الكلمة الحادية والعشرون

 

عبارة عن مقامين

المقام الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾(النساء:103)

قال لي أحدهم يوما وهو كبير سنا وجسما ورتبة: "إنّ أداء الصلاة حسن وجميل، ولكن تكرارها كل يوم، وفي خمسة أوقات كثير جدا فكثرتها هذه تجعلها مملّة!.."

وبعد مرور فترة طويلة على هذا القول، أصغيت إلى نفسي فإذا هي أيضا تردد الكلام نفسه!! فتأملت فيها مليّا، وإذا بها قد أخذت -بطريق الكسل- الدرسَ نفسَه من الشيطان، فعلمتُ عندئذ أنّ ذلك الرجل كأنه قد نطقَ بتلك الكلمات بلسان جميع النفوس الأمارة بالسوء، أو أُنطق هكذا. فقلت ما دامت نفسي التي بين جنبيّ أمَّارة بالسوء فلابد أن أبدأ بها أولا لأنّ مَن عجز عن إصلاح نفسه فهو عن غيرها أعجزُ، فخاطبتها:

يا نفسي!.. اسمعيها مني "خمس تنبيهات" مقابل ما تفوهتِ به وأنتِ منغمسة في الجهل المركب سادرة في نوم الغفلة على فراش الكسل.

التنبيه الأول

يا نفسي الشقية! هل إنّ عمركِ أبديّ؟ وهل عندك عهد قطعي بالبقاء إلى السنة المقبلة بل إلى الغد؟ فالذي جعلكِ تملّين وتسأمين من تكرار الصلاة هو توهمكِ الأبدية والخلود، فتظهرين الدلال وكأنك بترفك مخلّدة في هذه الدنيا. فإن كنت تفهمين أنّ عمركِ قصير، وأنّه يمضي هباء دون فائدة، فلا ريب أنّ صرف جزء من أربعةٍ وعشرين منه في أداء خدمة جميلة ووظيفة مريحة لطيفة، وهي رحمة لك ووسيلة لحياة سعيدة خالدة، لا يكون مدعاة إلى الملل والسأم، بل وسيلة مثيرة لشوق خالص ولذوقٍ رائع رفيع.

التنبيه الثاني

يا نفسي الشرهة! إنكِ يوميا تأكلين الخبز، وتشربين الماء، وتتنفسين الهواء، أمَا يورث هذا التكرار مللا وضجرا؟ كلا، دون شك! لأنّ تكرارَ الحاجة لا يجلب الملل بل يجدّد اللذة. لهذا فالصلاة التي تجلب الغذاء لقلبي، وماء الحياة لروحي، ونسيم الهواء لِلّطيفة الربانية الكامنة في جسمي، لابد أنّها لا تجعلك تملّين ولا تسأمين أبدا.

نعم، إنّ القلب المتعرض لأحزان وآلام لا حدّ لها، المفتونَ بآمال ولذائذ لا نهاية لها، لا يمكنه أن يكسب قوةً ولا غذاء إلاّ بطرق باب الرحيم الكريم، القادر على كل شيء بكل تضرع وتوسل.

وإنّ الروح المتعلقة بأغلب الموجودات الآتية والراحلة سريعا في هذه الدنيا الفانية، لا تشرب ماء الحياة إلاّ بالتوجه بالصلاة إلى ينبوع رحمة المعبود الباقي والمحبوب السرمدي.

وإن السر الإنساني الشاعر الرقيق اللطيف، وهو اللطيفة الربانية النورانية، والمخلوق للخلود، والمشتاق له فطرةً والمرآة العاكسة لتجليات الذات الجليلة، لابد أنّه محتاج أشدَّ الحاجة إلى التنفس، في زحمةِ وقساوة وضغوط هذه الأحوال الدنيوية الساحقة الخانقة العابرة المظلمة، وليس له ذلك إلاّ بالاستنشاق من نافذة الصلاة.

