الكلمة السابعة والعشرون رسالة الاجتهاد

 

رسالة الاجتهاد

قبل حوالي خمس سنوات أو أكثر كتبتُ بحثا حول "الاجتهاد"

في رسالة بالعربية.(1) واستجابةً لرغبة أخوين عزيزين كتبت هذه

"الكلمة" إرشادا لمن لا يعرف حدَّه في هذه المسألة، ليدرك ما

يجب أن يقف عنده.                              

 

﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أوْلِي الأمْرِ مِنهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ (النساء:83)

إنّ باب الاجتهاد مفتوح، إلاّ أنّ هناك ستةَ موانع في هذا الزمان تحُول دون الدخول فيه.

أولها

كما تُسَدّ المنافذُ حتى الصغيرةُ منها عند اشتداد العواصف في الشتاء، ولا يُستصوَب فتحُ أبواب جديدة، وكما لا تُفتح ثغورٌ لترميم الجدران وتعمير السدود عند اكتساح السيول، لأنه يُفضي إلى الغرق والهلاك.. كذلك من الجناية في حق الإسلام فتحُ أبوابٍ جديدة في قصره المنيف، وشقُّ ثغرات في جدرانه، مما يمهّد السبيلَ للمتسللين والمخرّبين باسم الاجتهاد، ولاسيما في زمن المنكرات، ووقتِ هجوم العادات الأجنبية واستيلائها، وأثناءِ كثرةِ البدع وتزاحم الضلالة ودمارها.

ثانيها

إنّ الضروريات الدينيةَ التي لا مجال فيها للاجتهاد لقطعيتها وثبوتها، والتي هي في حُكم القوت والغذاء، قد أهملت في العصر الحاضر وأخذت بالتصدع. فالواجبُ يحتّم صرفَ الجهود وبذلَ الهمم جميعا لإحياء هذه الضروريات وإقامتها، حيث إن الجوانبَ النظرية للإسلام قد استَثرتْ بأفكار السلف الصالحين وتوسعت باجتهاداتهم الخالصة، حتى لم تعُد تضيق بالعصور جميعا؛ لذا فإن تركَ تلك الاجتهادات الزكيّة والانصراف عنها إلى اجتهادات جديدة اتّباعا للهوى إنما هو خيانة مبتدَعة.

ثالثها

مثلما يُروَّج لمتاعٍ في السوق حسب المواسم ويُرغَّب فيه، كذلك أسواقُ الحياة الاجتماعية ومَعارضُ الحضارة البشرية في العالم، فترى متاعا يُرغَّب فيه في عصر، فيكون له رواج، فتُوجَّه إليه الأنظار، وتُجذَب نحوه الأفكار، فتحوم حولَه الرغبات.

فمثلا: إنّ المتاع الذي تُلْفَتُ إليه الأنظارُ في عصرنا الحاضر ويرغّب فيه هو الانشغالُ بالأمور السياسية وأحداثها، وتأمينُ الراحة في الحياة الدنيا وحصرُ الهمّ بها، ونشرُ الأفكار المادية وترويجُها. بينما نرى أن السلعةَ الغالية النفيسة، والبضاعةَ الرائجة المقبولة في عصر السلف الصالح وأكثرَ ما يرغَّب فيه في سوق زمانهم هو إرضاءُ رب السماوات والأرض والوقوفُ عند حدوده، واستنباطُ أوامره ونواهيه من كلامه الجليل، والسعيُ لنيل وسائل الوصول إلى السعادة الخالدة التي فَتَح أبوابَها إلى الأبد القرآنُ الكريم ونورُ النبوة الساطع. فكانت الأذهانُ والقلوبُ والأرواحُ كلُّها متوجهةً -في ذلك العصر- وبكل قواها إلى معرفة مرضاة اللّٰه سبحانه وإدراكِ مرامي كلامِه، حتى باتت وجهةُ حياتهم وأحوالُهم المختلفة وروابطُهم فيما بينهم وحوادثُهم وأحاديثُهم مقبلةً كلُّها إلى مرضاة رب السماوات والأرضين؛ لذا ففي مثل هذه الحياة التي تجري بشتى جوانبها وفقَ مرضاة رب العالمين سبحانه تصبح الحوادثُ بالنسبة لصاحب الاستعداد والقابليات الفطرية دروسا وعِبَرا له من حيث لا يشعر، وكأن قلبَه وفطرتَه يتلقيان الدروس والإرشاد من كل ما حوله، ويستفيدان من كل حادثة وظرفٍ وطور، وكأن كلَّ شيء يقوم بدور معلّم مُرشد يعلّم فطرتَه ويلقّنها ويرشدها ويهيؤها للاجتهاد، حتى يكاد زيتُ ذكائه يضيء ولو لم تمسَسه نارُ الاكتساب. فإذا ما شرع مثلُ هذا الشخصِ المستعد في مثل هذا المجتمع، بالاجتهاد في أوانه، فإن استعدادَه ينال سرا من أسرارِ ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ويُصبح في أقرب وقت وأسرعِه مجتهدا.

