الكلمة العاشرة

مبحث الحشر

تنبيه

ان سبب ايرادي التشبيه والتمثيل بصورة حكايات

في هذه الرسائل هو  تقريب المعاني الى الأذهان من

ناحية، واظهار مدى معقولية الحقائق الاسلامية

ومدى تناسبها ورصانتها من ناحية اخرى، فمغزى

الحكايات انما هو الحقائق التي تنتهي اليها، والتي

تدل عليها كنايةً. فهي اذن ليست حكايات خيالية

وانما حقائق صادقة.

 

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ  الرَّحيمِ

(فَانْظُرْ اِلى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيىِ اْلاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا اِنَّ ذَلِكَ لَـمُحْيىِ اْلـمَوْتىَ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَديرٌ)(الروم:50)

يا أخي!

إِن رمتَ ايضاح أمر الحشر وبعضَ شؤون الآخرة على وجهٍ يُلائم فهمَ عامة الناس، فاستمع معي الى هذه الحكاية القصيرة.

ذهب اثنان معاً الى مملكة رائعة الجمال كالجنة (التشبيه هنا للدنيا) واذا بهما يَريان ان أهلها قد تركوا ابواب بيوتهم وحوانيتهم ومحلاتهم مفتوحة لا يهتمون بحراستها.. فالاموال والنقود في متناول الايدي دون ان يحميها أحد. بدأ أحدهم - بما سوّلت له نفسه - يسرق حيناً ويغصب حيناً آخر مرتكباً كل  انواع الظلم والسفاهة، والاهلون لا يبالون به كثيراً.

فقال له صديقه:

-  ويحك ماذا تفعل؟ انك ستنال عقابك، وستلقيني في بلايا ومصائب. فهذه الاموال أموال الدولة، وهؤلاء الأهلون قد اصبحو - بعوائلهم واطفالهم - جنود الدولة أو موظفيها، ويُستخدمون في هذه الوظائف ببزّتهم المدنية، ولذلك لم يُبالوا بك كثيراً. إعلم أن النظام هنا صارم، فعيون السلطان ورقباؤه وهواتفه في كل مكان. أسرع يا صاحبي بالاعتذار وبادر الى التوسل.

ولكن صاحبه الأبله عاند قائلاً:

-  دعني يا صاحبي، فهذه الاموال ليست أموال الدولة، بل هي أموال مشاعة، لا مالك لها. يستطيع كل واحد ان يتصرف فيها كما يشاء. فلا أرى ما يمنعني من الاستفادة منها، أو الانتفاع بهذه الاشياء الجميلة المنثورة امامي. واعلم اني لا اصدّق بما لا تراه عيناي...

وبدأ يتفلسف ويتفوه بما هو من قبيل السفسطة.(1) وهنا بدأت المناقشة الجادّة بينهما. وأخذ الحوار يشتد اذ سأل المغفل:

-   وما السلطان؟ فانا لا اعرفه. فردّ عليه صاحبه:

-  انك بلاشك تعلم انه لا قرية بلا مختار، ولا إبرة، بلا صانع وبلا مالك، ولا حرف بلا كاتب. فكيف يسوغ لك القول: انه لا حاكم ولا سلطان لهذه المملكة الرائعة المنتظمة المنسقة؟ وكيف تكون هذه الأموال الطائلة والثروات النفيسة الثمينة بلا مالك، حتى كأن قطاراً مشحوناً بالارزاق الثمينة يأتي من الغيب كل ساعة ويفرغ هنا ثم يذهب(2)! أوَ لا ترى في أرجاء هذه المملكة اعلانات السلطان وبياناته، واعلامَه التي ترفرف في كل ركن، وختمه الخاص وسكّته وطرّته على الاموال كلها، فكيف تكون مثل هذه المملكة دون مالك؟.. يبدو انك تعلمت شيئاً من لغة الافرنج، ولكنك لا تستطيع قراءة هذه الكتابات الاسلامية ولا ترغب ان تسأل من يقرأها ويفهمها، فتعال اذن لأقرأ لك أهم تلك البلاغات والاوامر الصادرة من السلطان.. فقاطعه ذلك المعاند قائلاً:

-  لنسلّم بوجود السلطان، ولكن.. ماذا يمكن ان تضره وتنقص من خزائنه ما أحوزه لنفسي منها؟ ثم اني لا أرى هنا عقاباً من سجن أو ما يشبهه!

أجابه صاحبه:

 يا هذا، ان  هذه المملكة التي نراها ما هي الاّ ميدان اِمتحانٍ واختبار، وساحة تدريب ومناورة، وهي معرض صنائع السلطان البديعة، ومضيف مؤقت جداً.. ألا ترى ان قافلة تأتي يومياً وترحل أخرى وتغيب؟ فهذا هو شأن هذه المملكة العامرة، انها تملأ وتخلى باستمرار، وسوف تفرغ نهائياً وتبدل بأخرى باقية دائمة، وينقل اليها الناس جميعاً فيثاب أو يُعاقب كلٌ حسب عمله.

