منـزل وطائرة ومسجد.. وللعوالِم العلوية مصباح وشمس.. وعلى سلطنة الربوبية شاهد.. ولفضاء العالم وقصرِه زينة وزهرة.. وكأننا أسماك نورانية تسبح في بحر السماء.. وعين جميلة لوجه السماء.(8) فكما أن كلا منّا هكذا فإن في مجموعنا سكوتا في سكون.. وحركةً في حكمة.. وزينةً في هيبة.. واستواءَ خلقةٍ في انتظام.. وإتقانَ صنعةٍ في موزونية. لهــذا نشهد بألسنةٍ غير محدودة على وحدانية صانعنا الجليل وبأحديته وصمدانيته وعلى أوصاف جمـاله وكماله وجــلاله ونُعــلن هذه الشهادة على أشهاد الكائنات جميعها.. أفَبعد هذا تتهمنا ونحن العبيد الطاهرون المطيعون المسخَّرون بأننا في فوضى واختلاط وعبث، بل بلا مولى ومالك؟ فإنك لا شك تستحق التأديب على اتهامك هذا.. فترجُم نجمة واحدة ذلك المدَّعي فتطرحُه من هناك إلى قعر جهنمَ وبئس المصير. وتقذفُ معه الطبيعةَ ومدّعيها إلى وادي الأوهام(9) وتلقي المصادفةَ إلى بئر العدم، والشركاءَ إلى ظلمات الامتناع والمحال، والفلسفةَ المعادية للدين إلى أسفل سافلين.

فترتّل تلك النجمة مع النجوم كلِّها قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء:22)معلنة أن لا مجال لشريك قط ولا حدّ له أن يتدخل حتى في أدنى شيء اعتبارا من جناح ذبابة إلى قناديل السماء.

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاّ ما عَلَّمْتَنا اِنّكَ اَنتَ الْعَليمُ الْحَكيم﴾

اَللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سِرَاج وَحدَتِكَ فِي كَثرَةِ مَخْلُوقَاتِكَ وَدَلاّل وَحدَانِيَّتِكَ فِي مَشهَرِ كَائِنَاتِكَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ اَجْمَعِينَ.

 

 

_________________________________

(1) منشورة ضمن رسائل المثنوي العربي النوري.

(2) الترمذي، الدعوات 36؛ النسائي، المناسك 163؛ ابن ماجه، المناسك 84؛ الدارمي، المناسك 34؛ أحمد بن حنبل، المسند 1/47.

(3) نعم، كما أن كل شيء متحرك ابتداءً من الذرات إلى الكواكب السيارة يدل على الوحدانية، بما فيه من سكة الصمدانية وطابعها، فإنه يضم جميع الأماكن التي يجول فيها ضمن مُلك مالكه الواحد.. أما المصنوعات الساكنة ابتداءً من النباتات إلى النجوم الثابتة فهي بمثابة أختام الوحدانية حيث يظهر كل منها أن موضعه بمثابة رسالة من صانعه ومكتوب منه. أي إن كل نبات، وكل ثمر، هو ختم وحدانية، وسكة وحدة، بحيث يدل على أن مواضعه وأوطانه رسالة لصانعه البديع.

والخلاصة: أن كل شيء يسيطر بحركته على جميع الأشياء باسم الوحدانية، أي إن الذي لا يقبض زمام جميع النجوم بيده لن يكون ربا على الذرة. (المؤلف).

(4) إن الصانع الحكيم قد خلق جسم الإنسان على هيئة مدينة منسقة ومنتظمة جدا. فقسم من العروق يقوم بمهمة التلغراف والتلفون، وقسم منها بمثابة الأنابيب التي تأتي بالماء من الينابيع فيسير فيها الدم، ذلك السائل الباعث على الحياة.. والدم نفسه قد خلق فيه قسمان من الكريات، يطلق على إحداهما الكريات الحمر التي تقوم بتوزيع الأرزاق إلى حجيرات البدن، فتوصل إليها أرزاقها بقانون إلهي مثلما يقوم موظفو الأرزاق وتجّارها بالتوزيع. والقسم الآخر هو الكريات البيض التي هي أقل عددا من الأولى، وتقوم بالدفاع عن الجسم تجاه الأمراض متخذة وضعا سريعا عجيبا بنوعين من الدوران والحركة -كالمريد المولوي- حالما تدخل حومة المعركة.. أما مجموع الدم فله وظيفتان عامتان: الأولى: تعمير الحجيرات المتهدمة في الجسم وترميمها.. والأخرى: تنظيف الجسم بجمع النفايات وأنقاض الخلايا.

