تأمل من نافذة السجن

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

عندما كنت انظر من نافذة السجن، الى ضحكات البشرية المبكية، في مهرجان الليل البهيج، انظر اليها من خلال عدسة التفكر في المستقبل والقلق عليه، انكشف امام نظر خيالي هذا الوضع، الذي ابينه:

مثلما تشاهد في السينما اوضاع الحياة لمن هم الأن راقدون في القبر، فكأنني شاهدت امامي الجنائز المتحركة لمن سيكونون في المستقبل القريب من اصحاب القبور.. بكيت على اولئك الضاحكين الآن، فانتابني شعور بالوحشة والالم. راجعت عقلي، وسألت عن الحقيقة قائلاً: ما هذا الخيال؟ قالت الحقيقة:

ان خمسة من كل خمسين من هؤلاء البائسين الضاحكين الآن والذين يمرحون في نشوة وبهجة سيكونون كهولاً بعد خمسين عاماً، وقد انحنت منهم الظهور وناهز العمر السبعين. والخمسة والاربعين الباقية يُرمون في القبور

فتلك الوجوه الملاح، وتلك الضحكات البهيجة، تنقلب الى أضدادها. وحسب قاعدة (كل آت قريب)(1) فان مشاهدة ما سيأتي كأنه آتٍ الآن تنطوي على حقيقة، فما شاهدته اذاً ليس خيالاً

فما دامت ضحكات الدنيا المتسمة بالغفلة مؤقتة ومعرضة الى الزوال، وهي تستر مثل هذه الاحوال المؤلمة المبكية، فلابد أن ما يسرّ قلب الانسان البائس العاشق للخلود، ويفرح روحه الولهان بعشق البقاء، هو ذلك اللهو البرىء والمتعة النزيهة وافراح ومسرات تخلد بثوابه، ضمن نطاق الشرع، مع اداء الشكر باطمئنان القلب وحضوره بعيداً عن الغفلة. ولئلا تقوى الغفلة في النفوس في الاعياد، وتدفع الانسان الى الخروج عن دائرة الشرع، ورد في الاحاديث الشريفة ترغيب قوي وكثير في الشكر وذكر الله في تلك الايام. وذلك لتنقلب نعم الفرح والسرور الى شكر يديم تلك النعمة ويزيدها، اذ الشكر يزيد النعم ويزيل الغفلة (*)

سعيد النورسي

_________________

(1) رواه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً، وروى البيهقي في الأسماء والصفات عن ابي شهاب مرسلاً (كشف الخفاء 2/114) – المترجم.

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 446