ومرة اخرى تمرّد صديقه الخائن الحائر قائلاً:

 أنا لا أؤمن ولا اصدق! فهل يمكن ان تُباد هذه المملكة العامرة، ويرحل عنها أهلُها الى مملكة اخرى؟ وعندها قال له صديقه الناصح الامين:

 يا صاحبي ما دمتَ تعاند هكذا وتصرّ، فتعال أبين لك دلائل لا تعد ولا تحصى مجملةً في اثنتي عشرة صورة تؤكد لك ان هناك محكمة كبرى حقاً، وداراً للثواب والاحسان، واخرى للعقاب والسجن، وانه كما تفرغ هذه المملكة من أهلها يوماً بعد يوم، فسيأتي يوم تفرغ فيه منهم نهائياً وتباد كليّاً.

 

الصورة الأولى

أمن الممكن  لسلطنةٍ ولاسيما كهذه السلطنة العظمى أن لا يكون فيها ثوابٌ للمطيعين ولا عقاب للعاصين؟.. ولما كان العقاب والثواب في حكم المعدوم في هذه الدار..

 فلابد اذن من محكمةٍ كبرى في دارٍ اخرى.

الصورة الثانية

تأمل سير الاحداث والاجراءات في هذه المملكة، كيف يوزَّع الرزقُ رغداً حتى على أضعف كائن فيها وأفقره، وكيف ان الرعاية تامة والمواساة دائمة لجميع المرضى الذين لا معيل لهم. وانظر الى الاطعمة الفاخرة والاواني الجميلة والأوسمة المرصعة والملابس المزركشة.. فالموائد العامرة مبثوثة في كل مكان.. وانظر! الجميع يتقنون واجباتهم ووظائفهم اِلا أنت وأمثالك من البلهاء، فلا يتجاوز أحد حدّه قيد أنملة، فأعظم شخص يؤدي ما أنيط به من واجب بكل تواضع، وفي غاية الطاعة، تحت ظل جلال الهيبة والرهبة. اذن فمالِكُ هذه السلطنة ومليكها ذو كرم عظيم، وذو رحمة واسعة، وذو عزة شامخة، وذو غيرة جليلة ظاهرة، وذو شرف سامٍ. ومن المعلوم ان الكرم يستوجب اِنعاماً، والرحمة لا تحصل دون احسان، والعزة تقتضي الغيرة، والشرف السامي يستدعي تأديب المستخفين، بينما لا يتحقق في هذه المملكة جزء واحد من ألفٍ مما يليق بتلك الرحمة ولا بذلك الشرف. فيرحل الظالم في عزته وجبروته ويرحل المظلوم في ذله وخنوعه.

فالقـضية اذن مؤجلة الى محكمة كبرى.

الصورة الثالثة

انظر، كيف تُنجز الاعمال هنا بحكمة فائقة وبانتظام بديع، وتأمل كيف يُنظر الى المعاملات بمنظار عدالةٍ حقة وميزانٍ صائب. ومن المعلوم ان حكمة الحكومة وفطنتها هي اللطف بالذين يحتمون بحماها وتكريمهم. والعدالة المحضة تتطلب رعاية حقوق الرعية، لتصان هيبة الحكومة وعظمة الدولة.. غير انه لا يبدو هنا اِلا جزءٌ ضئيلٌ من تنفيذ ما يليق بتلك الحكمة، وبتلك العدالة. فأمثالك من الغافلين سيغادرون هذه المملكة دون أن يرى اغلبهم عقاباً.

فالقـضية اذن مؤجلة بلا ريب الى محكمة كبرى.

الصورة الرابعة

انظر الى ما لا يعد ولا يحصى من الجواهر النادرة المعروضة في هذه المعارض، والاطعمة الفريدة اللذيذة المزيّنة بها الموائد، مما يُبرز لنا أن لسلطان هذه المملكة سخاءً غير محدود، وخزائن ملأى لا تنضب.. ولكن مثل هذا السخاء الدائم، ومثل هذه الخزائن التي لا تنفد، يتطلبان حتماً دار ضيافة خالدة أبدية، فيها ما تشتهيه الانفس. ويقتضيان كذلك خلود المتنعمين المتلذذين فيها، من غير ان يذوقوا ألم الفراق والزوال؛ اذ كما ان زوال الألم لذة فزوال اللذة ألم كذلك.. وانظر الى هذه المعارض، ودقق النظر في تلك الاعلانات، واصغ جيداً الى هؤلاء المنادين الدعاة الذين يصفون عجائب مصنوعات السلطان ذي المعجزات ويعلنون عنها، ويظهرون كماله، ويفصحون عن جماله المعنوي الذي لا نظير له، ويذكرون لطائف حسنه المستتر.

فلهذا السلطان اذن كمال باهر، وجمال معنوي زاهر، يبعثان على الاعجاب. ولاشك ان الكمال المستتر الذي لا نقص فيه يقتضي اعلانه على رؤوس الاشهاد من المعجبين المستحسنين، ويتطلب اعلانه امام انظار المقدّرين لقيمته. أما الجمال الخفي الذي لا نظير له، فيستلزم الرؤية والاظهار، أي رؤية جماله بوجهين.

