الكلمة الثانية والعشرون

 

[هذه الكلمة عبارة عن مقامين]

المقام الأول

بسم الله الرحمن الرحيم 

﴿وَيَضْرِبُ اللّٰهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(إبراهيم:25)

﴿وَتِلْكَ الْأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الحشر:21)

استحمّ شخصان ذات يوم في حوض كبير، فغشيَهما ما لا طاقة لهما به ففقدا وَعيَهما. وما إن أفاقا حتى وجَدا أنهما قد جِيء بهما إلى عالَمٍ غير عالَمهما، إلى عالم عجيب، وعجيب فيه كل شيء. فهو من فرط انتظامه الدقيق كأنه مملكة منسّقة الأطراف، ومن روعة جماله بمثابة مدينةٍ عامرة، ومن شدة تناسق أركانه بحكم قصر بديع. وبدَءَا ينظران بلهفةٍ فيما حولهما وقد امتلاءا حَيرةً وإعجابا بما رأيا أمامَهما من عالم عظيم حقا؛ إذ لو نُظر إلى جانبٍ منه لشوهدت مملكة منتظمة، وإذا ما نُظر إليه من جانب آخر لتراءت مدينة كاملة الجوانب، بينما إذا نُظر إليه من جانب آخر فإذا هو بقصر عظيم شاهق يضم عالَما مهيبا.. وطفقا يتجولان معا في أرجاء هذا العالم العجيب فوقع نظرُهما على مخلوقات يتكلمون بكلام معين لا يفقهانه، إلاّ أنهما أدركا من إشاراتهم وتلويحاتهم أنهم يؤدون أعمالا عظيمة وينهضون بواجبات جليلة.

قال أحدهما للآخر: لاشك أن لهذا العالم العجيب مدبّرا يدبّر شؤونَه، ولهذه المملكة البديعة مالكا يرعاها، ولهذه المدينة الرائعة سيدا يتولى أمورها، ولهذا القصر المنيف صانعا بديعا قد أبدعه، فأرى لزاما علينا أن نسعى لمعرفته، إذ يبدو أنه هو الذي قد أتى بنا إلى هاهنا، وليس أحد غيره. فلو لم نعرفه فمَن ذا غيرهُ يُسعفنا ويُغيثنا ويقضي حوائجنا ونحن في هذا العالم الغريب؟ فهل ترى بصيصَ أملٍ نرجوه من هؤلاء العاجزين الضعفاء ونحن لا نفقه لسانَهم ولا هم يصغون إلى كلامنا؟. ثم إن الذي جعل هذا العالم العظيم على صورة مملكة منسقة وعلى هيئةِ مدينة رائعة وعلى شكل قصر بديع، وجعله كنـزا لخوارق الأشياء، وجمّله بأفضل زينة وأروع حُسن، ورصّع نواحيه كلّها بمعجزات معبّرة حكيمة.. أقول: إن صانعا له كل هذه العظمة والهيبة وقد أتى بنا -وبمَن حولنا- إلى هاهنا، لاشك أن له شأنا في هذا. فوَجَب قبل كل شيء أن نعرفَه معرفةً جيدة وأن نعلم منه ما يريد منا وماذا يطلب؟

قال له صاحبه: دع عنك هذا الكلام. فأنا لا أصدّق أن واحدا أحدا يدير هذا العالم الغريب!

فأجابه: مهلا يا صاحبي! هلاّ أعَرتني سمعَك! فنحن لو أهملنا معرفته فلا نكسب شيئا قط، وإن كان في إهمالنا ضرر فضررُه جدُّ بليغ. بينما إذا سعَينا إلى معرفته فليس في سعينا هذا مشقة ولا نلقى من ورائه خسارةً، بل منافعَ جليلة وعظيمة. فلا يليق بنا إذن أن نبقى مُعرِضين هكذا عن معرفته.

ولكن صاحبه الغافل قال: أنا لست معك في كلامك هذا. فأنا أجد راحتي ونشوَتي في عدم صرف الفكر إلى مثل هذه الأمور، وفي عدم معرفة ما تدّعيه عن هذا الصانع البديع. فلا أرى داعيا أن أجهد نفسي فيما لا يسعُه عقلي. بل أرى هذه الأفعال جميعها ليست إلاّ مصادفات وأمورا متداخلة متشابكة تجري وتعمل بنفسها؟ فما لي وهذه الأمور؟..

فردّ عليه العاقل: أخشى أن يُلقي بنا عنادُك هذا وبالآخرين إلى مصائب وبلايا. ألَم تُهدَم مدن عامرة من جراء سفاهة شقيِّ وأفعالِ فاسق؟

ومرة أخرى انبرى له الغافل قائلا:لنحسم الموضوعَ نهائيا فإمّا أن تثبت لي إثباتا قاطعا لا يقبل الشك بأن لهذه المملكة الضخمة مالكا واحدا وصانعا واحدا أحدا، أو تَدَعني وشأني.

أجابه صديقه:ما دمتَ يا صاحبي تصرّ على عنادك إلى حد الجنون والهذيان مما يسوقنا والمملكةَ بكاملها إلى الدمار! فسأضع بين يديك اثني عشرَ برهانا أثبتُ بها أنّ لهذا العالم الرائع روعةَ القصر، ولهذه المملكة المنتظمة انتظامَ المدينة، صانعا بديعا واحدا أحدا هو الذي يدبّر الأمور كلَّها. فلا ترى من فطورٍ في شيء، ولا ترى من نقصٍ في أمر. فذلك الصانعُ الذي لا نراه يبصُرنا ويبصر كلّ شيء، ويسمع كلام كل شيء، فكلُّ أفعالِه معجزات وآيات وخوارق وروائع. وما هذه المخلوقات التي لا نفهم ألسنتهم إلاّ مأمورون وموظفون في مملكته.