بينما في العصر الحاضر؛ فإن تحكّمَ الحضارةِ الأوروبية، وتسلّطَ الفلسفة المادية وأفكارِها، وتعقّد متطلبات الحياة اليومية.. كلَّها تؤدي إلى تشتت الأفكار وحيرةِ القلوب وتبعثر الهمم وتفتت الاهتمامات، حتى أضحت الأمورُ المعنوية غريبةً عن الأذهان.

لذا، لو وجِدَ الآن مَن هو بذكاء "سفيان بن عُيينة"(*) الذي حفِظ القرآن الكريم وجالس العلماء وهو لا يزال في الرابعة من عمره، لاحتاج إلى عشرة أمثال ما احتاجه ابن عيينة ليبلغَ درجةَ الاجتهاد، أي إنه لو كان قد تيسر لسفيان بن عيينة الاجتهادُ في عشر سنوات فإنّ الذي في زماننا هذا قد يحصل عليه في مائة سنة، ذلك لأنّ مبدأ تَعلُّم "سفيان" الفطري للاجتهاد يبدأ من سنّ التمييز ويتهيأ استعدادُه تدريجا كاستعداد الكبريت للنار. أما نظيرُه في الوقت الحاضر فقد غرق فكرُه في مستنقع الفلسفة المادية وسرح عقلُه في أحداث السياسة، وحار قلبُه أمام متطلبات الحياة المعاشية، وابتعدت استعداداتُه وقابلياتُه عن الاجتهاد، فلا جرم قد ابتعد استعدادُه عن القدرة على الاجتهادات الشرعية بمقدار تفنّنه في العلوم الأرضية الحاضرة، وقصُر عن نيل درجة الاجتهاد بمقدار تبحّره في العلوم الأرضية، لذا لا يمكنه أن يقول لِمَ لا أستطيع أن أبلغَ درجة سفيان بن عيينة وأنا مثلُه في الذكاء؟ نعم، لا يحق له هذا القول، كما أنه لن يلحق به ولن يبلغ شأوَه أبدا.

رابعها

إنّ ميلَ الجسم إلى التوسع لأجل النمو إن كان داخليا فهو دليل التكامل، بينما إن كان من الخارج فهو سببُ تمزّق الغلاف والجلد، أي إنه سببُ الهدم والتخريب لا النمو والتوسع.

وهكذا، فإن وجودَ إرادة الاجتهاد والرغبة في التوسع في الدين عند الذين يدورون في فلك الإسلام ويأتون إليه من باب التقوى والورع الكاملَين، وعن طريق الامتثال بالضروريات الدينية، فهو دليلُ الكمال والتكامل، وخيرُ شاهد عليه السلفُ الصالح. أما التطلّع إلى الاجتهاد والرغبة في التوسع في الدين إن كان ناشئا لدى الذين تركوا الضروريات الدينية واستحبّوا الحياة الدنيا، وتلوّثوا بالفلسفة المادية، فهو وسيلة إلى تخريب الوجود الإسلامي وحل ربقة الإسلام من الأعناق.

