ثمرة التوحيد في ذوي الشعور

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

هذه الثمرة متوجهة الى ذوي الشعور، ولاسيما الى الانسان. 

نعم، ان الانسان بسر التوحيد، صاحب كمال عظيم بين جميع المخلوقات، وهو أثمن ثمرات الكون، وألطف المخلوقات واكملها، واسعد ذوي الحياة ومخاطب رب العالمين واهلٌ ليكون خليله ومحبوبه. حتى ان جميع المزايا الانسانية وجميع مقاصد الانسان العليا مرتبطة بالتوحيد وتتحقق بسر التوحيد، فلولا التوحيد لأصبح الانسان اشقى المخلوقات وادنى الموجودات واضعف الحيوانات واشد ذوي المشاعر حزناً واكثرهم عذاباً وألماً.

ذلك لان الانسان يحمل عجزاً غير متناه، وله اعداء لانهاية لهم، وينطوي على فقر دائم لاحدود له وحاجات لاحدود لها. 

ومع هذا فان ماهيته مجهزة بآلات ومشاعر متنوعة وكثيرة الى درجة يستطيع ان يستشعر بها مائة الف نوع من الآلام وينشد مئات الالوف من انواع اللذائذ. فضلاً عن أن له من المقاصد والرغبات مالا يمكن تلبيتها إلاّ من قِبَل مَن ينفذ حكمه في الكون بأسره.

 

فمثل:في الانسان رغبة ملحة شديدة للبقاء. فلا يحقق له هذه الرغبة الاّ من يتصرف في الكون كله بسهولة مطلقة، يفتح باب دار الآخرة بعد ان يسد باب دار الدنيا كفتح باب منزل وغلق آخر.

ففي الانسان الوف من الرغبات الايجابية والسلبية امثال هذه الرغبة، رغبة البقاء. تلك الرغبات ممتدة الى جهة الابد والخلود ومنتشرة في اقطار العالم كله. فالذي يُطمئن هذه الرغبات ويهدهدها ويضمد جرحي الانسان الغائرين، العجز والفقر، ليس الاّ الواحد الأحد الذي بيده مقاليد كل شئ.

وكذا في الانسان من المطالب الدقيقة الجزئية والخفية جداً تخص راحة قلبه وسلامته، وله ايضاً من المقاصد الكلية المحيطة ما هو مدار لبقاء روحه وسعادتها، بحيث لايمكن ان يحققها له الاّ من يبصر ما لايُرى من أرق حجب القلب ويهتم بها ويسمع ما لا يُسمع من أخفى الاصوات ويستجيب لها، ومن له القدرة على تسخير السموات والارض في وظائف جليلة كتسخير الجندي المنقاد للاوامر. وكذا فان جميع اجهزة الانسان ومشاعره تأخذ مكانة رفيعة بسر التوحيد، في حين تسقط الى هاوية سحيقة بالكفر والشرك.

فمثل:العقل الذي هو افضل اجهزة الانسان وارقاها ،ان استعمل بسر التوحيد، فانه يصبح مفتاحاً ثميناً بحيث يفتح الكنوز الإلهية السامية  والوفاً من خزائن الكون، بينما اذا تخبط ذلك العقل في وحل الضلالة والكفر فانه يصبح آلة تعذيب ووسيلة ازعاج، بما يجمع من آلام الماضي الحزينة ومخاوف المستقبل الرهيبة.

ومثل:الشفقة والحنان، وهي ألطف سجية من سجايا الانسان وأحلاها، إن لم يسعفها سر التوحيد تتحول الى ألم الحرقة وعذاب الفراق وجرح العطف، فتتحول الى مصيبة كبرى تدفع بالانسان الى درك الشقاء. نعم ان الوالدة الغافلة عن الله والفاقدة لوحيدها الى الابد تستشعر هذه الحرقة شعوراً كاملاً.

ومثل:المحبة التي هي ألذ شعور في الانسان وأطيبه وأسماه، اذا ما أعانها سر التوحيد يجعل الانسان الصغير واسعاً سعة الكون وعظيماً وكبيراً كبره حتى يجعله سلطاناً محبوباً على المخلوقات كافة. بينما المحبة نفسها اذا ماتردت الى الشرك والكفر -والعياذ بالله فانها تنقلب الى مصيبة عظيمة بحيث تمزق قلب الانسان الضعيف كل حين وآن بفراق أحبته غير المعدودين فراقاً ابدياً  حيث يمحوهم الزوال والفناء دائماً. بيد ان انواع اللهو والغفلة تحول دون استشعار الانسان بهذا الالم، اذ تبطل شعوره وحسّه مؤقتاً وظاهراً.