البرهان الأول

تعالَ معي يا صاحبي لنتأمل ما حولنا من أشياء وأمور. ألا ترى أنّ يدا خفية تعمل من وراء الأمور جميعها؟ أوَ لا ترى أن ما لا قوة له أصلا ولا يقوى على حَمل نفسِه(1) يحمل آلافَ الأرطال من الحمل الثقيل؟ أوَ لا تشاهد أنّ ما لا إدراك له ولا شعور يقوم بأعمالٍ في غاية الحكمة؟(2) فهذه الأشياء إذن لا تعمل مستقلةً بنفسها، بل لابد أنّ مولىً عليما، وصانعا قديرا يديرها من وراء الحجب. إذ لو كانت مستقلةً بذاتها، وأمرُها بيدها، لَلَزم أن يكون كلُّ شيء هنا صاحبَ معجزة خارقة. وما هذه إلاّ سفسطة لا معنى لها!

البرهان الثاني

تعالَ معي يا صاحبي لنمعن النظر في هذه الأشياء التي تزيّن الميادين والساحات، ففي كل زينة منها أمور تخبرنا عن ذلك المالك وتدلّنا عليه. كأنها سكّتُه وختمُه. كما تدلنا طغراءُ السـلطان وختمُه على وجوده، وتُنبئنا سـكّتُه التي علـى مسكوكاته عن عظمته وهيبته. فإن شئت فانظر إلى هذا الجسـم الصغير جدا الذي لا يكاد الإنسانيعرف له وزنا،(3) قد صنع منه المولى أطوالا من نسيج ملوّن بألوان زاهية ومزركش بزخارف باهرة، ويُخرج منه ما هو ألذّ من الحلويات والمعجنات المعسّلة، فلو لبس آلاف من أمثالنا تلك المنسوجات وأكل من تلك المأكولات لما نفدت.

ثم انظر، إنّه يأخذ بيده الغيبية هذا الحديد والتراب والماء والفحم والنحاس والفضة والذهب ويصنع منها جميعا قطعةَ لحم.(4)

فيا أيها الغافل.. هذه الأشياء والأفعال إنما تخصّ مَن زمامُ هذه المملكة بيده، ومَن لا يعزُب عنه شيء، وكلُّ شيء منقاد لإرادته.

البرهان الثالث

تعالَ لننظر إلى مصنوعاته العجيبة المتحركة.(5) فقد صُنع كلّ منها كأنه نسخة مصغرة من هذا القصر العظيم، إذ يوجد فيه ما في القصر كله. فهل يمكن أن يُدرج أحد هذا القصر مصغّرا في ماكنةٍ دقيقة غير صانعه البديع؟ أو هل يمكن أن ترى عبثا أو مصادفة في عالَمٍ ضُمَّ داخل ماكنة صغيرة؟

أي إن كل ما تشاهده من مكائن إنما هي بمثابة آية تدل على ذلك الصانع البديع، بل كل ماكنة دليل عليه، وإعلان يفصح عن عظمته، ويقول بلسان الحال: نحن مِن إبداع مَن أبدع هذا العالَم بسهولة مطلقة كما أوجدَنا بسهولة مطلقة.

البرهان الرابع

أيها الأخ العنيد! تعالَ أرِكَ شيئا أكثر إثارة للإعجاب! انظر، فها قد تبدّلت الأمور في هذه المملكة، وتغيّرت جميع الأشياء، وها نحن أولاء نرى بأعيننا هذا التبدل والتغير، فلا ثبات لشيء مما نراه بل الكل يتغير ويتجدد.

انظر إلى هذه الأجسام الجامدة المشاهَدة التي لا نرى فيها شعورا، كأن كلا منها قد اتخذ صورةَ حاكمٍ مطلق والآخرون محكومون تحت سيطرته، وكأن كلا منها يسيطر على الأشياء كلها. انظر إلى هذه الماكنة التي بقربنا(6) كأنها تأمر فيهرع إليها من بعيد ما تحتاجه من لوازم لزينتها وعملها، وانظر إلى ذلك الجسم الذي لا شعور له،(7) كأنه يسخِّر بإشارةٍ خفيّة منه أضخَم جسمٍ وأكبره في شؤونه الخاصة ويجعله طوع إشارته.. وقس الأمور الأخرى على هذين المثالين.

فإن لم تفوِّض أمرَ إدارة المملكة إلى ذلك المالك الذي لا نراه، فعليك إذن أن تُحيل إلى كل مصنوعٍ ما للبديع من إتقان وكمالات، حتى لو كان حجرا أو ترابا أو حيوانا أو إنسانا أو أي مخلوق من المخلوقات.

فإذا ما استبعد عقلُك أن بديعا واحدا أحدا هو المالك لهذه المملكة وهو الذي يديرها، فما عليك إلاّ قبول ملايين الملايين من الصانعين المبدعين، بل بعدد الموجودات! كل منها نِدُّ للآخر ومثيلُه وبديلُه ومتدخل في شؤونه! مع أن النظام المتقن البديع يقتضي عدم التدخل، فلو كان هناك تدخل مهما كان طفيفا ومن أي شيء كان، وفي أي أمر من أمور هذه المملكة الهائلة، لظهر أثرُه واضحا، إذ تختلط الأمور وتتشابك إن كان هناك سيِّدان في قرية أو محافظانِ في مدينة أو سلطانانِ في مملكة. فكيف بحكامٍ لا يُعدّون ولا يُحصَون في مملكة منسقة بديعة؟!