خامسها

هناك ثلاثُ نقاط تدعو إلى التأمل والنظر، تجعل اجتهادات هذا العصر أرضية وتسلب منها روحَها السماوي. بينما الشريعةُ سماوية والاجتهاداتُ بدورها سماوية، لإظهارها خفايا أحكامها. والنقاطُ هي الآتي:

أولا: إن "علّة" كلِّ حُكم تختلف عن "حكمته". فالحكمةُ والمصلحة سببُ الترجيح وليست مناطَ الوجود ولا مدارَ الإيجاد، بينما "العلةُ" هي مدارُ وجود الحُكم.

ولنوضح هذا بمثال: تُقصَر الصلاةُ في السفر، فتُصلّى ركعتان. فعلّةُ هذه الرخصة الشرعية السفرُ. أما حكمتُها فهي المشقةُ. فإذا وُجدَ السفرُ ولم تكن هناك مشقة فالصلاة تُقصَر، لأن العلة قائمة وهي السفر. في حين إن لم يكن هناك سفر وكانت هناك أضعاف أضعاف المشقة، فلن تكون تلك المشقات علةَ القصر.

وخلافا لهذه الحقيقةيتوجه نظرُ الاجتهاد في هذا العصر، إلى إقامة المصلحةِ والحكمةِ بدل العلة، وفي ضوئها يصدر حُكمُه، فلا شك أن اجتهادا كهذا أرضي وليس بسماوي.

ثانيا:إنّ نظر هذا العصر متوجه أولا وبالذات إلى تأمين سعادة الدنيا، وتُوجَّه الأحكامُ نحوها، والحال أن قصد الشريعة متوجه أولا وبالذات إلى سعادة الآخرة، وينظر إلى سعادة الدنيا بالدرجة الثانية، ويتخذها وسيلةً للحياة الأخرى، أي إن وجهة هذا العصر غريبة عن روح الشريعة ومقاصدها، فلا تستطيع أن تجتهد باسم الشريعة.

ثالثا:إنّ القاعدة الشرعية: "الضرورات تبيح المحظورات" ليست كليةً، لأن الضرورة إن كانت ناشئةً عن طريق الحرام لا تكون سببا لإباحة الحرام. وإلاّ فالضرورة التي نشأت عن سوء اختيار الفرد، أو عن وسائل غير مشروعة لن تكون حجةً ولا سببا لإباحة المحظورات ولا مدارا لأحكام الرُخَص.

فمثلا: لو أسكر أحد نفسَه -بسوء اختياره- فتصرفاتُه لدى علماء الشرع حجة عليه، أي لا يُعذَر. وإن طلّق زوجته فطلاقُه واقع، وإن ارتكب جريمة يعاقَب عليها، ولكن إن كانت من دون اختيار منه، فلا يقع طلاقُه، ولا يعاقَب على ما جنى. فليس لمدمن خمر –مثلا- أن يقول إنها ضرورة لي، فهي إذن حلال لي، حتى لو كان مبتلىً بها إلى حد الضرورة بالنسبة له.

فانطلاقا من هذا المفهوم فإن هناك كثيرا من الأمور في الوقت الحاضر ابتلي بها الناس وباتت ضروريةً بالنسبة لهم، حتى أخذت شكل "البلوى العامة". فهذه التي تسمى ضرورةً، لن تكون حجةً لأحكام الرُخَص، ولا تُباح لأجلها المحظورات، لأنها نجمت من سوء اختيار الفرد ومن رغبات غير مشروعة ومن معاملات محرّمة.

وحيث إنّ أهل اجتهاد هذا الزمان قد جعلوا تلك الضرورات مدارا للأحكام الشرعية، لذا أصبحت اجتهاداتُهم أرضيةً وتابعةً للهوى ومشوبة بالفلسفة المادية، فهي إذن ليست سماوية، ولا تصحّ تسميتها اجتهادات شرعية قطعا؛ ذلك لأن أي تصرف في أحكام خالق السماوات والأرض وأي تدخل في عبادة عباده دونما رخصة أو إذن معنوي فهو مردود.

