الكلمة السادسة عشرة

الكلمة السادسة عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿انما اَمُرهُ اِذَا ارادَ شيئاً اَن يقولَ لهُ كُنْ فيكون فسُبْحان الذي بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ واليهِ تُرجعون﴾ (يس: 82 ـ 83)

 

كتبت هذه الكلمة لتمنح نفسي العمياء بصيرة، ولتبدد الظلمات من حولها، ولتكون مبعثاً لاطمئنانها، وذلك باراءتها اربع أشعات من نور هذه الآية الكريمة.

الشعاع الاول:

يا نفسي الجاهلة تقولين: أن أحدية ذات الله سبحانه وتعالى، مع كلية أفعاله.. ووحدة ذاته مع عمومية ربوبيته دون معين.. وفرديته مع شمول تصرفاته دون شريك.. وحضوره في كل مكان مع تنزّهه عن المكان.. ورفعته المطلقة مع قربه الى كل شئ.. ووحدانيته مع ان كل شئ في قبضته بالذات.. جميعها من الحقائق القرآنية.. وتقولين: ان القرآن حكيم، والحكيم لا يحمّل العقل ما لايقبله. بيد أن العقل يرى منافاة ظاهرة في هذه الامور. لذا اطلب ايضاحاً يسوق العقل الى التسليم.

الجواب: مادام الأمر هكذا، وتطلبين ذلك لبلوغ الاطمئنان، فاننا نقول مستندين الى فيض القرآن الكريم:

ان اسم (النور) وهو من الاسماء الحسنى قد حلّ كثيراً من مشكلاتنا، ويحلّ باذن الله هذه المسألة ايضاً.

نقول كما قال الامام الرباني احمد الفاروقي السرهندي، منتقين طريق التمثيل الواضح للعقل والمنور للقلب:

نه شـبم نه شـب برسـتم مـن غلام شمسم از شمس مى ﮔويم خبر(1)

لما كان التمثيل اسطع مرآة عاكسة لإعجاز القرآن، فنحن ايضاً سننظر الى هذا السر من خلال التمثيل وذلك:

ان شخصاً واحداً يكسب صفة كلية بوساطة مرايا مختلفة، فبينما هو جزئي حقيقي يصبح بمثابة كلي مالك لشؤون شاملة عامة، فمثلاً:

الشمس، وهي جزئي مشخّص، ولكن بوساطة الاشياء الشفافة تصبح بحكم الكلي حتى انها تملأ سطح الارض بصورها وانعكاساتها، بل تكون لها من الجلوات بعدد القطرات والذرات الساطعة.

وحرارة الشمس وضياؤها، وما فيه من الوان سبعة، يحيط كل منها بالاشياء التي تقابلها ويشملها ويعمّها وفي الوقت نفسه فان كل شئ شفاف يخبئ في بؤبؤ عينه ـ مع صورة الشمس ـ الحرارة والضياء والالوان السبعة ايضاً، جاعلاً من قلبه الطاهر عرشاً لها.

بمعنى ان الشمس مثلما تحيط بصفة واحديتها بجميع الاشياء التي تقابلها، فهي من حيث أحديتها توجد بنوعٍ من تجلي ذاتها في كل شئ مع (خاصيتها) واوصافها الكثيرة.

وما دمنا قد انتقلنا من التمثيل الى التمثّل، فسنشير الى ثلاثة انواع من التمثيل ليكون محور مسألتنا هذه.

اولها: الصور المنعكسة للاشياء المادية الكثيفة، هي غيرٌ وليست عيناً، وهي موات وليست مالكةً لأية خاصية غير هويتها الصورية الظاهرية.

فمثلاً: اذا دخلتَ ـ يا سعيد ـ الى مخزن المرايا، فيكون سعيدٌ واحد ألف سعيد، ولكن الذي يملك الحياة من هذه الالوف، هو أنت فقط لا غير، والبقية أموات ليست لهم خواص الحياة.

ثانيها: الصور المنعكسة للنورانيات المادية؛ هذه الصور المنعكسة ليست عيناً، وليست غيراً في الوقت نفسه، اذ لا تستوعب ماهية النوراني المادية، ولكنها مالكة لأكثر خواص ذلك النوراني، فتعتبر ذات حياة مثله.