البرهان الخامس

أيها الصديق المرتاب! تعالَ لندقّقْ في نقوش هذا القصر العظيم، وَلنُمعِن النظرَ في تزيينات هذه المدينة العامرة، ولنشاهد النظام البديع لهذه المملكة الواسعة، ولنتأمل الصنعة المتقنة لهذا العالم. فها نحن نرى أنه إن لم تكن هذه النقوش كتابةَ قلمِ المالك البديع الذي لا حدّ لمعجزاته وإبداعه، وأسندت كتابتُها ونقشُها إلى الأسباب التي لا شعورَ لها، وإلى المصادفة العمياء، وإلى الطبيعة الصماء، للزم إذن أن يكون في كل من أحجار هذه المملكة وعشبها مصوّر معجِز وكاتب بديع يستطيع أن يكتب ألوفَ الكتب في حرف واحد، ويمكنه أن يُدرِج ملايينَ الأعمال المتقنة البديعة في نقشٍ واحد. لأنك ترى أن هذا النقش الذي أمامك في هذه اللبنة(8) يضم نقوش جميع القصر، وينطوي على جميع قوانين المدينة وأنظمتها، ويتضمن خطط أعمالها. أي إن إيجاد هذه النقوش الرائعة معجزة عظيمة كإيجاد المملكة نفسها، فكل صنعة بديعة ليست إلاّ لوحةُ إعلانٍ تُفصح عن أوصاف ذلك الصانع البديع، وكلُّ نقش جميل هو ختم واضح من أختامه الدالة عليه.

فكما أنه لا يمكن لحرفٍ إلاّ أن يدل على كاتبه، ولا يمكن لنقشٍ إلاّ أن ينبئ عن نقاشه، فكيف يمكن إذن ألاّ يدل حرف كُتب فيه كتاب عظيم على كاتبه، ونقش نُقشَت ألوف النقوش على نقّاشه؟ ألا تكون دلالتُه أظهرَ وأوضحَ من دلالته على نفسه؟

البرهان السادس

تعالَ يا صديقي لنذهب إلى نـزهة نتجول في هذه الفلاة الواسعة (9) المفروشة أمامنا.. ها هو ذا جبل أشمُّ، تعال لنصعد عليه حتى نتمكن من مشاهدة جميع الأطراف بسهولة، ولنحمِل معنا نظارات مكبّرة تقرب لنا ما هو بعيد عن أنظارنا. فهذه المملكة فيها من الأمور العجيبة والحوادث الغريبة ما لا يخطر على بال أحد. انظر إلى تلك الجبال والسهول المنبسطة والمدن العامرة، إنه أمر عجيب حقا إذ يتبدل جميعُها دفعة واحدة، بل إن ملايين الملايين من الأفعال المتشابكة تتبدل تبدلا بكل نظام وبكل تناسق، فكأن ملايين الأطوال من منسوجات ملونة رائعة تُنسج أمامنا في آن واحد.. حقا إن هذه التحولات عجيبة جدا. فأين تلك الأزاهير التي ابتسمت لنا والتي أنِسنا بها؟.. لقد غابتْ عنا، وحلّت محلَّها أنواع مخالفة لها صورةً، مماثلة ماهية. وكأن هذه السهول المنبسطة وهذه الجبال المنصوبة صحائفُ كتاب يُكتب في كلٍّ منها كتب مختلفة في غاية الإتقان دون سهو أو خطأ ثم تُمسح تلك الكتب ويُكتب غيرُها.. فهل ترى يا صديقي أن تبدّل هذه الأحوال وتحوّل هذه الأوضاع الذي يتم بكل نظام وميزان يحدث من تلقاء نفسه؟. أليس ذلك محالا من أشد المحالات؟

فلا يمكن إحالة هذه الأشياء التي أمامنا وهي في غاية الإتقان والصنعة إلى نفسها قط، فذلك محال في محال. بل هي أدلة واضحة على صانعها البديع أوضحَ من دلالتها على نفسها، إذ تبيّن أن صانعَها البديع لا يُعجزه شيء، ولا يَؤودُه شيء، فكتابةُ ألف كتاب أمر يسير لديه ككتابة حرف واحد. ثم تأملْ يا أخي في الأرجاء كافة ترى أن الصانع الأعظم قد وضع بحكمةٍ تامة كلّ شيء في موضعه اللائق به. وأسبغ على كل شيء نِعَمه وكرمه بلطفه وفضله العميم. وكما يفتح أبواب نعمه وآلائه العميمة أمامَ كل شيء، يسعف رغبات كل شيء ويرسل إليه ما يُطمئنه.

وفي الوقت نفسه ينصب موائدَ فاخرة عامرة بالسخاء والعطاء بل يُنعم على مخلوقات هذه المملكة كافة من حيوان ونبات نِعَما لا حدّ لها، بل يُرسل إلى كل فرد باسمه ورسمه نعمتَه التي تلائمه دون خطأ أو نسيان. فهل هناك مُحال أعظم من أن تظن أن في هذه الأمور شيئا من المصادفة مهما كان ضئيلا؟ أو فيه شيئا من العبث وعدم الجدوى؟ أو أن أحدا غيرُ الصانع البديع قد تدخّل في أمور المملكة؟ أو أن يُتصوَّر أن لا يدين له كلُّ شيء في ملكه؟.. فهل تقدر يا صديقي أن تجد مبررا لإنكار ما تراه؟..