احدهم:رؤيته بذاته جمالَه في كل ما يعكس هذا الجمال من المرايا المختلفة.

ثانيهم:رؤيته بنظر المشاهدين المشتاقين والمعجبين المستحسنين له. وهذا يعني ان الجمال الخالد يستدعي رؤية وظهوراً، مع مشاهدةٍ دائمةٍ، وشهودٍ أبدي.. وهذا يتطلب حتماً خلودَ المشاهدين المشتاقين المقدّرين لذلك الجمال، لأن الجمال الخالد لا يرضى بالمشتاق الزائل. ولأن المشاهد المحكوم عليه بالزوال يبدل تصور الزوال محبته عداءً، واعجابه استخفافاً، وتوقيره اهانةً، اذ الانسان عدو لما يجهل ولما يقصر عنه.. ولما كان الجميع يغادرون دور الضيافة هذه بسرعة ويغيبون عنها بلا ارتواء من نور ذلك الجمال والكمال، بل قد لا يرون اِلا ظلالاً خافتة منه عبر لمحات سريعة..

فالرحلة اذن منطلقة الى مشهد دائم خالد.

الصورة الرابعة

انظر الى ما لا يعد ولا يحصى من الجواهر النادرة المعروضة في هذه المعارض، والاطعمة الفريدة اللذيذة المزيّنة بها الموائد، مما يُبرز لنا أن لسلطان هذه المملكة سخاءً غير محدود، وخزائن ملأى لا تنضب.. ولكن مثل هذا السخاء الدائم، ومثل هذه الخزائن التي لا تنفد، يتطلبان حتماً دار ضيافة خالدة أبدية، فيها ما تشتهيه الانفس. ويقتضيان كذلك خلود المتنعمين المتلذذين فيها، من غير ان يذوقوا ألم الفراق والزوال؛ اذ كما ان زوال الألم لذة فزوال اللذة ألم كذلك.. وانظر الى هذه المعارض، ودقق النظر في تلك الاعلانات، واصغ جيداً الى هؤلاء المنادين الدعاة الذين يصفون عجائب مصنوعات السلطان ذي المعجزات ويعلنون عنها، ويظهرون كماله، ويفصحون عن جماله المعنوي الذي لا نظير له، ويذكرون لطائف حسنه المستتر.

فلهذا السلطان اذن كمال باهر، وجمال معنوي زاهر، يبعثان على الاعجاب. ولاشك ان الكمال المستتر الذي لا نقص فيه يقتضي اعلانه على رؤوس الاشهاد من المعجبين المستحسنين، ويتطلب اعلانه امام انظار المقدّرين لقيمته. أما الجمال الخفي الذي لا نظير له، فيستلزم الرؤية والاظهار، أي رؤية جماله بوجهين.

احدهم:رؤيته بذاته جمالَه في كل ما يعكس هذا الجمال من المرايا المختلفة.

ثانيهم:رؤيته بنظر المشاهدين المشتاقين والمعجبين المستحسنين له. وهذا يعني ان الجمال الخالد يستدعي رؤية وظهوراً، مع مشاهدةٍ دائمةٍ، وشهودٍ أبدي.. وهذا يتطلب حتماً خلودَ المشاهدين المشتاقين المقدّرين لذلك الجمال، لأن الجمال الخالد لا يرضى بالمشتاق الزائل. ولأن المشاهد المحكوم عليه بالزوال يبدل تصور الزوال محبته عداءً، واعجابه استخفافاً، وتوقيره اهانةً، اذ الانسان عدو لما يجهل ولما يقصر عنه.. ولما كان الجميع يغادرون دور الضيافة هذه بسرعة ويغيبون عنها بلا ارتواء من نور ذلك الجمال والكمال، بل قد لا يرون اِلا ظلالاً خافتة منه عبر لمحات سريعة..

فالرحلة اذن منطلقة الى مشهد دائم خالد.

الصورة الخامسة

تأمل، كيف ان لهذا السلطان الذي لا نظير له رأفة عظيمة تتجلى في خضم هذه الأحداث والامور، اذ يغيث الملهوف المستغيث، ويستجيب للداعي المستجير، واذا ما رأى أدنى حاجة لأبسط فرد من رعاياه فانه يقضيها بكل رأفة وشفقة، حتى انه يرسل دواءً او يهيئ بيطاراً لإسعاف قدم نعجة من النعاج.

هيا بنا يا صاحبي لنذهب معاً الى تلك الجزيرة، حيث تضم جمعاً غفيراً من الناس. فجميع اشراف المملكة مجتمعون فيها.. انظر فها هو ذا مبعوث كريم للسلطان متقلّد اعظم الأوسمة وأعلاها يرتجل خطبة يطلب فيها من مليكه الرؤوف أموراً، وجميع الذين معه يوافقونه ويصدّقونه ويطلبون ما يطلبه.