فمثلاً: عندما تنشر الشمس اشعتها على الكرة الارضية تظهر صورتها في كل مرآة، فكل صورة منعكسة منها تحمل ما يماثل خصائص الشمس، من ضوء والوان سبعة. فلو افترضت الشمس ذات شعور، واصبحت حرارتها عين قدرتها، وضياؤها عين علمها، والوانها السبعة صفاتها السبع، لكانت توجد تلك الشمس الوحيدة الفريدة في كل مرآة، في اللحظة نفسها، ولاتخذت من كل منها عرشاً لها يخصها، ومن كل منها نوعاً من هاتف، فلا يمنع شئ شيئاً. ولأمكنها ان تقابل كلاً منا بالمرآة التي في ايدينا، ومع اننا بعيدون عنها، فانها اقرب الينا من انفسنا.

ثالثها: الصور المنعكسة للارواح النورانية؛ هذه الصور حية، وهي عينٌ في الوقت نفسه، ولكن لأن ظهورها يكون وفق قابليات المرايا، فالمرآة لا تسع ماهية الروح بالذات. فمثلاً: في الوقت الذي كان سيدنا جبريل عليه السلام يحضر في مجلس النبوة على صورة الصحابي دحية الكلبي، كان يسجد في الحضور الإلهي باجنحته المهيبة امام العرش الاعظم، وهو في اللحظة نفسها موجود في اماكن لا تعدّ ولا تحصى، اذ كان يبلّغ الاوامر الآلهية. فما كان فعلٌ يمنع فعلاً.

ومن هذا السر نفهم كيف يسمع الرسول صلى الله عليه واله وسلم، صلوات امته كلها، في الانحاء كافة، في الوقت نفسه، اذ ماهيته نور وهويته نورانية.. ونفهم كذلك كيف انه  صلى الله عليه واله وسلم يقابل الاصفياء يوم القيامة في وقت واحد، فلا يمنع الواحدُ الآخر.. بل حتى الاولياء الذين اكتسبوا مزيداً من النورانية والذين يطلق عليهم اسم (الابدال) هذا القسم يقال انهم يشاهَدون في اللحظة نفسها، في اماكن متعددة. ويروى عنهم أن الشخص نفسه ينجز اعمالاً متباينة كثيرة جداً. اذ كما يصبح الزجاج والماء وامثالهما من المواد مرايا للاجسام المادية، كذلك يصبح الهواء والاثير وموجودات من عالم المثال، بمثابة مرايا للروحانيات ووسائط سير وتجوال لها في سرعة البرق والخيال. فتتجول تلك الروحانيات وتسيح في تلك المنازل اللطيفة والمرايا النظيفة بسرعة الخيال، فتدخل في الوف الاماكن في آن واحد.

فمخلوقات عاجزة ومسخّرة كالشمس، ومصنوعات شبه نورانية مقيدة بالمادة كالروحاني ان كان يمكن ان يوجد في موضع واحد وفي عدة مواضع في الوقت نفسه، بسر النورانية، اذ بينما هو جزئي مقيد يكسب حكماً كلياً مطلقاً، يفعل باختيار جزئي اعمالاً كثيرة في آن واحد.. فكيف اذن بمن هو مجرد عن المادة ومقدس عنها، ومن هو منزّه عن التحديد بالقيد وظلمة الكثافة ومبرأ عنها.. بل ما هذه الانوار والنورانيات كلها الاّ ظلال كثيفة لأنوار اسمائه الحسنى، بل ما جميع الوجود والحياة كلها، وعالم الارواح وعالم المثال الاّ مرايا شبه شفافة لإظهار جمال ذلك القدوس الجليل الذي صفاته محيطة بكل شئ وشؤونه شاملة كل شئ.. تُرى اي شئ يستطيع ان يتستر عن توجه احديته التي هي ضمن تجلي صفاته المحيطة وتجلي افعاله بارادته الكلية وقدرته المطلقة وعلمه المحيط.. واي شئ يصعب عليه واي شئ يستطيع أن يتخفى عنه.. واي فرد يمكنه ان يظل بعيداً عنه.. واية شخصية يمكنها ان تقترب منه دون ان تكتسب الكلية؟

نعم! ان الشمس بوساطة نورها الطليق غير المقيد، وبوساطة صورتها المنعكسة غير المادية، اقرب اليك من بؤبؤ عينك، ومع هذا فانت بعيد عنها بعداً مطلقاً، لأنك مقيد، فيلزم التجرد من كثير من القيود، وقطع كثير من المراتب الكلية وتجاوزها كي تتقرب اليها، وهذا يستلزم ان تكبر كبر الكرة الارضية وتعلو علو القمر، ومن بعد ذلك يمكن ان تتقرب من المرتبة الاصلية للشمس ـ الى حدٍ ما ـ وتتقابل معها دون حجاب.