التنبيه الثالث

يا نفسي الجزعة! إنّكِ تضطربين اليوم من تذكر عناء العبادات التي قمت بها في الأيام الماضية، ومن صعوبات الصلاة وزحمة المصائب السابقة، ثم تتفكرين في واجبات العبادات في الأيام المقبلة وخدمات أداء الصلوات، وآلام المصائب، فتظهرين الجزع، وقلة الصبر ونفاده. هل هذا أمر يصدر ممَّن له مِسْكة من عقل؟

إنّ مثلكِ في عدم الصبر هذا مثلُ ذلك القائد الأحمق الذي وجَّه قوةً عظيمة من جيشه إلى الجناح الأيمن للعدو، في الوقت الذي التحق ذلك الجناح من صفوف العدو إلى صفّه، فأصبح له ظهيرا. ووجّه قوته الباقية إلى الجناح الأيسر للعدو، في الوقت الذي لم يكن هناك أحد من الجنود. فأدرك العدو نقطة ضعفه فسدد هجومَه إلى القلب فدمّره هو وجيشَه تدميرا كاملا.

نعم، إنكِ تشبهين هذا القائد الطائش، لأنّ صعوباتِ الأيام الماضية وأتعابها قد ولّت، فذهبت آلامُها وظلت لذّتها وانقلبت مشقتها ثوابا، لذا لا تولّد مللا بل شوقا جديدا وذوقا نديّا وسعيا جادا دائما للمضيّ والإقدام. أمَّا الأيام المقبلة، فلأنها لم تأتِ بعدُ، فإنّ صرف التفكير فيها من الآن نوع من الحماقة والبلهِ، إذ يشبه ذلك البكاءُ والصراخ من الآن، لما قد يحتمل أن يكون من العطش والجوع في المستقبل!..

فما دام الأمر هكذا، فإن كان لك شيء من العقل، ففكري من حيث العبادة في هذا اليوم بالذات. قولي سأصرف ساعة منه في واجبٍ مهم لذيذ جميل، وفي خدمةٍ سامية رفيعة ذات أجر عظيم وكلفة ضئيلة. وعندها تشعرين أنّ فتورَك المؤلم قد تحوّل إلى همة حلوة، ونشاط لذيذ.

فيا نفسي الفارغة من الصبر! إنّكِ مكلفة بثلاثة أنواع من الصبر.

الأول: الصبر على الطاعة.

الثاني: الصبر عن المعصية.

الثالث: الصبر عند البلاء.

فإن كنتِ فطنة فخذي الحقيقةالجلية في مثال القائد -في هذا التنبيه- عبرةً ودليلا، وقولي بكل همة ورجولة "يا صبور!" ثم خذي على عاتقك الأنواع الثلاثة من الصبر. واستندي إلى قوة الصبر المودعة فيك وتجمّلي بها، فإنّها تكفي للمشقات كلها، وللمصائب جميعها ما لم تبعثريها خطأ في أمور جانبية.

التنبيه الرابع

يا نفسي الطائشة! يا تُرى هل أنّ أداء هذه العبودية دون نتيجة وجدوى؟! وهل أنّ أجرتها قليلة ضئيلة حتى تجعلك تسأمين منها؟ مع أنّ أحدنا يعمل إلى المساء ويكدّ دون فتور إن رغّبه أحد في مالٍ أو أرهبَهُ.

إنّ الصلاة التي هي قوت لقلبك العاجز الفقير وسكينة له في هذا المضيف الموقت وهو الدنيا. وهي غذاء وضياء لمنـزلك الذي لابد أنّكِ صائرة إليه، وهو القبر. وهي عهد وبراءة في محكمتك التي لا شك أنكِ تحشرين إليها. وهي التي ستكون نورا وبُراقا على الصراط المستقيم الذي لابد أنّكِ سائرة عليه.. فصلاة هذه نتائجها، هل هي بلا نتيجة وجدوى ؟ أمْ أنها زهيدة الأجرة ؟!