البرهان السابع

لنَدَع الجزئيات يا صاحبي، ولنتأمل في هذا العالم العجيب، ولنشاهد أوضاع أجزائه المتقابلة بعضها مع البعض الآخر.. ففي هذا العالم البديع من النظام الشامل والانتظام الكامل كأنّ كل شيء فاعل مختار حي يشرف على نظام المملكة كلها، ويتحرك منسجما مع ذلك النظام العام. حتى ترى الأشياء المتباعدة جدا يسعى الواحد منها نحو الآخر للتعاون والتآزر.

انظر! إن قافلة مهيبة تنطلق من الغيب(10) مُقبلةً علينا. فهي قافلة تحمل صحون أرزاق الأحياء.. ثم انظر إلى ذلك المصباح الوضيء(11) المعلق في قبة المملكة فهي تنير الجميع وتُنضج المأكولات المعلقة بخيط دقيق(12) والمعروضة أمامه بيدٍ غيبية. ألا تلتفت معي إلى هذه الحيوانات النحيفة الضعيفة العاجزة كيف يسيل إلى أفواهها غذاء لطيف خالص يتدفق من مضخات(13) متدلية فوق رؤوسها، وحسبها أن تلصق أفواهَها بها!

نخلص من هذا:أنه ما من شيء في هذا العالم إلاّ وكأنه يتطلع إلى الآخر فيُغيثَه، أو يرى الآخر فيشد من أزره ويعاونه.. فيكمل الواحدُ عملَ الآخر ويكون ظهيرُه وسنده، ويتوجه الجميع جنبا إلى جنب في طريق الحياة.. وقِس على ذلك فهذه الظواهر جميعها تدلنا دلالة قاطعة وبيقين جازم إلى أنه ما من شيء في هذا القصر العجيب إلاّ وهو مسخّر لمالكه القدير ولصانعه البديع ويعمل باسمه وفي سبيله، بل كل شيء بمثابة جندي مطيع متأهب لتلقي الأوامر. فكل شيء يؤدي ما كُلّف به من واجب بقوة مالكه وحوله، فيتحرك بأمره، وينتظم بحكمته، ويتعاون بكرمه وفضله، ويغيث الآخرين برحمته. فإن كنتَ تستطيع يا أخي إبداء شيء من الاعتراض والشك أمام هذا البرهان فَهاتِهِ.

البرهان الثامن

تعال يا صاحبي المتعاقل ويا مثيل نفسي الأمّارة بالسوء التي تعدّ نفسها رشيدة وتُحسن الظن بنفسها.. أراك يا صاحبي ترغب عن معرفة صاحب هذا القصر البديع، مع أن كل شيء يدل عليه، وكل شيء يشير إليه، وكل شيء يشهد بوجوده. فكيف تجرؤ على تكذيب هذه الشهادات كلها؟. إذن عليك أن تنكر وجود القصر نفسه، بل عليك أن تعلن أنه لا قصر ولا مملكة ولا شيء في الوجود. بل تنكر نفسَك وتعدّها معدومةً لا وجود لها!.. أو عليك أن تعود إلى رُشدك وتصغي إليّ جيدا، فها أنا أضع بين يديك هذا المنظر:

تأمل في هذه العناصر والمعادن (14) التي تعم هذه المملكة والتي توجد في كل أرجاء هذا القصر. ومعلوم أنه ما من شيء ينتج في هذه المملكة إلاّ من تلك المواد. فَمن كان مالكا لتلك المواد والعناصر فهو إذن مالك لكل ما يُصنع وينتج فيها. إذ مَن كان مالكا للمزرعة فهو مالكُ المحاصيل، ومَن كان مالكا للبحر فهو مالك لما فيه.

ثم انظر يا صاحبي إلى هذه المنسوجات والأقمشة الملونة المزدانة بالأزهار. إنها تُصنع من مادة واحدة. فالذي هيَّأ تلك المادة وغَزَلها لابد أنه واحد، لأن تلك الصنعة لا تقبل الاشتراك، فالمنسوجات المتقنة تخصّه هو. ثم التفت إلى هذا: إن أجناس هذه المنسوجات موجودة في كل جزء من أجزاء هذا العالم العجيب وقد انتشرت انتشارا واسع النطاق حتى إنها تُنسَج معا وبتداخل في آن واحد وبنمط واحد في كل مكان. أي إنه فعلُ فاعلٍ واحد، فالجميع يتحرك بأمرٍ واحد. وإلاّ فمحال أن يكون هناك انسجام تام وتوافق واضح في العمل وفي آن واحد وبنمط واحد وبنوعية واحدة وهيأة واحدة في جميع الأنحاء، لذا فإن كل ما هو متقن الصنع يدل دلالة واضحة على ذلك الفاعل الذي لا نراه، بل كأنه يعلن عنه صراحةً، بل كأن كل نسيج مغرز بالزهور، وكل ماكنة بديعة، وكل مأكول لذيذ، إنما هو علامة الصانع المعجِز وخاتمه وآيته وطغراؤه فكل منه يقول بلسان الحال: "مَن كنتُ أنا مصنوعُه، فموضعي الذي أنا فيه مُلكُه". وكل نقش يقول: "مَن قام بنسجي ونقشي فلفيف القماش الذي أنا فيه هو منسوجُه". وكل لقمة لذيذة تقول: "مَن يصنعني ويُنضجني فالقِدر الذي أطبخُ فيه مُلكُه". وكل ماكنة تقول: "مَن قام بصنعي فكل ما في العالم من أمثالي مصنوعُه وهو مالكه. أي مَن كان مالكا للمملكة والقصر كله فهو الذي يمكنه أن يَملِكَنا". وذلك بمثـل مَن أراد أن يدّعي تملّك أزرار البزة العسكرية ووضع شعار الدولة عليها لابد أن يكون مالكا لمصانعها كلها حتى يكون مالكا حقيقيا، وإلا فليس له إلاّ الادعاء الكاذب، بل يعاقب على عمله ويُؤاخذ على كلامه.