فكما ان الامر هكذا في الشمس، كذلك في الجليل ذي الجمال، والجميل ذي الكمال (ولله المثل الاعلى) فهو أقرب اليك من كل شئ،

وانت بعيد عنه سبحانه بعداً لا حد له. فان كانت لك قوة في القلب، وعلوٌ في العقل، فحاول ان تطبق النقاط الواردة في التمثيل على الحقيقة.

الشعاع الثاني:

قوله تعالى: ﴿إنما امُره اذا اراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون﴾(يس:82) وقوله تعالى:

﴿ان كانت الاّ صيحة واحدة فاذا هم جميعٌ لدينا محـضرون﴾(يس:53)

يا نفسي الغافلة! تقولين ان هذه الآيات الكريمة وامثالها تفيد ان الاشياء خلقت بمجرد أمر إلهي، وظهرت للوجود دفعة واحدة، بينما الآيات الكريمة الآتية: ﴿صُنعَ الله الذي أتقنَ كلَّ شيء﴾ (النمل:88) و ﴿أحسنَ كلَّ شيءٍ خَلَقَه﴾ (السجدة:7) وامثالها من الآيات تبين ان الاشياء وجدت تدريجياً، بقدرة عظيمة، وعلم محيط، واتقان في الصُنع ضمن حكمة بالغة. فاين وجه التوفيق بينهما؟

الجواب: نقول مستندين الى فيض القرآن:

اولاً: لا منافاة بين الآيات. اذ قسم من الموجودات يخلق كما في الآيات الاولى، كالايجاد في البدء، وقسم آخر يكون كما في الآيات التالية كإعادة المثل.

ثانياً: ان ما يشاهد في الموجودات من منتهى النظام وغاية الاتقان ومنتهى الحسن في الصنعة وكمال الخلقة، ضمن سهولة وسرعة وكثرة وسعة، يشهد بوجود حقائق هذين القسمين من الآيات شهادة مطلقة. لذا لا داعي لأن يكون مدار البحث تحقق هذه الامور في الخارج. وانما يصح ان يقال: ما سر حكمة هذين القسمين من الايجاد والخلق؟

لذا نشير الى هذه الحكمة بقياس تمثيلي؛ فنقول مثلاً:

ان صانعاً ماهراً ـ كالخياط مثلاً ـ يصرف مبالغ ويبذل جهداً ويزاول مهارة وفناً، لكي يوجد شيئاً جميلاً يخص صنعته، فيعمل منه انموذجاً (موديلاً) لمصنوعاته، اذ يمكنه ان يعمل امثال تلك الصنعة

بلا مصاريف ولا تكاليف وفي سرعة تامة، بل قد يكون الامر احياناً سهلاً ويسيراً الى درجة وكأنه يأمر والعمل يُنجَز، وذلك لأنه قد كسب انتظاماً واطراداً دقيقاً كالساعة وكأن العمل يتم بمجرد الأمر له.

(ولله المثل الاعلى) فان الصانع الحكيم والمصور العليم، قد ابدع قصر العالم مع جميع ما فيه، ثم اودع في كل شئ فيه، جزئياً كان أم كلياً، جزءاً كان أم كلاً، مقداراً معيناً، بنظام قدري شبيه بنموذج ذلك الشئ.

فان تأملت في اعماله سبحانه، وهو المصور الازلي، تراه يجعل من كل عصر انموذجاً (موديلا) يُلبسه عالماً بكراً جديداً لطيفاً مزيناً بمعجزات قدرته، ويجعل من كل سنة مقياساً ينسج ـ بخوارق رحمته ـ كائنات بكر على قدّه، ويجعل من كل يوم سطراً يكتب فيه موجودات بكر جديدة مزينة بدقائق حكمته. ثم ان ذلك القدير المطلق كما جعل كل عصر وكل سنة وكل يوم انموذجاً، فانه قد جعل سطح الارض ايضاً، بل كل جبل وصحراء، وكل حديقة وبستان وكل شجر وزهر أنموذجاً وينشئ كائنات جديدة غضة متجددة مترادفة على الارض، فيخلق دنيا جديدة، ويأتي بعالم منسق جديد بعد أن سحب ما سبق من عالم.