أنصت لما يقول حبيب الملك العظيم، انه يدعو بأدبٍ جم وتضرّع ويقول:

يا من اسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، يا سلطاننا، أرنا منابع واصولَ ما أريتَه لنا من نماذج وظلال.. خذ بنا الى مقر سلطنتك ولا تهلكنا بالـضياع في هذه الفلاة.. أقبلنا وارفعنا الى ديوان حـضورك.. ارحمنا... اطعمنا هناك لذائذ ما أذقتنا اياه هنا، ولا تعذبنا بألم التنائي والطرد عنك.. فهاهم اولاء رعيتك المشتاقون الشاكرون المطيعون لك، لا تتركهم تائهين ضائعين، ولا تفنِهم بموت لا رجعة بعده..

أسمعت يا صاحبي ما يقول؟. تُرى أمن الممكن لمن يملك كل هذه القدرة الفائقة، وكل هذه الرأفة الشاملة، ان لا يعطي مبعوثه الكريم ما يرغب به، ولا يستجيب لأسمى الغايات وانبل المقاصد؟ وهو الذي يقضي بكل اهتمامٍ أدنى رغبة لأصغر فرد من رعاياه؟ مع أن ما يطلبه هذا المبعوث الكريم تحقيق لرغبات الجميع ومقاصدهم، وهو من مقتضيات عدالته ورحمته ومرضاته. ثم انه يسير عليه وهيّن، فليس هو بأصعب مما عرضه من نماذج في متنزهات هذه المملكة ومعارضها.. فما دام قد انفق نفقات باهظة وأنشأ هذه المملكة لعرض نماذجه عرضاً مؤقتاً، فلابد أنه سيَعرِض في مقر سلطنته من خزائنه الحقيقية ومن كمالاته وعجائبه ما يبهر العقول. اذن فهؤلاء الذين هم في دار الامتحان هذه ليسوا عبثاً، وليسوا سدى، بل تنتظرهم قصورُ السعادة السرمدية الخالدة، او غياهب السجون الابدية الرهيبة.

الصورة السادسة

تعال، وانظر الى هذه القاطرات الضخمة، والى هذه الطائرات المشحونة، والى هذه المخازن الهائلة المملوءة، والى هذه المعارض الانيقة الجذابة.. وتأمل في الاجراءات وسير الامور.. انها جميعاً تبيّن ان هناك سلطنة عظيمة حقاً(3) تحكم من وراء ستار. فمثل هذه السلطنة تقتضي حتماً رعايا يليقون بها. بينما تشاهد انهم قد اجتمعوا في هذا المضيف مضيف الدني والمضيف يودّع يومياً صنوفاً منهم ويستقبل صنوفاً. وهم قد حضروا في ميدان الامتحان والاختبار هذا، غير أن الميدان يُبدّل كل ساعة، وهم يلبثون قليلاً في هذا المعرض العظيم، يتفرجون على نماذج آلاء المليك الثمينة وعجائب صنعته البديعة، غير ان المعرض نفسه يحوّل كل دقيقة، فالراحل لا يرجع والقابل يرحل كذلك.. فهذه الامور تبين بشكل قاطع ان وراء هذا المضيف الفاني، ووراء هذه الميادين المتبدلة، ووراء هذه المعارض المتحولة، قصور دائمة خالدة، ومساكن طيبة ابدية وجنائنُ مملوءة بحقائق هذه النماذج، وخزائن مشحونة باصولها.

فالاعمال والافعال هنا اذن ما هي الا لأجل ما اُعدّ هنالك من جزاء. فالملك القدير يكلف هنا ويجازي هناك، فلكل فردٍ لون من السعادة حسب استعداده وما اقدم عليه من خير.

الصورة السابعة

تعال، لنتنزه قليلاً بين المدنيين من الناس لنلاحظ احوالهم، وما تجري حولهم من امور. انظر، فها قد نُصبَت في كل زاوية آلاتُ تصوير عديدة تلتقط الصور، وفي كل مكان كتّاب كثيرون يسجلون كل شئ، حتى أهون الامور.

هيا انظر الى ذاك الجبل الشاهق فقد نصبت عليه آلة تصوير ضخمة تخص السلطان نفسه(4) تلتقط صور كل ما يجري في هذه المملكة. فلقد اصدر السلطان أوامره لتسجيل الامور كلها، أو تدوين المعاملات في مملكته. وهذا يعني ان السلطان المعظم هو الذي يملي الحوادث جميعها، ويأمر بتصويرها.. فهذا الاهتمام البالغ، وهذا الحفظ الدقيق للأمور، وراءه محاسبة بلا شك، اذ هل يمكن لحاكمٍ حفيظ لا يهمل أدنى معاملة لأبسط رعاياه أن لا يحفظ ولا يدوّن الاعمال العظيمة لكبار رعاياه، ولا يحاسبهم ولا يجازيهم على ما صنعوا مع انهم يُقدمون على اعمال تمسّ الملك العزيز، وتتعرض لكبريائه، وتأباه رحمته الواسعة؟.. وحيث انهم لا ينالون عقاباً هنا..

فلابد انه مؤجل الى محكمة كبرى.