ولنضرب لذلك مثالا: يستحسن بعضُ الغافلين إلقاء خطبة الجمعة وأمثالِها من الشعائر الإسلامية باللغة المحلية لكل قوم دون العربية، ويبررون استحسانهم هذا بسببين:

الأول: "ليتمكن عوام المسلمين من فهم الأحداث السياسية!" مع أنها قد دخلها من الأكاذيب والدسائس والخداع ما جعلها في حُكم وسوسة الشياطين! بينما المنبر مقامُ تبليغ الوحي الإلهي، وهو أرفع وأجلّ من أن ترتقى إليه الوسوسةُ الشيطانية.

الثاني: "الخطبة هي لفهم ما يرشد إليه بعضُ السور القرآنية من نصائح".

نعم؛ لو كان معظم المسلمين يفهمون المسلّمات الشرعية والأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، ويمتثلون بها، فلربما كان يُستحسن عند ذاك إيراد الخطبة باللغة المعروفة لديهم، ولكانت ترجمةُ سور من القرآن لها مبرر -إن كانت الترجمة ممكنةً(2)- وذلك ليفهموا النظريات الشرعية والمسائل الدقيقة والنصائح الخفية. أما وقد أهملت في زماننا هذا الأحكامُ الواضحةُ المعلومةُ؛ كوجوب الصلاة والزكاة والصيام وحرمة القتل والزنا والخمر، وأن عوام المسلمين ليسوا بحاجة إلى دروس في معرفة هذا الوجوب وتلك الحرمة بقدر ما هم بحاجة إلى الامتثال بتلك الأحكام واتّباعها في حياتهم. ولا يتم ذلك إلاّ بتذكيرهم وحثّهم على العمل وشحذ الهمم وإثارة غيرة الإسلام في عروقهم، وتحريك شعور الإيمان لديهمكي ينهضوا بامتثال واتّباع تلك الأحكام المطهرة.

فالمسلم العامي -مهما بلغ جهلُه- يدرك هذا المعنى الإجمالي من القرآن الكريم، ومن الخطبة العربية، ويعلم في قرارة نفسه بأن الخطيب أو القاريء للقرآن الكريم يذكّره ويذكّر الآخرين معه، بأركان الإيمان وأسس الإسلام التي هي معلومة من الدين بالضرورة. وعندها يفعم قلبُه بالأشواق إلى تطبيق تلك الأحكام.

ليت شعري أي تعبير في الكون كلّه يمكنه أن يقف على قدميه حيال الإعجاز الرائع في القرآن الكريم الموصول بالعرش العظيم.. وأي ترغيب وترهيب وبيان وتذكير يمكن أن يكون أفضل منه؟!

سادسها

إنّ قربَ عهد المجتهدين العظام من السلف الصالحين لعصر الصحابة الكرام الذي هو عصر الحقيقةوعصر النور يسَّر لهم أن يأخذوا النور الصافي من أقرب مصادره، فتمكّنوا من القيام باجتهاداتهم الخالصة. في حين أن مجتهدي العصر الحديث ينظرون إلى كتاب الحقيقةمن مسافة بعيدة جدا ومن وراء كثير جدا من الأستار والحُجب حتى ليصعب عليهم رؤية أوضح حرف فيه.

فإن قلتَ:

إن مدار الاجتهادات ومصدرَ الأحكام الشرعية هو عدالةُ الصحابة وصدقهم، حتى اتفقت الأمةُ على أنهم عدول صادقون، علما أنهم بشر مثلنا، لا يخلون من خطأ!

الجواب:إنّ الصحابة رضوان اللّٰه عليهم أجمعين هم روّاد الحق وعشاقُه، وهم التواقون إلى الصدق والعدل، ولقد تبين في عصرهم قبحُ الكذب ومساوئه، وجمالُ الصدق ومحاسنه بوضوح تام، بحيث أصبح البَون شاسعا بين الصدق والكذب، كالبعد بين الثريا والثرى وبين العرش والفرش!! إذ يوضح ذلك الفارق الكبير بين الرسول الأعظم rالواقف على قمة درجات الصدق وفي أعلى عليين، وبين مسيلمة الكذاب الذي كان في أسفل سافلين وفي أوطأ دركات الكذب. فالذي أهوى بمسيلمة إلى تلك الدركات الهابطة الدنيئة هو الكذب، والذي رفع محمدا الأمين rإلى تلك الدرجات الرفيعة هو الصدقُ والاستقامة.