وإذا وَعَدَكِ أحد بهدية مقدارها مائة ليرة، فسوف يستخدمك مائة يوم وأنتِ تسعَين وتعملين معتمدة على وعده دون ملل وفتور، رغم أنّه قد يخلف الوعد. فكيف بمن وعدك وهو لا يخلف الوعد مطلقا ؟؟ فخُلف الوعد عنده محال! وعدك أجرةً وثمنا هي الجنة، وهدية عظيمة هي السعادة الخالدة، لتؤدي له واجبا ووظيفة لطيفة مريحة وفي فترة قصيرة جدا. ألا تفكرين في أنكِ إن لم تؤدِّ تلك الوظيفة والخدمة الضئيلة، أو قمتِ بها دون رغبة أو بشكلٍ متقطع، فإنكِ إذن تستخفّين بهديته، وتتهمينه في وعده! ألا تستحقين إذن تأديبا شديدا وتعذيبا أليما ؟ ألا يثير همتك لتؤدي تلك الوظيفة التي هي في غاية اليسر واللطف خوفَ السجن الأبدي وهو جهنم. علما أنّكِ تقومين بأعمال مرهقة وصعبة دون فتور خوفا من سجن الدنيا، وأين هذا من سجن جهنم الأبدي ؟!

التنبيه الخامس

يا نفسي المغرمة بالدنيا!.. هل إنّ فتورك في العبادة وتقصيرك في الصلاة ناشئان من كثرة مشاغلك الدنيوية؟ أمْ إنّك لا تجدين الفرصة لغلبة هموم العيش؟!

فيا عجبا هل أنتِ مخلوقة للدنيا فحسب، حتى تبذلي كل وقتك لها؟ تأملي، إنّك لا تبلغين أصغرَ عصفور من حيث القدرة على تدارك لوازم الحياة الدنيا رغم أنّكِ أرقى من جميع الحيوانات فطرةً. لِمَ لا تفهمين من هذا أنّ وظيفتكِ الأصلية ليس الانهماك بالحياة الدنيا والاهتمام بها كالحيوانات، وإنّما السعيُ والدأب لحياة خالدة كالإنسان الحقيقي. مع هذا، فإنّ أغلبَ ما تذكرينه من المشاغل الدنيوية هي مشاغل ما لا يعنيك من الأمور، وهي التي تتدخلين فيها بفضول، فتهدرين وقتك الثمين جدا فيما لا قيمة له ولا ضرورة ولا فائدة منه، كتعلّم عدد الدجاج في أمريكا! أو نوع الحلقات حول زحل. وكأنّكِ تكسبين بهذا شيئا من الفَلك والإحصاء! فتَدَعين الضروري والأهم والألزم من الأمور كأنكِ ستعمّرين آلاف السنين؟!

فإن قلت: إنّ الذي يصرفني ويفترني عن الصلاة والعبادة ليس مثل هذه الأمور التافهة، وإنّما هي أمور ضرورية لمطالب العيش. إذن فاسمعي مني هذا المثل:

إن كانت الأجرة اليومية لشخصٍ مائة قرش وقال له أحدهم: "تعال واحفرْ لعشر دقائق هذا المكان، فإنّك ستجد حجرا كريما كالزمرد قيمتُه مائة ليرة" كم يكون عذرا تافها بل جنونا إنْ رفض ذلك بقوله: "لا، لا أعملُ، لأن أجرتي اليومية ستنقص".

وكذلك حالك، فإن تركت الصلاة المفروضة، فإنّ جميع ثمار سعيك وعملك في هذا البستان ستنحصر في نفقةٍ دنيوية تافهة دون أن تجنى فائدتها وبركتها. بينما لو صرفت وقت راحتك بين فترات العمل في أداء الصلاة، التي هي وسيلة لراحة الروح، ولتنفس القلب، يضاف عندئذٍ إلى نفقتك الأخروية وزاد آخرتك مع نفقتك الدنيوية المباركة، ما تجدينه من منبع عظيم لكنـزَين معنويين دائمين وهما:

الكنـز الأول: ستأخذ(1) حظك ونصيبك من "تسبيحات" كل ما هيأته بنيّة خالصة، من أزهار وثمار ونباتات في بستانك.

الكنـز الثاني:أنّ كل مَن يأكل من محاصيل بستانك -سواء أكان حيوانا أمْ إنسانا شاريا أو سارقا- يكون بحكم "صدقةٍ جارية" لك، فيما إذا نظرت إلى نفسك كأنّك وكيل وموظف لتوزيع مال اللّٰه سبحانه وتعالى على مخلوقاته، أي تتصرف باسم الرزاق الحقيقي وضمن مرضاته.