الصورة الثامنة

تعال، لأتلو عليك هذه الأوامر الصادرة من السلطان. انظر، انه يكرر وعده ووعيده قائل:لآتينّ بكم الى مقر سلطنتي، ولأسعدنّ المطيعين منكم، ولأزجنّ العصاة في السجن، ولأدمرنّ ذلك المكان الموقت، ولأنشأن مملكة اخرى فيها قصور خالدة وسجون دائمة.. علماً ان ما قطعه على نفسه من وعد، هين عليه تنفيذه، وهو بالغ الأهمية لرعاياه. أما اِخلاف الوعد فهو منافٍ كلياً لعزته وقدرته.

فانظر ايها الغافل: اِنك تصدق اكاذيب أوهامك، وهذيان عقلك، وخداع

نفسِك، ولا تصدّق مَن لا يحتاج الى مخالفة الوعد قطعاً، ومَن لا تليق المخالفة بغيرته وعزته اصلاً، ومَن تشهد الامور كافة على صدقه.. انك تستحق العقاب العظيم بلاشك، اذ إن مَثلكَ في هذا مثل المسافر الذي يغمض عينيه عن ضوء الشمس، ويسترشد بخياله، ويريد ان ينير طريقه المخيف ببصيص عقله الذي لا يضئ الا كضياء اليراعة (ذباب الليل).

وحيث انه قد وعد، فسيفي بوعده حتماً، لأن وفاءه سهل عليه وهين، وهو من مقتضيات سلطنته، وهو ضروري جداً، لنا ولكل شئ.

اذن هناك محكمة كبرى وسعادة عظمى.

الصورة التاسعة

تعال، لننظر الى رؤساء(5) من هذه الدوائر، قسم منهم يمكنهم الاتصال بالسلطان العظيم مباشرة، بهاتف خاص. بل لقد ارتقى قسم آخر وسما الى ديوان قدسه.. تأمل ماذا يقول هؤلاء؟ انهم يخبروننا جميعاً ان السلطان قد أعدّ مكاناً فخماً رائعاً لمكافأة المحسنين وآخر رهيباً لمعاقبة المسيئين. وانه يَعِد وعداً قوياً ويُوعِد وعيداً شديداً، وهو أجلّ وأعزّ من أن يذلّ الى خلاف ما وعد وتوعد. علماً بأن اخبار المخبرين قد وصلت من الكثرة الى حد التواتر ومن القوة الى درجة الاتفاق والاجماع فهم يبلغوننا جميعاً: بأن مقر هذه السلطنة العظيمة التي نرى آثارها وملامحها هنا، انما هو في مملكة اخرى بعيدة. وان العمارات في ميدان الامتحان هذا بنايات وقتية، وستُبدّل الى قصور دائمة، فتبدل هذه الارض بغيرها. لأن هذه السلطنة الجليلة الخالدة التي تُعرف عظمتُها من آثاره لا يمكن ان تقتصر هيمنتُها على مثل هذه الامور الزائلة التي لا بقاء لها ولا دوام ولا كمال ولا قرار ولا قيمة ولا ثبات. بل تستقر على ما يليق بها وبعظمتها من امور تتّسم بالديمومة والكمال والعظمة.

فاذن هناك دار اخرى.. ولابد ان يكون الرحيل الى ذلك المقر.

الصورة العاشرة

تعال يا صاحبي، فاليوم يوم عيد ملكي عظيم(6).. ستحدث تبدلات وتغيرات وستبرز أمور عجيبة.. فلنذهب معاً للنزهة، في هذا اليوم البهيج من ايام الربيع الى تلك الفلاة المزدانة بالازهار الجميلة.. انظر! هاهم الناس متوجهون الى هناك.. انظر! هاهنا امر غريب عجيب، فالعمارات كلها تنهار وتتخذ شكلاً آخر! حقاً انه شئ معجز! اذ العمارات التي انهارت قد أعيد بناؤها هنا فوراً، وانقلبت هذه الفلاة الخالية الى مدينة عامرة! انظر.. انها تريك كل ساعة مشهداً جديداً وتتخذ شكلاً غير شكلها السابق كشاشة السينم لاحظ الأمر بدقة لترى روعة هذا النظام المتقن في هذه الشاشة التي تختلط فيها المشاهد بكثرة وتتغير بسرعة فهي مشاهد حقيقية يأخذ كل شئ مكانه الحقيقي في غاية الدقة والانسجام، حتى المشاهد الخيالية لا تبلغ هذا الحد من الانتظام والروعة والاتقان، بل لا يستطيع ملايين الساحرين البارعين من القيام بمثل هذه الاعمال البديعة.. اذن فللسلطان العظيم المستور عنا الشئ الكثير من الامور الخارقة.

فيا أيها المغفل! انك تقول: كيف يمكن ان تدمّر هذه المملكة العظيمة وتعمّر من جديد في مكان آخر؟.