لذا فالصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم الذين كانوا يملكون الهمم العالية والخُلق الرفيع واستناروا بنور صحبة شمس النبوة، لا ريب أنهم ترفّعوا عن الكذب الممقوت القبيح الموجود في بضاعة مسيلمة الكذاب ونجاساتها الموجبة للذلة والهوان -كما هو ثابت- وتجنّبوا الكذبَ كتجنبهم الكفر الذي هو صنوُه، وسعوا سعيا حثيثا في طلب الصدق والاستقامة والحق، وتحرّوه بكل ما أوتوا من قوة وعزم، فشغفوا به ولا سيما في رواية الأحكام الشرعية وتبليغها، تلك الأحكام المتسمة بالحسن وبالجمال القمينة بالمباهاة والفخر، والتي هي وسيلة للعروج صعدا إلى الرقي والكمال، والموصولة السبب بعظمة الرسول rالذي تنورت بنور شعاعه الحياة البشرية.

أمَّا الآن، فقد ضاقت المسافةُ بين الكذب والصدق، وقصُرت حتى صارا متقاربَين بل متكاتفَين، وبات الانتقال من الصدق إلى الكذب سهلا وهينا جدا بل غدا الكذبُ يفضُل على الصدق في الدعايات السياسية. فإن كان أجملُ شيء يباع مع أقبحه في حانوت واحد جنبا إلى جنب وبالثمن نفسه، فلا ينبغي على مشتري لؤلؤة الصدق الغالي أن يعتمد على كلام صاحب الحانوت ومعرفته دون فحص وتمحيص.

الخاتمة

تتبدل الشرائعُ بتبدل العصور، وقد تأتي شرائعُ مختلفة، وتُرسل رسل كرام في عصر واحد، حسب الأقوام. وقد حدث هذا فعلا.

أما بعد ختم النبوة، وبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم تعد هناك حاجة إلى شريعة أخرى، لأن شريعته العظمى كافية ووافية لكل قوم في كل عصر.

أمَّا جزئيات الأحكام غير المنصوص عليها التي تقتضي التبديل تبعا للظروف، فإن اجتهادات فقهاء المذاهب كفيلة بمعالجة التبديل. فكما تُبدّل الملابسُ باختلاف المواسم، وتُغيّر الأدوية حسب حاجة المرضى، كذلك تُبدل الشرائعُ حسب العصور، وتدور الأحكام وفق استعدادات الأمم الفطرية، لأن الأحكام الشرعية الفرعية تتبع الأحوال البشرية، وتأتي منسجمة معها وتصبح دواء لدائها.

ففي زمن الأنبياء السابقين عليهم السلام كانت الطبقات البشرية متباعدةً بعضُها عن بعض، مع ما فيهم من جفاء وشدة في السجايا، فكانوا أقرب ما يكونون إلى البداوة في الأفكار، لذا أتت الشرائعُ في تلك الأزمنة متباينة مختلفة، مع موافقتها لأحوالهم وانسجامها على أوضاعهم، حتى لقد أتى أنبياء متعددون بشرائع مختلفة في منطقة واحدة وفي عصر واحد.

ولكن بمجيء خاتمِ النبيين وهو نبيُ آخر الزمان rتكاملت البشريةُ وكأنها ترقّت من مرحلة الدراسة الابتدائية فالثانوية إلى مرحلة الدراسة العالية وأصبحت أهلا لأن تتلقى درسا واحدا، وتنصتَ إلى معلم واحد، وتعمل بشريعة واحدة. فرغم كثرة الاختلافات لم تعد هناك حاجة إلى شرائع عدة ولا ضرورة إلى معلمين عديدين.

ولكن لعجز البشرية من أن تصل جميعا إلى مستوى واحد، وعدم تمكّنها من السير على نمط واحد في حياتها الاجتماعية فقد تعددت المذاهبُ الفقهية في الفروع. فلو تمكنت البشرية -بأكثريتها المطلقة- أن تحيا حياة اجتماعية واحدة، وأصبحت في مستوى واحد، فحينئذ يمكن أن تتوحد المذاهب. ولكن مثلما لا تسمح أحوالُ العالم، وطبائعُ الناس لبلوغ تلك الحالة، فإن المذاهب كذلك لا تكون واحدة.