الخلاصة: كما أن عناصر هذه المملكة مواد منتشرة في جميع أرجائها فمالكُها إذن واحد يملك ما في المملكة كلها، كذلك المصنوعات المنتشرة في أرجاء المملكة لأنها متشابهة تُظهِر علامة واحدة وناموسا واحدا، فجميعُها إذن تدل على ذلك الواحد المهيمن على كل شيء.

فيا صديقي! إن علامة الوحدة ظاهرة في هذا العالم، وآية التوحيد واضحة بيّنة، ذلك لأن قسما من الأشياء رغم أنه واحد فهو موجود في العالم كله، وقسم آخر رغم تعدد أشكاله فإنه يُظهِر وحدةً نوعيةً مع أقرانه لتشابهه وانتشاره في الأرجاء، وحيث إن الوحدةَ تدل على الواحد كما هو معلوم، لذا يلزم أن يكون صانع هذه الأشياء ومالكها واحدا أحدا. زد على هـذا فإنك ترى أنها تُقدَّم إلينا هـدايا ثمينة من وراء ستار الغيب، فتتدلى منه خيوط وحبال(15) تحمل ما هو أثمن من الماس والزمرد من الآلاء والإحسان.

إذن فقدّر بنفسك مدى بلاهة مَن لا يعرف الذي يدير هذه الأمور العجيبة ويقدّم هذه الهدايا البديعة؟ قدّر مدى تعاسة مَن لا يؤدي شكرَه عليها! إذ إن جهلَه به يُرغمه على التفوّه بما هو من قبيل الهذيان، فيقول -مثلا-: إن تلك اللآلئ المرصعات تَصنعُ نفسها بنفسها!. أي يُلزمه جهلُه أن يمنح معنى السلطان لكل حبلٍ من تلك الحبال! والحال أننا نرى أن يدا غيبية هي التي تمتد إلى تلك الحبال فتصنعها وتقلدها الهدايا. أي إن كل ما في هذا القصر يدل على صانعه المبدع دلالة أوضح من دلالته على نفسه. فإن لم تعرفه يا صاحبي حق المعرفة فستهوي إذن في درك أحط من الحيوانات، لأنك تضطر إلى إنكار جميع هذه الأشياء.

البرهان التاسع

أيها الصديق الذي يُطلق أحكامه جزافا، إنك لا تعرف مالكَ هذا القصر ولا تَرغب في معرفته، فتستبعد أن يكون له مالك، وتنساق إلى إنكار أحواله لعَجز عقلك عن أن يستوعب هذه المعجزات الباهرة والروائع البديعة، مع أن الاستبعاد الحقيقي، والمشكلات العويصة والصعوبات الجمّة في منطق العقل إنما هو في عدم معرفة المالك والذي يُفضي بك إلى إنكار وجود هذه المواد المبذولة لك، بأثمانها الزهيدة ووفرتها العظيمة. بينما إذا عرفناه يكون قبول ما في هذا القصر، وما في هذا العالم سهلا ومستساغا ومعقولا جدا، كأنه شيء واحد، إذ لو لم نعرفه ولولاه، لكان كل شيء عندئذٍ صعبا وعسيرا بل لا ترى شيئا مما هو متوفر ومبذول أمامك. فإن شئت فانظر فحسب إلى عُلَب المُربيات(16) المتدلية من هذه الخيوط. فلو لم تكن من إنتاج مطبخ تلك القدرة المعجزة، لما كان باستطاعتك الحصول عليها ولو بأثمان باهظة.

نعم، إن الاستبعاد والمشكلات والصعوبة والهلاك والمحال إنما هو في عدم معرفته، لأن إيجاد ثمرة -مثلا- يكون صعبا ومشكلا كالشجرة نفسها فيما إذا رُبط كلُّ ثمرة بمراكز متعددة وقوانين مختلفة، بينما يكون الأمر سهلا مستساغا إذا ما كان إيجاد الثمرة بقانون واحد ومن مركز واحد فيكون إيجاد آلاف الأثمار كإيجاد ثمرة واحدة. مَثلُه في هذا كمثل تجهيز الجيش بالعتاد، فإن كان من مصدرٍ واحد وبقانون واحد ومن معمل واحد، فالأمر سهل ومستساغ عقلا. بينما إذا جُهّز كلُّ جندي بقانون خاص ومن مصدر خاص ومن معمل يخصه، فالأمر صعب ومُشكل جدا، بل سيحتاج ذلك الجندي حينئذٍ إلى مصانع عتاد ومراكز تجهيزات وقوانين كثيرة بعدد أفراد جيش كامل.