وهكذا يُظهر في كل موسم معجزات بكر لقدرته المطلقة ويبرز هدايا مجددة لرحمته في كل حديقة وبستان، فيكتب كتاب حكمة جديدة بكر، وينصب مطبخ رحمته متجدداً ويُلبس الوجود حلّة بديعة جديدة، ويخلع على كل شجر في كل ربيع وشاح السندس ويزيّنه بمرصعات جديدة بكر كالنجوم المتلألئة، ويملأ ايديها بهدايا الرحمة..

فالذي يقوم بهذه الاعمال في منتهى الاتقان وكمال الانتظام والذي يبدّل هذه العوالم السيارة المنشورة على حبل الزمان، يعقب بعضها بعضاً، وهي في منتهى الحكمة والعناية وفي منتهى القدرة والاتقان، لاريب انه قدير مطلق وحكيم مطلق وبصير مطلق وعليم مطلق، لا يمكن بحال من الاحوال أن تبدو منه المصادفة قطعاً، فذلكم الخالق الجليل يقول: ﴿إنما أمره اذا أراد شيئاً ان يقولَ له كُن فيكون﴾ (يس:82)

﴿وما امرُ الساعةِ الاّ كلمحِ البصر أو هو أقرب﴾ (النحل:77) فيعلن قدرته المطلقة ويبين ان الحشر والقيامة بالنسبة لتلك القدرة هي في منتهى السهولة واليسر، وان الاشياء كلها مسخّرة لأوامره ومنقادة اليها كمال الانقياد، وانه يخلق الاشياء دون معالجة ولا مزاولة ولا مباشرة، ولأجل الإفادة عن السهولة المطلقة في ايجاد الاشياء عبّر القرآن المبين انه سبحانه وتعالى يفعل ما يريد بمجرد الأمر.

والخلاصة: ان قسماً من الآيات الكريمة يعلن منتهى الاتقان وغاية الحكمة في خلق الاشياء ولا سيما في بداية الخلق. وقسماً آخر يبين السهولة المطلقة والسرعة المطلقة ومنتهى الانقياد وعدم الكلفة في ايجاد الاشياء ولا سيما في تكرار ايجادها واعادتها.

الشعاع الثالث:

يا نفسي الموسوسة! يا من تجاوزت حدكِ ! انك تقولين: ان قوله تعالى ﴿ما مِن دابةٍ الاّ هو آخذٌ بناصيتها﴾ وكذا قوله تعالى ﴿بيده ملكوتُ كلّ شيء﴾ (يس:83) وكذا قوله تعالى ﴿ونحنُ اقربُ اليه من حبل الوريد﴾.. هذه الآيات الجليلة تبين منتهى القرب الإلهي بينما آيات اخرى مثل قوله تعالى: ﴿واليه ترجعون﴾ ﴿تعرُج الملائكةُ والروحُ اليه في يوم كان مقدارُه خمسين الف سنة﴾(المعارج:4) وكذا قول الرسول الكريم  صلى الله عليه واله وسلم في الحديث الشريف (...سبعين الف حجاب) وكذا حقيقة المعراج.. كل هذه تبين منتهى بعدنا عنه سبحانه.

فأريد ايضاحاً لتقريب هذا السر الغامض الى الاذهان!

الجواب: ولهذا استمع!

اولاً: لقد ذكرنا في ختام الشعاع الأول؛ ان الشمس بنورها غير المقيد، ومن حيث صورتها المنعكسة غير المادية، اقرب اليك من بؤبؤ عينك ـ التي هي مرآة لنافذة روحك ـ الاّ انك بعيد عنها غاية

البعد، لانك مقيد ومحبوس في المادة. ولا يمكنك ان تمس الاّ قسماً من صورها المنعكسة وظلالها ولا تقابل الاّ نوعاً من جلواتها الجزئية، ولا تتقرب الاّ لألوانها التي هي في حكم صفاتها، ولطائفة من اشعتها التي هي بمثابة طائفة من اسمائها.