فإن قلت:

إن الحق واحد، فكيف يمكن أن تكون الأحكام المختلفة للمذاهب الأربعة والاثني عشرَ حقا؟

الجواب:يأخذ الماءُ أحكاما خمسة مختلفة حسب أذواق المرضى المختلفة وحالاتهم: فهو دواء لمريض على حسب مزاجه، أي تناولُه واجب عليه طبّا. وقد يسبب ضررا لمريض آخر فهو كالسمّ له، أي يُحرم عليه طبا، وقد يولّد ضررا أقل لمريض آخر فهو إذن مكروه له طبا، وقد يكون نافعا لآخر من دون أن يضره، فيسنّ له طبا، وقد لا يضر آخر ولا ينفعه، فهو له مباح طبا فليهنأ بشربه.

فنرى من الأمثلة السابقة أنّ الحق قد تعدد هنا، فالأقسام الخمسة كلُّها حق، فهل لك أن تقول: إنّ الماء علاج لا غير، أو واجب فحسب، وليس له حكم آخر؟.

وهكذا -بمثل ما سبق- تتغير الأحكامُ الإلهية بسَوْقٍ من الحكمة الإلهية وحسب التابعين لها. فهي تتبدل حقا، وتبقى حقا ويكون كلُّ حكم منها حقا ويصبح مصلحة.

فمثلا: نجد أن أكثرية الذين يتبعون الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه هم أقرب من الأحناف إلى البداوة وحياة الريف. تلك الحياة القاصرة عن حياة اجتماعية توحّد الجماعة. فيرغب كلُّ فرد في بث ما يجده في نفسه إلى قاضي الحاجات بكل اطمئنان وحضور قلب، ويطلب حاجته الخاصة بنفسه ويلتجئ إليه، فيقرأ "سورة الفاتحة" بنفسه رغم أنه تابع للإمام. وهذا هو عين الحق، وحكمة محضة في الوقت نفسه. أمَّا الذين يتبعون الإمامَ الأعظمَ "أبا حنيفة النعمان" رضي اللّٰه عنه، فهم بأكثريتهم المطلقة أقرب إلى الحضارة وحياة المدن المؤهلة لحياة اجتماعية، وذلك بحكم التزام أغلب الحكومات الإسلامية بهذا المذهب. فصارت الجماعة الواحدة في الصلاة كأنها فرد واحد، وأصبح الفرد الواحد يتكلم باسم الجميع، وحيث إن الجميع يصدقونه ويرتبطون به قلبا، فإن قوله يكون في حكم قول الجميع. فعدمُ قراءة الفرد وراء الإمام بـ"الفاتحة" هو عين الحق وذات الحكمة.

ومثلا: لما كانت الشريعة تضع حواجزَ لتحُول دون تجاوز طبائع البشر حدودَها، فتقوّمها بها وتؤدبها، وتُربي النفس الأمارة بالسوء. فلابد أن ينتقض الوضوءُ بمسِّ المرأة، ويضر قليل من النجاسة، حسب المذهب الشافعي الذي أكثر أتباعه من أهل القرى وأنصاف البدو والمنهمكين بالعمل. أما حسب المذهب الحنفي الذين هم بأكثريتهم المطلقة قد دخلوا الحياة الاجتماعية، واتخذوا طور أنصاف متحضرين فلا ينتقض الوضوء بمسِّ المرأة، ويُسمَح بقَدر درهم من النجاسة.