فها هو ذا أمامك ما لا يقبله عقلك من تقلبات كثيرة وتبدلات مذهلة، فهذه السرعة في الاجتماع والافتراق، وهذا التبدل والتغير، وهذا البناء والهدم.. كلها تنبىء عن مقصد، وتنطوي على غاية، اذ يُصرف لأجل اجتماع في ساعة واحدة ما ينفق لعشر سنوات ! فهذه الاوضاع اذن ليست مقصودة لذاتها، بل هي أمثلة ونماذج للعرض هنا. فالسلطان يُنهي اعماله على وجه الاعجاز، كي تؤخذ صورها، وتُحفظ نتائجها وتُسجل كما تُسجل وتُحفظ كل ما في ميدان المناورات العسكرية. فالأمور والمعاملات اذن ستجري في الاجتماع الاكبر وتستمر وفق ما كانت هنا. وستعرض تلك الامور عرضاً مستمراً في المشهد الاعظم والمعرض الاكبر. أي ان هذه الاوضاع الزائلة تنتج ثماراً باقية وتولّد صوراً خالدة هناك.

فالمقصود من هذه الاحتفالات اذن هو بلوغ سعادة عظمى، ومحكمة كبرى، وغايات سامية مستورة عنا.

الصورة الحادية عشرة

تعال أيها الصديق المعاند، لنركب طائرة أو قطاراً، لنذهب الى الشرق او الى الغرب أي الى الماضي أو الى المستقبل لنشاهد ما اظهره السلطان من معجزات متنوعة في سائر الاماكن. فما رأيناه هنا في المعرض، أو في الميدان، أو في القصر، من الأمور العجيبة له نماذج في كل مكان، اِلاّ انه يختلف من حيث الشكل والتركيب. فيا صاحبي، أنعم النظر في هذا، لترى مدى ظهور اِنتظام الحكمة، ومبلغ وضوح اشارات العناية، ومقدار بروز امارات العدالة، ودرجة ظهور ثمرات الرحمة الواسعة، في تلك القصور المتبدلة، وفي تلك الميادين الفانية، وفي تلك المعارض الزائلة. فَمَن لم يفقد بصيرته يفهم يقيناً أنه لن تكون بل لا يمكن تصور -حكمة أكملَ من حكمة ذلك السلطان ولا عناية اجملَ من عنايته، ولا رحمة أشمل من رحمته، ولا عدالة أجلّ من عدالته.. ولكن لما كانت هذه المملكة كما هو معلوم قاصرةً عن اظهار حقائق هذه الحكمة والعناية والرحمة والعدالة، ولو لم تكن هناك في مقر مملكته كما توهمت قصور دائمة، وأماكن مرموقة ثابتة، ومساكن طيبة خالدة، ومواطنون مقيمون، ورعايا سعداء تحقق تلك الحكمة والعناية والرحمة والعدالة، يلزم عندئذٍ اِنكار ما نبصره من حكمة، وانكار ما نشاهده من عناية، وانكار ما نراه من رحمة، وانكار هذه الامارات والاشارات للعدالة الظاهرة البينة.. انكار كل ذلك بحماقة فاضحة كحماقة من يرى ضوء الشمس وينكر الشمس نفسَها في رابعة النهار! ويلزم أيضاً القول بأن القائم بما نراه من اجراءات تتسم بالحكمة وافعالٍ ذات غايات كريمة وحسنات ملؤها الرحمة انما يلهو ويعبث ويغدر حاشاه ثم حاشاه وما هذا الا قلب الحقائق الى أضدادها، وهو المحال باتفاق جميع ذوي العقول غير السوفسطائي الابله الذي يُنكِر وجودَ الاشياء، حتى وجودَ نفسه.

فهناك اذن ديار غير هذه الديار، فيها محكمة كبرى ، ودار عدالة عليا، ومقرَّ كرم عظيم، لتظهر فيها هذه الرحمة وهذه الحكمة وهذه العناية وهذه العدالة بوضوح وجلاء.

الصورة الثانية عشرة

تعال فلنرجع الآن يا صاحبي، لنلتقي ضباطَ هذه الجماعات ورؤساءها، انظر الى معدّاتهم.. أزوّدوا بها لقضاء فترة قصيرة من الزمن في ميدان التدريب هذا، أم انها وُهبَت لهم ليقضوا حياة سعيدة مديدة في مكان آخر؟ ولما كنا لا نستطيع لقاء كل واحد منهم، ولا نتمكن الاطلاع على جميع لوازمهم وتجهيزاتهم، لذا نحاول الاطلاع على هوية وسجل أعمال واحد منهم كنموذج ومثال. ففي الهوية نجد رتبة الضابط، ومرتّبه، ومهمته، وامتيازاته، ومجال اعماله، وكل ما يتعلق بأحواله.. لاحظ، ان هذه الرتبة ليست لأيام معدودة بل لمدة مديدة.. ولقد كتب في هويته انه يتسلّم مرتّبه من الخزينة الخاصة بتاريخ كذا.. غير أن هذا التاريخ بعيد جداً، ولا يأتي الا بعد انهاء مهام التدريب في هذا الميدان.. أما هذه الوظيفة فلا توافق هذا الميدان الموقت ولا تنسجم معه، بل هي للفوز بسعادة دائمة في مكان سامٍ عند الملك القدير.. أما الواجبات فهي كذلك لا يمكن ان تكون لقضاء ايام معدودة في دار الضيافة هذه، وانما هي لحياة أخرى سعيدة أبدية.. يتضح من الهوية بجلاء، ان صاحبها مهيأ لمكان أخر، بل يسعى نحو عالم آخر.