فعلى غِرار هذين المثالين، فإن إيجاد هذه الأشياء في هذا القصر العظيم والمدينة الرائعة، وفي هذه المملكة الراقية والعالم المهيب إذا ما أسند إلى واحدٍ أحد فإن الأمر سهل ومستساغ حيث يكون ما نراه من وفرة الأشياء وكثرتها واضحا، بينما إن لم يُسند الأمر إليه يكون إيجاد أي شيء كان عسيرا جدا، بل لا يمكن إيجاده أصلا حتى لو أعطيت الدنيا كلها ثمنا له.

البرهان العاشر

أيها الصديق ويا من يتقرب شيئا فشيئا إلى الإنصاف.. فها نحن هنا منذ خمسة عشر يوما،(17) فإن لم نعرف أنظمة هذه البلاد وقوانينها ولم نعرف مليكها فالعقاب يحق علينا، إذ لا مجال لنا بعدُ للاعتذار. فلقد أمهلونا طوال هذه الأيام، ولم يتعرضوا لنا بشيء. إلاّ أننا لا شك لسنا طلقاء سائبين، فنحن في مملكة رائعة بديعة فيها من الدقّة والرقة والعبرة في المصنوعات المتقنة ما ينمّ عن عظمة مليكها، فلابد أن جزاءه شديد أيضا. وتستطيع أن تفهم عظمة المالك وقدرته من هذا:

إنه ينظّم هذا العالم الضخم بسهولة تنظيم قصر منيف، ويدير أمورَ هذا العالم العجيب بيسر إدارة بيتٍ صغير، ويملأ هذه المدينة العامرة بانتظام كامل دون نقص ويخلّيها من سكانها بحكمة تامة بمثل سهولة مِلءَ صحن وإفراغه. وينصب الموائد الفخمة المتنوعة(18) ويُعد الأطعمة اللذيذة بكمال كرمه بيد غيبية ويفرشها من أقصى العالم إلى أقصاه ثم يرفعها بسهولة وضع سُفرة الطعام ورفعها. فإن كنت فطنا فستفهم أن هذه العظمة والهيبة لابد أنها تنطوي على كرم لا حدَّ له وسخاء لا حدود له.

ثم انظر كما أن هذه الأشياء شاهدةُ صدقٍ على عظمة المالك القدير وعلى هيمنته، وعلى أنه سلطان واحد أحد، كذلك القوافل المتعاقبة والتحولات المترادفة دليل على دوام ذلك السلطان وبقائه، لأن الأشياء الزائلة إنما تزول معها أسبابُها أيضا. فالأشياء والأسباب تزولان معا، بينما التي تعقبها تأتي جديدة ولها آثار كسابقتها، فهي إذن ليست من فعل تلك الأسباب، بل ممن لا يطرأ عليه الزوال! فكما أن بقاءَ اللمعان والتألّق -بعد زوال حَباب النهر الجاري- في التي تعقبها من الحباب، يفهّمنا أن هذا التألق ليس من الحباب الزائلة بل من مصدر نور دائم، كذلك تبدّل الأفعال بالسرعة المذهلة، وتلوّن التي تعقبها وانصباغها بصفاتها يدلنا على أن تلك الأفعال إنما هي تجلياتُ مَن هو دائم لا يزول وقائم لا يحول. والأشياء جميعا نقوشُه ومراياه وصنعتُه ليس إلاّ.

البرهان الحادي عشر

تعالَ أيها الصديق لأبيّن لك برهانا يملك من القوة ما للبراهين العشرة السابقة. دعنا نتأهب لسفرة بَحرية، سنركب سفينة(19) لنذهب إلى جزيرة بعيدة عنا. أتعلم لماذا نذهب إليها؟. إن فيها مفاتيح ألغاز هذا العالَم ومغاليق أسراره وأعاجيبه. ألا ترى أنظار الجميع محدقة بها، ينتظرون منها بلاغا ويتلقون منها الأوامر.. فها نحن نبدأ بالرحلة.. وها قد وصلنا إليها ووطئت أقدامُنا أرضَ الجزيرة.. نحن الآن أمام حشد عظيم من الناس وقد اجتمع أشراف المملكة جميعُهم هنا.. أمعِن النظرَ يا صديقي إلى رئيس الاجتماع المهيب.. هلاّ نتقرب إليه قليلا فنعرفه عن كثب.. فها هو ذا متقلّد أوسمةً راقية تزيد على الألف(20) ويتحدث بكلام مِلؤُه الطيب والثقة والاطمئنان. وحيث إني كنت قد تعلمت شيئا مما يقـول خلالَ خمسة عشر يوما السابقة فسوف أعلّمك إياه.. إنه يتحدث عن سلطان هذه المملكة ذي المعجزات ويقول: إنه هو الذي أرسله إليكم. انظر إنه يُظهر خوارق عجيبة ومعجزات باهرة بحيث لا يدع شبهة في أنه مُرسَل خصيصا من لدن السلطان العظيم. اصغِ جيدا إلى حديثه وكلامه، فجميعُ المخلوقات آذان صاغية له، بل المملكة برمّتها تصغي إليه، حيث الجميع يسعون إلى سماع كلامه الطيب ويتلهفون لرؤية محياه الزاهر. أوَ تظن أن الإنسان وحده يصغي إليه فحسب؟ بل الحيوانات أيضا، بل حتى الجبال والجمادات تصغي لأوامره وتهتز من خشيتها وشوقها إليه. انظر إلى الأشجار كيف تنقاد إلى أوامره وتذهب إلى ما أشار إليه من مواضع، إنه يفجّر الماء أينما يريد، بل حتى من بين أصابعه، فيرتوي الناس من ذلك الماء الزلال. انظر إلى ذلك المصباح المتدلي من سقف المملكة(21) إنه ينشقّ إلى شقين اثنين بمجرد إشارة منه. فكأن هذه المملكة وبما فيها تعرفه جيدا وتعلم يقينا أنه موظف مُرسل بمهمة من لدن السلطان، ومبلّغ أمين لأوامره الجليلة. فتراهم ينقادون له انقياد الجندي المطيع. فما من راشد عاقل ممن حوله إلاّ ويقول إنه رسول كريم، ويصدقونه ويذعنون لكلامه، ليس هذا فحسب بل يصدّقه ما في المملكة من الجبال والمصباح العظيم.(22) والجميع يقولون بلسان الحال وبخضوع: نعم.. نعم إن كل ما ينطق به صدق وعدل وصواب..