فاذا ما قست المئات من اجهزة الانسان ومشاعره على هذه الامثلة الثلاثة، تدرك عندئذٍ الى اي مدى يكون التوحيد محوراً للكمالات الانسانية.

نكتفي بهذه الاشارة القصيرة الى هذه الثمرة الثالثة حيث انها فصلت تفصيلاً وافياً مع دلائلها في اكثر من عشرين رسالة من مجموعة " سراج النور " .

ان الذي اوصلني الى هذه الثمرة وساقني اليها هو الشعور الآتي:

كنت يوماً على قمة جبل، تراءى لي القبر بكل معناه، وبدا لي الموت بكل حقائقه، وظهر لي الزوال والفناء بلوحاته الحزينة المبكية، وذلك بوساطة يقظة روحية بددت ظلمة الغفلة. فاحتدّ عشق البقاء المغروز في فطرتيكما هو في الآخرين احتدّ غاضباً امام هذا المنظر، فشق عصا الطاعة ازاء الزوال. وفار ما فيّ من العطف على بني الجنس والرأفة على نوع البشر وطغى ازاء القبر وفناء الانبياء المكرمين واهل الفضل الموقرين من الاولياء والاصفياء، الذين اكنّ لهم حباً شديداً وتبجيلاً عظيماً وتقديراً لائقاً وارتبط بهم بعلاقة وثيقة.

وازاء هذا الامر توجهت الى الجهات الست لأستمدّ منها العون. فلم اجد ما يسلّيني ابداً. حيث ان جهة الماضي قد تحولت الى مقبرة كبرى واسعة، وجهة المستقبل مظلم مخيف، وجهة الفوق مخيفة رهيبة، وجهة الاسفل وكذا اليمين والشمال كلها جهات تورث حالات أليمة حزينة. فرأيت كأن الاشياء المضرة التي لاتحد تنقض عليّ انقضاضاً، فأغاثني سر التوحيد من حالتي التي كنت فيها ورفع السـتار من امام بصيرتي وأراني حقيقة هذه الجهات قائلاً: انظر! فنظرت اول مانظرت الى وجه الموت المخيف. ورأيت ان الموت لاهل الايمان تسريح من الوظيفة، والاجل هو بطاقته. فالموت اذن تبديل مكان، ومقدمة لحياة باقية، وباب اليها. وهو انطلاق

من سجن الدنيا الى بساتين الآخرة. وهو انتظار زمن الوصول الى ديوان الرحمن الرحيم لاستلام اجرة العمل، وهو دعوة الى دار السعادة.

ولما فهمت حقيقة الموت فهماً يقيناً احببته.

ثم نظرت الى الزوال والفناء، ورأيت: أن زوال الاشياء انما هو تجديد لها ولأمثالها، فهو تجديد ممتع ملذ، شبيه بتجدد مشاهد السينما وشبيه بتجدد جمال حباب النهر الجاري تحت ضوء الشمس. لذا علمت يقيناً ان زوال الاشياء وفناءها انما هو تجديد للتجليات الجميلة للأسماء الحسنى ، و وظيفة يؤديها ضمن سير وتجوال في عالم الشهادة بعد مجيئها من عالم الغيب، وهو مظاهرحكيمة لجمال الربوبية، فالموجودات تؤدي به وظيفة المرآة ازاء الحسن السرمدي.

ثم نظرت الى الجهات الست ورأيت: انها نورانية بسر التوحيد بل نورانية الى حد يكاد سنا نورها يخطف بالابصار. حتى رأيت أن الزمان الماضي لم يعد مقبرة عظيمة بل انقلب الى المستقبل ليكون مجالس نورانية ومجامع أحباب ومناظر نورانية تزيد على الالوف.

وهكذا على غرار هاتين المادتين نظرت الى الوجوه الحقيقية لالوف المواد. ورأيت انها لا تورث الاّ السرور والفرح.

ان شعوري هذا وتذوقي الروحي هذا في الثمرة الثالثة قد وضّحا مع الدلائل القاطعة الكلية والجزئية في مجموعة" سراج النور " بل في اربعين من اجزائها ولا سيما في اللمعة السادسة والعشرين (رسالة الشيوخ) في رجاياها الثلاث عشرة. اذ قد وضّحت هناك وضوحاً كافياً لا ايضاح فوقه. لذا اختصرت هذه المسألة الطويلة في هذا المقام. (*)

 

_____________________

(*) كليات رسائل النور – الشعاعات  ص: 18