انظر الى هذه السجلات التي حدّدت فيها كيفية استعمال المعدّات والمسؤوليات المترتبة عليها، فان لم تكن هناك منزلة رفيعة خالدة غير هذا الميدان، فلا معنى لهذه الهوية المتقنة، ولا لهذا السجل المنتظم، ولسقط الضابط المحترم والقائد المكرم والرئيس الموقر الى درك هابط ولقي الشقاء والذلة والمهانة والنكبة والضعف والفقر.. وقس على هذا، فأينما انعمت النظر متأملاً قادك النظر والتدبر الى أن هناك بقاء بعد هذا الفناء..

فيا صديقي! ان هذه المملكة المؤقتة ما هي إلا بمثابة مزرعة، وميدان تعليم، وسُوق تجاري، فلابد ان تأتي بعدها محكمة كبرى وسعادة عظمى. فاذا انكرتَ هذا، فسوف تضطر الى انكار كل الهويات والسجلات التي يمتلكها الضابط، وكل تلك العُدد والاعتدة والتعليمات، بل تضطر الى انكار جميع الأنظمة في هذه المملكة، بل اِنكار وجود الدولة نفسها، وينبغي عند ذلك أن تكذّب جميع الاجراءات الحادثة. وعنده لا يمكن ان يُقال لك انك انسان له شعور. بل تكون اذ ذاك أشد حماقة من السوفسطائيين.

وإياك اِياك أن تظـن أن دلائـل واشـارات تبـديل المملكة منحصـرة في « اثنتي عشرة » صورة التي أوردناها، اذ ان هناك ما لايعد ولا يحصى من الامارات والادلة على أن هذه المملكة المتغيرة الزائلة تتحول الى اخرى مستقرة باقية، وهناك الكثير الكثير من الاشارات والعلامات تدل على أن هؤلاء الناس سينقلون من دار الضيافة المؤقتة الزائلة الى مقر السلطنة الدائمة الخالدة.

يا صاحبي! تعال لأقرر لك برهاناً اكثر قوة ووضوحاً من تلك البراهين الاثنى عشر التي انبأت عنها تلك الصور المتقدمة. تعال، فانظر الى المبعوث الكريم، صاحب الأوسمة الرفيعة الذي شاهدناه في الجزيرة من قبل انه يبلّغ أمراً الى الحشود الغفيرة التي تتراءى لنا على بُعد. فهيّا نذهب ونصغيِ اليه.. انتبه! فها هو يُفسّر للملأ البلاغ السلطاني الرفيع ويوضحه قائلاً لهم:

تهيأوا! سترحلون الى مملكة اخرى خالدة، ما اعظمها من مملكة رائعة! ان مملكتنا هذه تعدّ كالسجن بالنسبة لها. فاذا ما اصغيتم الى هذا الامر بامعان، ونفّذتموه باتقان ستكونون اهلاً لرحمة سلطاننا واحسانِه في مستقره الذي تتجهون اليه، والا فالزنزانات الرهيبة مثواكم جزاء عصيانكم الأمر وعدم اكتراثكم به..

انه يذكّر الحاضرين بهذا البلاغ، وانت ترى على ذلك البلاغ العظيم ختمَ السلطان الذي لا يُقلّد. والجميع يدركون يقين  إلا أمثالك من العميان ان ذلك المبعوث المجلل بالأوسمة الرفيعة هو مبلِّغ أمين لأوامر السلطان، بمجرد النظر الى تلك الأوسمة.

فيا ترى هل يمكن الاعتراض على مسألة تبديل هذه المملكة التي يدعو اليها ذلك المبعوث الكريم بكل ما أوتي من قوة، ويتضمنه البلاغ الملكي السامي؟ كلا.. لا يمكن ذلك أبداً، اِلا اذا انكرتَ جميع ما تراه من أمور وحوادث.

فالآن ايها الصديق! لك أن تقول ما تشاء.

ماذا عساي أن أقول؟ وهل بقي مزيد من قول لقائل امام هذه الحقائق! وهل يقال للشمس وهي في كبد السماء، اين هي؟. ان كل ما أريد أن أقوله هو: الحمد لله، وألف شكر وشكر، فقد نجوت من قبضة الأوهام والاهواء، وتحررت من أسار النفس والسجن الابدي، فآمنت بأن هناك دار سعادة عند السلطان المعظم، ونحن مهيأون لها بعد هذه الدار الفانية المضطربة.

وهكذا تمت الحكاية التي كانت كناية عن الحشر والقيامة. والآن ننتقل بتوفيق العلي القدير الى الحقائق العليا، فسنبينها في ( اثنتي عشرة حقيقة ) وهي متسانده مترابطة  مقابل الصور الاثنتي عشرة، بعد ان نمهد لها بمقدمة.

