رفض الهدايا

 

النورسي 

بديع الزمان 

حالات متميزة 

- رفض الهدايا: 

كنت أرفض قبول أموال الناس وهداياهم منذ نعومة أظفاري. فما كنت أتنازل لإظهار حاجتي للآخرين رغم انني كنت فقير الحال وفي حاجة إلى المال، وما كنت زاهداً ولا صوفياً ولا صاحب رياضة روحية، فضلاً عن انني ما كنت من ذوي الحسب والنسب والشهرة.

فازاء هذه الحالة كنت أحار من امري كما كان يحار من يعرفني من الأصدقاء.

ولقد فهمت حكمتها قبل بضع سنين، أنها كانت لأجل عدم الرضوخ للطمع والمال، ولأجل الحيلولة دون مجئ اعتراض على رسائل النور في مجاهداتها، فقد أنعم عليّ الباري عز وجل تلك الحالة الروحية.. والاّ كان أعدائي الرهيبون ينزلون بي ضربتهم القاضية من تلك الناحية.(1)

ويا اخوتي، تعلمون انني لا أقبل الصدقات والمعونات، كما لا أكون وسيلة لأمثالها من المساعدات، لذا ابيع ملابسي الخاصة وحاجياتي الضرورية،

لأبتاع بثمنها - من اخوتي - كتبي التي استنسخوها وذلك لأحول دون دخول منافع دنيوية في اخلاص رسائل النور، لئلا يصيبها ضرر.

وليعتبر من ذلك الاخوة الآخرون، فلا يجعلوا الرسائل وسيلة لأي شئ كان.(2)

ان السبب المهم للاستغناء عن الناس هو ما يقوله ابن حجر(3).

الموثوق حسب مذهبنا (الشافعي): يحرم قبول ما يوهب لك بنية الصلاح، ان لم تكن صالحاً.(4)

نعم ان انسان هذا العصر يبيع هديته البخسة بثمن باهظ، لحرصه وطمعه، فيتصور شخصاً مذنباً عاجزاً مثلي ولياً صالحاً، ثم يعطيني رغيفاً هديةً.

فاذا اعتقدت انني صالح - حاش لله - فهذا علامة الغرور، ودليل على عدم الصلاح.

وان لم اعتقد بصلاحي، فقبول ذلك المال غير جائز لي.

وايضاً ان أخذ الصدقة والهدية مقابل الاعمال المتوجهة للاخرة يعني قطف ثمرات خالدة للآخرة، بصورة فانية في الدنيا.(5)

هذا وان اسباباً كثيرة تمنعني عن قبول الهدايا، اذكر اهمها وهو:

الإخلال بالعلاقة الخالصة الحميمة بيني وبين طلاب النور، علاوة على انني لست محتاجاً حاجة ماسة، وذلك بفضل الالتزام بالاقتصاد والقناعة والبركة، بل لا استطيع ان امدّ يدي إلى اموال الدنيا، فذلك خارج طوقي وارادتي.

وسأبين سبباً دقيقاً واحداً من بين الأسباب الكثيرة:

اتى صديق حميم تاجر، بمقدار من (الشاي) يبلغ ثمنه ثلاثين قرشاً، فلم اقبله.

فقال: لا تردّني خائباً يا استاذي، لقد جلبته لك من استانبول! فقبلته ولكن دفعت له ضعف ثمنه.

فقال: لِمَ تتعامل هكذا يا استاذي، ما الحكمة فيه؟

قلت: لئلا اُنزل قيمة الدرس الذي تتلقاه -وهو بقيمة الألماس- إلى قيمة قطع زجاجية تافهة. فانني ادع نفعي الخاص لاجل نفعك انت!

نعم! ان درس الحقيقة الذي تأخذه من استاذ لا يتنازل إلى حطام الدنيا ولا تزل قدمه إلى الطمع والذل، ولا يطلب عوضاً عن ادائه الحق والحقيقة، ولا يضطر إلى التصنع.. هذا الدرس هو بقيمة الألماس.

بينما الدرس الذي يُتلقى من استاذ اضطر إلى اخذ الصدقات، وإلى التصنع للاغنياء وإلى التضيحة حتى بعزته العلمية، في سبيل جلب انظار الناس إليه، فمال إلى الرياء امام الذين يتصدّقون عليه.

وبهذا جوّز اخذ ثمرات الآخرة في الدنيا. اقول: ان هذا الدرس نفسه يهون في هذه الحالة إلى مستوى قطع زجاجية.(6)(*)

 

 

_______________

(1) الملاحق - اميرداغ 1 / 256

(2) الملاحق - اميرداغ 1 / 318

(3) احمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي (909 - 974 هـ ) شيخ الإسلام ابو العباس: فقيه باحث مصري له تصانيف كثيرة منها "الفتاوى الهيتمية" و "شرح الأربعين النووية" و "تحفة المحتاج لشرح المنهاج" في فقه الشافعية. و"شرح مشكاة المصابيح للتبريزي". عن الاعلام للزركلي .1/231

(4) "ومَنْ أُعطي لوصفٍ يُظنُّ به كفقرٍ أو صلاح أو نسبٍ بأن توفرّت القرائن انه إنما اُعطي بهذا القصد أو صرّح له المُعطي بذلك وهو باطناً بخلافه، حَرُم عليه الأخذ مطلقاً ومثله ما لو كان به وصفٌ باطناً لو أطّلع عليه المُعطي، لم يُعْطِهِ. ويجري ذلك في الهدية أيضاً على الأوجه. مثلها سائر عقود التبرّع فيما يظهر كهِبَةٍ ووصيةٍ ووقفٍ ونذر" (تحفة المحتاج لشرح المنهاج 7/ 178) لابن حجر الهيتمي الشافعي.

(5) المكتوبات / 17

(6) الملاحق- بارلا/ 57

(*) كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:491