ولو اردت ان تتقرب الى المرتبة الاصلية للشمس، واردت ان تقابلها بذاتها، لزم عليك التجرد عن كثير جداً من القيود والمضي من مراتب كلية كثيرة جداً، وكأنك تكبر معنىً ـ من حيث التجرد ـ بقدر الكرة الارضية وتنبسط روحاً كالهواء، وترتفع عالياً كالقمر، وتقابل الشمس كالبدر. ومن بعد ذلك يمكنك ان تدّعي نوعاً من القرب دون حجاب.

(ولله المثل الاعلى) فالجليل ذو الكمال والجلال، ذلك الواجب الوجود، الموجد لكل موجود، النور السرمد، سلطان الازل والابد، اقرب اليك من نفسك، وانت بعيد عنه بعداً مطلقاً.

فان كانت لديك قوة الاستنباط، فطبّق ما في التمثيل من الدقائق على الحقائق.

ثانياً: ان اسم القائد ـ مثلا ـ من بين اسماء السلطان الكثيرة ـ يظهر في دوائر متداخلة في دولته، فابتداءً من الدائرة الكلية للقائد العام العسكري ودائرة المشير والفريق حتى يبلغ دائرة الملازم والعريف. اي أن تجلي ظهوره يكون في دوائر واسعة ودوائر ضيقة وبشكل كلي وجزئي.

فالجندي، أثناء خدمته العسكرية، يتخذ من مقام العريف مرجعاً له، لما فيه من ظهور جزئي جداً للقيادة. ويتصل بقائده الاعلى بهذا التجلي الجزئي لإسمه، ويرتبط به بعلاقة، ولكن لو اراد هذا الجندي ان يتصل بالقائد الاعلى باسمه الأصلي، وان يقابله بذلك العنوان ينبغي له الصعود وقطع المراتب كلها من مرتبة العريف الى المرتبة الكلية للقائد العام.

اي ان السلطان قريب من ذلك الجندي باسمه وحكمه وقانونه وعلمه وهاتفه وتدبيره، وان كان ذلك السلطان نورانياً ومن الاولياء الأبدال، فانه يكون قريباً اليه بحضوره بالذات، اذ لا يمنع شيء من ذلك ولا يحول دونه شئ. ومع أن ذلك الجندي بعيد عن السلطان، غاية البعد وهناك الالوف من المراتب التي تحول بينه وبين السلطان وهناك الالوف من الحجب تفصله عنه، ولكن السلطان يشفق احياناً على أحد الجنود فيأخذه الى حضور ديوانه ـ خلاف المعتاد ـ ويسبغ عليه من افضاله وألطافه.

(ولله المثل الاعلى) فالمالك لأمر ﴿كن فيكون﴾ المسخّر للشموس والنجوم كالجنود المنقادة، فهو سبحانه وتعالى اقرب الى كل شئ من اي شئ كان، مع ان كل شئ بعيد عنه بعداً لا حدود له.

واذا اريد الدخول الى ديوان قربه وحضوره المقدس بلا حجاب، فانه يستلزم المرور من بين سبعين الف حجاب من الحجب النورانية والمظلمة، اي المادية والكونية والاسمائية والصفاتية، ثم الصعود الى كل اسم من الاسماء الذي له الوف من درجات التجليات الخصوصية والكلية والمرور الى طبقات صفاته الجليلة والرفيعة ثم العروج الى عرشه الاعظم الذي حظي بالاسم الاعظم. فان لم يكن هناك جذب ولطف إلهي يلزم الوفاً من سنيّ العمل والسلوك.

مثال: اذا أردت أن تتقرب اليه سبحانه باسم (الخالق) فعليك الارتباط وتكوين علاقة اولاً من حيث انه خالقك الخاص، ثم من حيث انه خالق جميع الناس، ثم بعنوان انه خالق جميع الكائنات الحية، ثم باسم خالق الموجودات كلها. لذا فان لم تتدرج هكذا تبقى في الظل ولاتجد الاّ جلوة جزئية.

تنبيه: ان السلطان المذكور في المثال السابق قد وضع في مراتب اسم القيادة وسائط كالمشير والفريق، وذلك لعجزه عن القيام بالاعمال بنفسه. أما الذي بيده ملكوت كل شيء، وذلك القدير، فهو مستغن عن الوسائط، بل ليست الوسائط الاّ اموراً ظاهرية بحتة. تمثل ستار العزة والعظمة ودلائل تشير الى سلطان الربوبية من خلال عبودية وعجز وافتقار وانبهار امام العظمة الإلهية، وليست تلك الوسائط مُعينة له سبحانه ولا يمكنها ان تكون شريكة في سلطنة الربوبية قطعاً لأنها ليست الاّ وسائل للمشاهدة والتفرج.