فيا أيها الصديق الغافل! هل ترى أنه يمكن أن يكون هناك أدنى احتمال لكذبٍ أو خداع في كلام هذا الكريم؟ حاش للّٰه أن يكون من ذلك شيء من كلامه أبدا. وهو الذي أكرمه السلطان بألفٍ من الأنواط والشارات، وهي علامات تصديقه له، وجميعُ أشراف المملكة يصدّقونه، وكلامُه كله ثقة واطمئنان، فهو يبحث في أوصاف السلطان المعجِز وعن أوامره البليغة. فإن كنت تجد في نفسك شيئا من احتمال الكذب، فيلزم عليك أن تكذّب كل الجماعات المصدّقة به، بل تنكر وجود القصر والمصابيح وتنكر وجود كل شيء وتكذّب حقيقتَهم، وإلاّ فهاتِ ما عندك إن كان لديك شيء، فالدلائل تتحدى.

البرهان الثاني عشر

أيها الأخ لعلك استرشدتَ بما قلنا شيئا فشيئا. فسأبين لك الآن برهانا أعظم من جميع البراهين السابقة.

انظر إلى هذه الأوامر السلطانية النازلة من الأفق الأعلى، الجميع يوقرونها وينظرون إليها بإجلال وإعجاب، وقد وقف ذلك الشخص الكريم المجلل بالأوسمة بجانب تلك الأوامر النورانية(23) ويفسّر للحشود المجتمعة معاني تلك الأوامر. انظر إلى أسلوب الأوامر أنه يشع ويسطع حتى يسوق الجميع إلى الإعجاب والتعظيم. إذ يبحث في مسائل جادّة تهمّ الجميع بحيث لا يدع أحدا إلاّ ويصغي إليه. إنه يفصّل تفصيلا كاملا شؤون السلطان وأفعاله وأوامره وأوصافه. فكما أن على تلك الأوامر السلطانية طغراء السلطان نفسه فعلى كل سطر من سطورها أيضا شارته، بل إذا أمعنت النظرَ فعلى كل جملة بل كل حرف فيها خاتمه الخاص فضلا عن معانيها ومراميها وأوامرها ونواهيها.

الخلاصة: إن تلك الأوامر السلطانية تدل على ذلك السلطان العظيم كدلالة الضوء على النهار.

فيا أيها الصديق: أظنك قد عُدت إلى صوابك وأفَقْت من نوم الغفلة، فإنّ ما ذكرناه لك وبسطناه من براهين لكافٍ ووافٍ. فإن بدا لك شيء فاذكره.

فما كان من ذلك المعاند إلاّ أن قال:

لا أقول إلاّ: الحمد للّٰه، لقد آمنت وصدقت، بل آمنت إيمانا واضحا أبلجَ كالشمس وكالنهار، ورضيت بأن لهذه المملكة ربّا ذا كمال، ولهذا العالَم مولى ذا جلال، ولهذا القصر صانعا ذا جمال. ليرضَ اللّٰه عنك يا صديقي الحميم فقد أنقذتني من إسار العناد والتعصب الممقوت الذي بلغ بي حدَّ الجنون والبلاهة، ولا أكتمك يا أخـي، فإن ما سقـتَه من براهـين، كلُّ واحد منها كان برهانا كافيا ليوصلني إلى هذه النتيجة، إلاّ أنني كنت أصغي إليك لأن كل برهان منها قد فتح آفاقا أرحبَ ونوافذ أسطعَ إلى معرفة اللّٰه وإلى محبته الخالصة.

وهكذا تمت الحكاية التي كانت تشير إلى الحقيقةالعظمى للتوحيد والإيمان باللّٰه.

وسنبين في المقام الثاني بفضل الرحمن وفيض القرآن الكريم ونور الإيمان، مقابل ما جاء من اثنى عشر برهانا في الحكاية التمثيلية اثنتي عشرة لمعة من لمعات شمس التوحيد الحقيقي بعد أن نمهّد لها بمقدمة.

نسأل اللّٰه التوفيق والهداية.