ولننظر الآن إلى عامل وإلى موظف، فالعامل بحكم معيشته في القرية معرّض للاختلاط والتّماس بالنساء الأجنبيات والجلوس معا حول موقد واحد، والولوج في أماكن ملوثة، فهو مبتلىً بكل هذا بحكم مهنته ومعيشته، وقد تجد نفسُه الأمارة بالسوء مجالا أمامَها لتتجاوز حدودَها؛ لذا تُلقي الشريعة في روع هذا صدىً سماويا فتمنع تلك التجاوزات بأمرها له: لا تمسّ ما ينقض الوضوء، فتبطل صلاتُك. أما ذلك الموظف، فهو حسب عادته الاجتماعية لا يتعرض للاختلاط بالنساء الأجنبيات -بشرط أن يكون نبيلا- ولا يلوث نفسه كثيرا بالنجاسات، آخذا بأسباب النظافة المدنية. لذا لم تشدّد عليه الشريعة، بل أظهرت له جانب الرخصة -دون العزيمة- باسم المذهب الحنفي، وخففت عنه قائلة: إن مسّت يدُك امرأة أجنبية فلا ينقض وضوءك، ولا ضرر عليك إن لم تستنج بالماء حياء من الحاضرين، فهناك سماح بقدر درهم من النجاسة، فتخلصه بهذا من الوسوسة، وتنجّيه من التردد.

فهاتان قطرتان من البحر نسوقهما مثالا، قِسْ عليهما، وإذا استطعت أن تَزِنَ موازين الشريعة بميزان "الشعراني"(*) على هذا المنوال فافعل.

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنّكَ أنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

اَللّٰهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَن تَمثَّلَ فِيهِ أنوَارُ محبَّتِكَ لِجَمَالِ صِفَاتِكَ وَأسمَائِكَ، بِكَونِهِ مِرآةً جَامِعَةً لِتَجَلِّيَاتِ أسمَائِكَ الْحُسنَى.. وَمَن تَمَركَزَ فِيهِ شُعَاعَاتُ محَبَّتِكَ لِصَنعَتِكَ فِي مَصنُوعَاتِكَ بِكَونِهِ أكمَلَ وَأبدَعَ مَصنُوعَاتِكَ، وَصَيرُورَتِهِ أنمُوذَجَ كَمَالاَتِ صَنعَتِكَ، وَفهرستةَ محَاسِنِ نُقُوشِكَ.. وَمَن تَظَاهَرَ فيهِ لَطَائفُ محبَّتِكَ وَرَغبتِكَ لِاستِحْسَانِ صَنعَتِكَ بِكَونِهِ أعلَى دَلّالِي مَحَاسِنِ صَنعَتِكَ وَارفَعَ الْمُستَحسِنِينَ صَوتا فِي إعلَانِ حُسنِ نُقُوشِكَ وَأبدَعَهُم نَعتا لِكَمَالاَتِ صَنعَتِكَ.. وَمَن تَجَمَّعَ فِيهِ أقسَامُ محبَّتك وَاستِحسَانِكَ لِمَحَاسِنِ أخْلَاقِ مَخلُوقَاتِكَ وَلَطَائِفِ أوصَافِ مَصنُوعَاتِكَ، بِكَونِهِ جَامِعا لِمَحَاسِنِ الْأخْلَاقِ كَافَّةً بِإِحسَانِكَ وَلِلَطَائِفِ الْأوصَافِ قَاطِبةً بِفَـضْلِكَ.. وَمَن صَارَ مِصدَاقا وَمِقْيَاسا فَائقا لِجَمِيعِ مَن ذكرتَ فِي فُرقَانِكَ أنّكَ تُحبُّهُم مِنَ الْمُحسِنِينَ وَالصَّابِرِينَ وَالْمُؤمِنِينَ وَالْمُتَّقينَ وَالتَّوَّابِينَ وَالْأوَّابِينَ وَجَمِيع الْأوْصَافِ الَّذِينَ أحبَبتَهُم وَشَرَّفْتَهُم بِمحَبتِكَ، فِي فُرقَانِكَ حتَّى صَارَ إِمَامَ الحَبِيبِينَ لَكَ، وَسَيدَ الْمَحبُوبِينَ لَكَ وَرَئِيسَ أوِدَّائِكَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ وَإخْوَانِهِ أجمَعِينَ آمِينَ بِرَحمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 

____________________________________

(1) وهي "حباب من عمان القرآن الكريم" من المثنوي العربي النوري.

(2) لقد أثبتت الكلمة الخامسة والعشرون "المعجزات القرآنية" أنه لا يمكن ترجمة القرآن ترجمة حقيقية. (المؤلف).