الشعاع الرابع:

يا نفسي الكسولة!.

ان حقيقة الصلاة التي هي كمعراج المؤمن شبيهة بقبول دخول جندي بسيط الى ديوان السلطان الاعظم بمحض لطفه ـ كما ذكر في المثال السابق ـ فقبولك ايضاً الى المثول امام جلاله سبحانه انما هو بمحض لطف الجليل ذي الجمال والمعبود ذي الجلال. فانت عندما تقول: الله اكبر. تمضي معنىً وتقطع خيالاً أو نيّةً الدنيا والآخرة، حتى تتجرد عن القيود المادية فتصعد مكتسباً مرتبة عبودية كلية او ظلاً من ظلال المرتبة الكلية أو بصورة من صورها وتتشرف بنوع من الحضور القلبي والمثول بين يديه تعالى فتنال حظوة عظمى بخطاب ﴿اياك نعبد﴾ كل حسب درجته.

حقاً ان كلمة (الله اكبر.. الله اكبر) وتكرارها في حركات الصلاة وافعالها هي اشارة لقطع المراتب والعروج الى مراتب الرقي المعنوي، والصعود من الدوائر الجزئية الى الدوائر الكلية، فهي عنوان لمجمل كمالات كبرياء الله سبحانه، والتي هي خارج نطاق معرفتنا، وكأن كل كلمة من (الله اكبر) اشارة الى قطع مرتبة من مراتب المعراج.

وهكذا فان البلوغ الى ظلٍ أو شعاعٍ من حقيقة الصلاة هذه، معنىً أو نيةً أو تصوراً أو خيالاً لهو نعمة عظمى وسعادة كبرى.

ولأجل هذا يُردد ذكر (الله اكبر) في الحج بكثرة هائلة. لأن الحج؛ عبادة في مرتبة كلية لكل حاج بالاصالة.

فالجندي البسيط يذهب الى الحضور الملكي في يوم خاص ـ كالعيد ـ مثلما يذهب الفريق فينال لطف مليكه وكرمه. كذلك الحاج ـ مهما كان من العوام ـ فهو متوجه الى ربه الجليل بعـنـوان رب العـالمـين، كالـولي الـذي قطـع المـراتب، فهـو مشرّف بعبودية كلية، فلابد أن المراتب الكلية للربوبية التي تفـتـح بمفـتـاح الحـج، وآفاق عظمة الالوهية التي تشاهد بمنظار الحج، ودوائر العبودية التي تتوسـع في قلـب الحاج وخياله، كلما قام وادّى مناسك الحج، ومراتب الكبرياء والعظمة واُفق التجليات التي تمنـح حــرارة الشـــوق، والاعجاب والانبــهـار، امــام عظمة الالوهية وهيبة الربوبية، لا يسكّن الاّ بــ (الله اكبر.. الله اكبر)! وبه يمكن ان يعلن عن المراتب المنكشفة المشهودة أو المتصورة.

وهذه المعاني انما تتجلى بعد الحج في صلاة العيد، بدرجات علوية وكلية ومتفاوتة، وكذا في صلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف والخسوف وصلاة الجماعة.

ومن هذا تظهر اهمية الشعائر الاسلامية حتى لو كانت من قبيل السنن النبوية.

سبحان من جعل خزائنه بين الكاف والنون.

﴿فَسبحانَ الذي بيده مَلكوتُ كُلِّ شيءٍ والَيْهِ تُرْجَعُون﴾

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاّ ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم﴾

﴿ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا﴾

﴿ربنا لا تُزغ قلوبَنا بعدَ إذ هَدَيتَنا وهبْ لنا مِن لدُنك رحمةً إنكَ انتَ الوهّاب﴾

وصلّ وسلم على رسولك الأكرم، مظهر اسمك الاعظم،

وعلى آله واصحابه واخوانه واتباعه

آمين يا ارحم الراحمين.

 

 

_____________________________________________________

(1) بيت بالفارسية يعني: لست ليلاً ولستُ عابد ليل أنا خادم شمس الحقيقة ومنها آتيكم بالخبر.

ولعل المقصود: ان الامور واضحة جلية عندي لا لبس فيها قطعاً. ــ المترجم.