والآن تأمّلْ في الذي ترك الصلاة، كم هو خاسر خسرانا عظيما؟! وكم هو فاقد من تلك الثروة الهائلة؟! وكيف أنّه سيبقى محروما ومفلسا من ذينك الكنـزين الدائمين اللذين يمدان الإنسانبقوة معنوية للعمل ويشوّقانه للسعي والنشاط؟! حتى إذا بلغ أرذلَ عمره، فإنّه سوف يملّ ويضجر مخاطبا نفسه: "وما عليّ؟! لِمَ أتعِبُ نفسي؟ لأجلِ مَن أعمَلُ؟ فإنّني راحل من هذه الدنيا غدا" فيلقي نفسه في أحضان الكسل؛ بينما الرجل الأول يقول: "سأسْعى سعيا حثيثا في العمل الحلال بجانب عبادتي المتزايدة كيما أرسل إلى قبري ضياءا أكثر وادّخر لآخرتي ذخيرة أزيد".

والخلاصة: اعلمي أيتها النفس! إنّ أمْس قد فاتكِ. أمّا الغد فلم يأتِ بَعْدُ، وليس لديك عهد أنّك ستملكينه، لهذا فاحسبي عمرك الحقيقي هو هذا اليوم. وأقلّ القليل أن تلقي ساعة منه في صندوق الادّخار الأخروي، وهو المسجد أو السَّجّادة لتضمني المستقبل الحقيقي الخالد.

واعلمي كذلك أن كل يوم جديد هو باب ينفتح لعالم جديد -لك ولغيرك- فإن لم تؤدي فيه الصلاة فإن عالم ذلك اليوم يرحل إلى عالم الغيب مُظلما شاكيا محزونا، وسيشهد عليك. وأنّ لكلٍّ منا عالمَه الخاص من ذلك العالم، وأنّ نوعيته تتبع عملنا وقلبنا. مَثلُه في ذلك مثلُ المرآة، تظهر فيها الصورة تبعا للونها ونوعيتها. فإن كانت مسودّة فستظهر الصورة مسودّة، وإن كانت صقيلة فستظهر الصورة واضحة، وإلا فستظهر مشوهة تضخم أتفه شيء وأصغره. كذلك أنت، فبقلبك وبعقلك وبعملك يمكنك أن تغيري صورَ عالمكِ، وباختيارك وطوع إرادتك يمكنك أن تجعلي ذلك العالم يشهد لك أو عليك.

وهكذا إن أدّيتَ الصلاة وتوجهت بصلاتك إلى خالق ذلك العالم ذي الجلال، فسيتنور ذلك العالم المتوجه إليك حالا، وكأنّك قد فتحت بنيّة الصلاة مفتاح النورفأضاءَه مصباح صلاتك، وبدّد الظلمات فيه. وعندها تتحول وتتبدل جميع الاضطرابات والأحزان التي حولك في الدنيا فتراها نظاما حكيما، وكتابة ذات معنى بقلم القدرة الربانية، فينساب نور من أنوار ﴿اللَّهُ نُورُ السَّـمٰوَاتِ وَالْأرْضِ﴾ إلى قلبك، فيتنور عالم يومك ذاك، وسيشهد بنورانيته لك عند اللّٰه.

فيا أخي! حذارِ أن تقول "أين صلاتي من حقيقة تلك الصلاة؟" إذ كما تحمل نواةُ التمر في طياتها صفات النخلة الباسقة، الفرق فقط في التفاصيل والإجمال. كذلك صلاة العوام -من هم أمثالي وأمثالُك- فيها حظ من ذلك النوروسر من أسرار تلك الحقيقة، كما هي في صلاة وليّ من أولياء اللّٰه الصالحين ولو لم يتعلق بذلك شعوره. أمَّا تَنوُّرها فهي بدرجات متفاوتة، كتفاوت المراتب الكثيرة التي بين نواة التمر إلى النخلة. ورغم أنّ الصلاة فيها مراتب أكثر فإنّ جميع تلك المراتب فيها أساس من تلك الحقيقةالنورانية.

اَللّٰهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَن قَالَ: "الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ"(2) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

 

 

 

_____________________________________

(1) هذا المقام درس لأحد العاملين في بستان. (المؤلف)

(2) تقدم تخريجه في الكلمة الرابعة    مراجعة.