 
 

(1)   السفسطة:الإستدلال والقياس الباطل، أو الذي يقصد به تمويه الحقائق. والسفسطائية فرقة ينكرون الحسيات والبديهيات وغيرها.

(2)  اشارة الى فصول السنة حيث الربيع يشبه شاحنة قطار مملوءة بالأغذية و يأتي من عالم الغيب. المؤلف.

(3)   فكما ان الجيش الهائل في ميدان المناورات أو مباشرة الحرب، يتحول الى ما يشبه غابة أشواكٍ، بمجرد تسلّمه أمرَ: »خذوا السلاح، ركّبوا الحِراب«. وكما يتحول المعسكر برمّته في كل عيد وعرض عسكري الى ما يشبه حديقة جميلة ذات أزهار ملونة بمجرد تسلمه أمر: احملوا شاراتكم، تقلّدوا أوسمتكم.. كذلك النباتات غير ذات الشعور والتي هي نوع من جنود غير متناهية لله سبحانه ـ كما ان الملائكة والجن والانس والحيوان جنوده ـ فهي عندما تتسلم أمر "كن فيكون" اثناء جهادها لحفظ الحياة وتؤمر بالامر الالهي "خذوا اسلحتكم وعتادكم لأجل الدفاع" تهيء الاشجارُ والشجيرات المشوكة رميحاتها، فيتحول سطح الارض الى ما  يشبه المعسكر الضخم المدجج بالسلاح الابيض فكل يوم من ايام الربيع،  وكل اسبوع فيه بمثابة عيد لطائفة من طوائف النباتات،  فتُظهِر كلُ طائفة منها ما وهّبه لها سلطانها من هدايا جميلة، وما أنعم عليها من أوسمة مرصعة، فتعرض نفسها ــ بما يشبه العرض العسكري ــ امام نظر السلطان الازلي واشهاده، كأنها تسمع أمراً ربانياً: تقلّدوا مرصعات الصنعة الربانية، واوسمة الفطرة الإلهية التي هي الازهار والثمار... وفتّحوا الازهار. عندئذ يعود سطح الارض كأنه معسكر عظيم في يوم عيد بهيج، وفي استعراض هائل رائع تزخر بالأوسمة البراقة والشارات اللماعة.

فهذا الحشد من التجهيز الحكيم وهذا المدى من العتاد المنظّم وهذا القدر من التزيين البديع يُري لمن لم يفقد بصره انه أمر سلطان قدير لا منتهى لقدرته، وأمر حاكم حكيم لا نهاية لحكمته. ـ المؤلف

(4)   لقد وضح قسم من هذه المعاني التي تشير اليها هذه الصورة في (الحقيقة السابعة). فآلة التصوير الكبرى هنا ـ التي تخص السلطان ـ تشير الى اللوح المحفوظ، والى حقيقته وقد اثبتت الكلمة (السادسة والعشرون) اللوح المحفوظ، وتحقّق وجوده بما يأتي:

كما ان الهويات الشخصية الصغيرة ترمز الى وجود سجل كبير للهويات، والسندات الصغيرة تُشعر بوجود سجل اساس للسندات. ورشحات قطرات صغيرة وغزيرة تدل على وجود منبع عظيم، فان القوى الحافظة في الانسان، واثمار الاشجار، وبذور الثمار كذلك كل منها بمثابة هويات صغيرة، وبمعنى »لوح محفوظ صغير« وبصورة  ترشحات نقاط صغيرة ترشحت من القلم الذي كتب اللوح المحفوظ الكبير. فلابد ان كلاً منها تشعر بوجود الحافظة الكبرى، والسجل الاكبر، واللوح المحفوظ الاعظم، بل تُثبته وتبرزه الى العقول النافذة. ــ  المؤلف .

(5)  ان المعاني التي تثبتها هذه الاشارة ستظهر في "الحقيقة الثامنة" فمثلاً: أن رؤوساء الدوائر في هذا المثال ترمز الى الانبياء والاولياء. أما الهاتف فهو نسبة ربانية مممتدة من القلب الذي هو مرآة الوحي ومظهر الالهام وبمثابة بداية ذلك الهاتف وسماعته. ــ المؤلف

 

(6)  سترى ما ترمز اليه هذه الصورة في (الحقيقة التاسعة). فيوم العيد مثلاً اشارة الى فصل الربيع، أما الفلاة المزدانة بالازهار فاشارة الى سطح الارض في موسم الربيع، أما المناظر والمشاهد المتغيرة في الشاشة، فالمقصود منها انواع ما يخرجه الربيع والصيف من الارزاق الخاصة بالحيوان والانسان التي يقدّرها الصانع القدير ذو الجلال والفاطر الحكيم ذو الجمال، والذي يغيرها بانتظام كامل ويجدّدها برحمة تامة منه سبحانه، ويرسلها في فترات متعاقبة متتالية ابتداء من أول الربيع الى انتهاء الصيف. ــ المؤلف