خاطرة جميلة

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي

 

حينما كنت اقرأ جملة (ألف ألف صلاة وألف ألف سلام عليك يارسول الله) عقب الصلاة، تراءت لي من بعيد خاطرة لطيفة انكشفت من تلك الصلوات، الا انني لم أتمكن من اقتناصها كاملة، ولكن ساشير الى بعض جملها

رأيت ان عالم الليل شبيه بمنزل جديد يفتح لدار الدنيا.. دخلت ذلك العالم في صلاة العشاء، ومن انبساط فوق العادة للخيال وبحكم ارتباط ماهية الانسان مع الدنيا قاطبة رأيت ان هذه الدنيا العظيمة قد اصبحت في ذلك الليل منزلا صغيراً جداً حتى لا يكاد يرى ما فيه من بشر وذوي حياة. ورأيت خيالاً أن ليس هناك من ينور ذلك المنزل الا الشخصية المعنوية للرسولحتى امتلأت ارجاؤه بهجة وانساً وسروراً

وكما يبدأ الشخص بالسلام عند دخوله المنزل، كذلك وجدت في نفسي شوقاً هائلاً ورغبة جياشة الى القول: ألف ألف سلام عليك يارسول الله(1)

ومن هنا وجدت نفسي كأنني اسلم عليه بعدد الانس والجن واعبر بسلامي هذا عن تجديد البيعة له والرضى برسالته وقبولها منه واطاعة القوانين التي أتى بها، والتسليم لاوامره وسلامته من بلايانا. أي كأنني اقدم هذا السلام – ناطقاً تلك المعاني – باسم كل فرد من افراد عالمي وهم ذوو الشعور من جن وانس، وجميع المخلوقات

وكذا فان ما جاء به من النور العظيم والهدية الغالية ينور عالمي الخاص هذا كما ينور العالم الخاص لكل احد في هذه الدنيا، فيحوّل عالمنا الى عالم زاخر بالنعم. فقلت تجاه هذه النعمة الهائلة: (اللهم أنزل ألف صلاة عليه) علها تكون شكراناً وعرفانا للجميل على ذلك النور الحبيب والهدية الغالية، اذ اننا لانستطيع أن نرد جميله واحسانه الينا أبداً، فأظهرنا تضرعنا الى الله جل وعلا بالدعاء والتوسل كي ينزل من خزائن رحمته رحمة عليه بعدد اهل السموات جميعاً.. هكذا احسست خيالاً

فهويطلب صلاة بمعنى (الرحمة) من حيث هو (عبد) ومتوجه من الخلق الى الحق سبحانه. ويستحق (السلام) من حيث أنه (رسول) من الحق سبحانه الى الخلق

وكما اننا نرفع اليه سلاماً بعدد الانس والجن، ونجدد له البيعة العامة بعددها ايضاً، فانهيستحق ايضاً صلاة من خزائن الرحمة الإلهية بعدد اهل السموات، وبأسم كل واحد منهم؛ ذلك لأن النور الذي جاء به هو الذي يظهر كمال كل شىء في الوجود، ويُبرز قيمة كل موجود، وتُشاهد به الوظيفة الربانية لكل مخلوق، وتتجلى به المقاصد الإلهية من كل مصنوع. لذلك لو كان لكل شىء لسان لكان يردد قولاً كما يردد حالاً: الصلاة والسلام عليك يارسول الله.. فنحن بدورنا نقول بدلا عن المخلوقات كافة

ألف ألف صلاة وألفُ ألف سلام عليك يارسول الله بعدد الانس والجن وبعدد الملك والنجوم

فيكفيك ان الله صلى بنفسه          واملاكه صلت عليه وسلمت(*)

 

سعيد النورسي

___________________

 (1) ذلك لان الرحمة النازلة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هي متوجهة لحاجة الامة قاطبة في زمن ابدي، لذا فالصلاة غير المتناهية التي تهدي اليه منسجمة جداً

فلو دخل شخص بيتاً خالياً مظلماً موحشاً – كالدنيا المظلمة الموحشة بالغفلة – كم سيأخذه الرعب والدهشة والاضطراب؟ ولكن كم يسرّه ويؤنسه ويفرحه وينوره لو رأى أن شخصاً قد تصدر ذلك البيت يعرّفه بجميع ما فيه؟ فما بالك لو كان هذا الشخص هو الحبيب المحبوب والانيس المأنوس وهو الرسول العظيمyمتصدر بيت العالم، يعرف لنا المالكَ الرحيمَ بما فيه من اشياء

قس هكذا لكي تقدر بنفسك قيمة الصلوات عليه ولذتها. – المؤلف

(*) كليات رسائل النور – اللمعات ص: 441