 

 

 

 

______________________________________

(1) إشارة إلى البذور والنوى التي تحمل أشجارا ضخمة. (المؤلف)

(2) إشارة إلى سيقان العنب مثلا، التي تمد أيديها اللطيفة وتعانق الأشجار الأخرى، لضعفها عن حمل عناقيدها الغنية. (المؤلف)

(3) إشارة إلى البذور المتنوعة، فبذور البطيخ والخوخ وغيرها تنسج أوراقا أجمل من أجود قماش، وتقدم لنا ثمارا طيبة هي ألذ من الحلوى تأتي بها من خزينة الرحمة الإلهية. (المؤلف)

(4) إشارة إلى خلق جسم الحيوان من العناصر، وإلى إيجاد الكائن الحي من النطفة. (المؤلف)

(5) إشارة إلى الحيوانات والإنسان، لأن الحيوان فهرس مصغّر لهذا العالم، والماهية الإنسانية مثال مصغر للكائنات، فما من شيء في العالم إلاّ ونموذجه في الإنسان.(المؤلف)

(6) إشارة إلى النباتات المثمرة لأنها تحمل مئات المصانع والمعامل الدقيقة في أعضائها الرقيقة فتنسج الأوراق اللطيفة والأزهار الزاهية وتُنضج الثمار اليانعة وتقدّمها إلينا. ومنها أشجار الصنوبر الشامخة التي نصبت معاملها على الصخور الصماء في الجبال. (المؤلف)

(7) إشارة إلى الحبوب والبذيرات وبيوض الحشرات، فتضع البعوضة مثلا بيوضها على أوراق شجرة، فإذا الورقة تكون لها كرحم الأم والمهد اللطيف، وتمتلئ بغذاء لذيذ كالعسل. فكأن تلك الشجرة غير المثمرة تثمر كائنات حية.(المؤلف)

(8) إشارة إلى الإنسان الذي هو ثمرة الخلقة، وإلى الثمرة التي تحمل فهرس شجرتها وبرنامجها. فما كتبه قلمُ القُدرة في كتاب العالم الكبير قد كتبه مجملا في ماهية الإنسان، وما كتبه قلمُ القَدَر في الشجرة قد دَرَجه في ثمرتها الصغيرة. (المؤلف)

(9) إشارة إلى سطح الأرض في موسمَي الربيع والصيف. حيث تُخلق مئات الألوف من المخلوقات خلقا متداخلا متشابكا، وتُكتب على صحيفة الأرض دون خطأ ولا قصور، وتُبدّل بانتظام، فتُفرش ألوف مِن ضيافات الرحمن، ثم تُرفع وتُجدد. فكأن كل شجرة خادم مطعم، وكل بستان مطبخ لإعداد المأكولات. (المؤلف)

(10) وهي قافلة النباتات الحاملة لأرزاق الأحياء كافة. (المؤلف)

(11) إشارة إلى الشمس. (المؤلف)

(12) إشارة إلى أغصان الشجرة الدقيقة الحاملة للأثمار اللذيذة. (المؤلف)

(13) إشارة إلى ثدي الأمهات. (المؤلف)

(14) إشارة إلى عناصر الهواء والماء التي تؤدي وظائف مهمة شتى، وتمد كل محتاج بإذن اللّٰه وتنتشر في كل مكان بأمر اللّٰه فتهيئ لوازم الحياة لذوي الحياة، وهي الأصل في خيوط نقش المصنوعات الإلهية.(المؤلف)

(15) الحبل إشارة إلى الشجرة المثمرة، والخيوط الرفيعة إشارة إلى أغصانها، أما الهدايا والمرصعات، فهي إشارة إلى أنواع الأزهار وأضراب الثمار.(المؤلف)

(16) معلبات المربيات، إشارة إلى البطيخ والشمام والرمان وغيرها من معلبات القدرة الإلهية، وكل ذلك هدايا الرحمة الإلهية. (المؤلف)

(17) إشارة إلى سن التكليف البالغ خمس عشرة سنة. (المؤلف)

(18) إشارة إلى وجه الأرض في الربيع والصيف حيث تخرج أطعمة لذيذة متنوعة من مطبخ الرحمة الإلهية وتُنصَب موائد النعم المتنوعة المختلفة وتجدد باستمرار، فكل بستان مطبخ، وكل شجرة خادم المطبخ. (المؤلف)

(19) السفينة إشارة إلى التاريخ، والجزيرة إشارة إلى خير القرون وهو قرن السعادة النبوية. فإذا خلعنا ما ألبَسَتنا الحضارةُ الدنيّة من ملابسَ على ساحل هذا العصر المظلم، والقينا أنفسنَا في بحر الزمان، وركبنا سفينة كُتب التاريخ والسيرة الشريفة ووصلنا إلى ساحل جزيرة عصر السعادة والنور، وبلغنا الجزيرة العربية، وحظينا بالرسول الكريم rوهو يزاول مهمة النبوّة المقدسة، عند ذلك نعلم أن ذلك النبي rإنما هو برهان باهر للتوحيد ودليل ساطع عليه بحيث نوّرَ سطح الأرض جميعا، وأضاء وجهَي الزمان الماضي والمستقبل ومحا ظلمات الكفر والضلالة. (المؤلف)

(20) إشارة إلى المعجزات التي أظهرها الرسول الكريم rوهي ثابتة عند أولى العلم والتحقيق.(المؤلف)

(21) إشارة إلى القمر، ومعجزة شق القمر. فقد قال مولانا جامي: إن ذلك الأمي الذي لم يكتب في حياته شيئا غير ما كتبه بإصبعه حرف ألف على صحيفة السماء فشق به القمر شقين.... (المؤلف)

(22) إشارة إلى الشمس التي رجعت عن المغيب بعودة الأرض من المشرق ، فشوهدت من جديد، وبناء على هذه المعجزة أدّى الإمام علي رضي اللّٰه عنه صلاة العصر التي كادت تفوته، وذلك بسبب نوم الرسول rعلى فخذه. (المؤلف)

(23) إشارة إلى القرآن الكريم والعلامة الموضوعة عليه إشارة إلى إعجازه. (المؤلف)