وهناك قسمان من العروق أيضا، يطلق على أحدهما الشرايين التي تقوم بنقل الدم الصافي وتوزيعه، فهي بحكم مجاري الدم النقي الصافي.. والآخر: هو مجاري الدم الفاسد الذي يجمع النفايات الضارة والأنقاض، ويأتي بها إلى الرئة التي هي مركز التنفس.

إن الصانع الحكيم قد خلق عنصرين في الهواء أحدهما: الآزوت، والآخر: مولد الحموضة (الأوكسجين) فهذا الأخير ما إن يلامس الدم في أثناء التنفس حتى يجذب إليه الكربون الكثيف الذي لوّث الدم محولا إياه إلى مادة سامة يطلق عليها "حامض الكربون البخاري" (ثنائي أوكسيد الكربون) وبهذا يقوم بتنقية الدم وتصفيته، فضلا عن أنه يضمن الحرارة الغريزية للجسم. ذلك لأن الصانع الحكيم قد وهب لمولد الحموضة والكربون علاقة شديدة تلك التي يطلق عليها (الألفة الكيمياوية) بحيث ما إن يقتربان حتى يمتزجا معا بقانون إلهي، فتتولد الحرارة من هذا الامتزاج كما هو ثابت علما، إذ الامتزاج نوع من احتراق.

وحكمة هذا السر هي ما يأتي: إن لذرات كل عنصر من العناصر حركات مختلفة، فأثناء الامتزاج، تمتزج الحركتان معا وتتحرك الذرتان حركة واحدة، وتظل حركة واحدة معلقة، سائبة، فتنطلق، بقانون الصانع الحكيم، على صورة حرارة. ومعلوم أن الحركة تولد الحرارة، كما هو ثابت ومقرر. وبناء على هذا السر، فكما تتحقق حرارة الجسم الغريزية بهذا الامتزاج الكيمياوي، يتصفى الدم أيضا عندما يُسلب منه الكربون.

وهكذا ينقي الشهيق ماء حياة الجسم ويشعل نار الحياة. أما الزفير فإنه يثمر الكلمات المنطوقة من الفم، التي هي معجزات القدرة الإلهية، فسبحان من تحير في صنعه العقول.(المؤلف)

(5) ولكن مثلما أن هذا النسيج ذو حيوية، فهو كذلك في اهتزاز منتظم إذ تتبدل نقوشه باستمرار وبحكمة كاملة وتناسق تام، وذلك إظهارا لتجليات الأسماء الحسنى المختلفة لنسّاجه البديع في تجليات متنوعة مختلفة. (المؤلف).

(6) الحاصل: إن الذرة تحيل ذلك المدّعي إلى الكرية الحمراء، وهذه تحيله إلى الخلية، وهذه إلى الجسم، والجسم يحيله إلى النوع الإنساني، والنوع إلى الحلّة المنسوجة من الأحياء التي يلبسها سطح الأرض، وتحيله حلّة سطح الأرض إلى الأرض نفسها، وهذه إلى الشمس، والشمس إلى النجوم.. وهكذا يقول كل منها: انصرف عنّا.. فلو استطعت أن تسيطر على من هو فوقي فحاول السيطرة عليّ، وإلاّ فأنت عاجز عن التحكم عليّ. فإذن من لم ينفذ أمره على النجوم كافة لا يمكنه أن ينفذه على ذرة واحدة.(المؤلف)

(7) إذا كان نصف قطر دائرة مائة وثمانين مليون كيلومترا، فتلك الدائرة تكون بمسافة خمس وعشرين ألف سنة تقريبا.(المؤلف).

(8) فنحن مشاهدو مصنوعات الخالق البديعة، والمشيرون إليها، بل نجعل الآخرين يشاهدونها بإعجاب.. أي كأن السماء تنظر إلى عجائب الصنعة الإلهية في الأرض بما لا يحدّ لها من عيون.. فالنجوم كملائكة السماء تنظر إلى الأرض التي هي محشر العجائب، ومعرض الغرائب، بل تستقطب أنظار ذوي الشعور إليها. (المؤلف)

(9) وبعد ما هوت الطبيعةُ ندمت عمّا فعلت فتابت، وعلمت أن وظيفتها الحقيقية القبولُ والانفعال، لا التأثير والفعل، وأنها تعمل وفقا لقدرة اللّٰه ومشيئته فهي كدفتر للقدر الإلهي، دفتر قابل للتبديل والتغيير، وبما يشبه منهج القدرة الربانية. ونوعا من شريعة فطرية للقدير ذي الجلال. ومجموعة قوانينه.. فقبلت الطبيعةُ وظيفتها وهي العبوديةُ بكمال العجز والانقياد، وتسمّت باسم الفطرة الإلهية والصنعة الربانية. (المؤلف).