غروب الشمس في عَينٍ حمئةٍ

باسمه سبحانه  

أيها المستخلف المبارك  

﴿حتى اذا بَلَغَ مَغْربَ الشَمْس وَجَدَها تَغْرُبُ في عَينٍ حمئةٍ﴾(الكهف:86)

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي 

ان المعنى الظاهري لقوله تعالى هو انه رأى غروب الشمس في ماء عينٍ ذي طين وحرارة.

ان آيات القرآن الكريم مبينة على اساليب اللغة العربية، وبوجه يفهمه عموم الناس بظاهر النظر، لذا كثيراً ما بينت المسائل بالتشبيه والتمثيل.

فقوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ في عَينٍ حمئةٍ﴾

يعني: ان ذا القرنين قد شاهد الشمس تغرب في ما يشبه عيناً موحلة وحامية، عند ساحل البحر المحيط الغربي، أو شاهد غروبها في عين جبل بركاني ذي لهيب ودخان.

أي انه شاهد في ظاهر النظر غروبها في سواحل البحر المحيط الغربي، وفي جزء منه الذي تراءى له من بعيد كأنه بُركة او حوض عينٍ واسعة،

فشاهد غروبها الظاهري خلف الابخرة الكثيفة المتصاعدة من مياه المستنقعات الواقعة عند سواحل البحر المحيطالغربي، لشدة حرارة شمس الصيف..

او شاهد اختفاء الشمس – التي هي عين السماء- (1) في عين ملتهبة انفلقت حديثاً على قمة جبل بركاني تقذف بحممها مازجة التراب والصخور والمعادن السائلة.

نعم ان تعابير القرآن الكريم البليغة المعجزة ترشد بهذه الجملة الى مسائل كثيرة:

فاولاً ان سياحة ذي القرنين كانت الى جهة الغرب.. وفي وقت عزّ الحر.. ونحو المستنقعات.. وموافقتها أوان غروب الشمس.. وحين انفلاق جبل بركاني..

كل هذا تشير به الآية الكريمة الى مسائل مليئة بالعبر منها استيلاء ذي القرنين على افريقيا استيلاءً تاماً.

ومن المعلوم ان الحركة المشهورة للشمس انما هي حركة ظاهرية، وهي دليل على حركة الارض الخفية – غير المحسوس بها – وهي تخبر عن تلك الحركة. وليس المراد حقيقة الغروب(2).

ثم ان كلمة (عين) انما هي للتشبيه، اذ البحر العظيم يُرى من بعيد كحوض صغير، فتشبيه البحر المشاهد من خلف الضباب والابخرة المتولدة من الستنقعات والبرك بلفح الحرارة بـ(عين حمئة) أي عين تنبع من طين، وكذا استعمال كلمة (عين) التي تعني في اللغة العربية: الينبوع والشمس والبصر، ينطوي على سرّ بلاغي دقيق وعلاقة وثيقة(3).

فكما بدا الغروب لنظر ذي القرنين من بُعد هكذا.

فان الخطاب القرآني النازل من العرش الاعظم المهيمن على الاجرام السماوية، حرىّ بهذا الخطاب السماوي ومنسجم مع عظمته ورفعته قوله بأن الشمس المسخرة سراجاً في مضيف رحماني، تختفي في (عين) ربانية وهي البحر المحيط الغربي، معبراً باسلوبه المعجز ان البحر (عين) حامية.

نعم هكذا يبدو البحر للعيون السماوية.

حاصل الكلام:

ان التعبير بـ(عين حمئة) للبحر المحيط الغربي انما هي بالنسبة لذي القرنين الذي رأى من بُعد ذلك البحر العظيم كأنه عين ماء.

أما النظر القرآني الذي هو قريب الى كل شيء، فلا ينظر نظر ذي القرنين من بعيد الذي يداخله خداع البصر، بل لانه نزل من السماء مطلعاً عليها، ولانه يرى الارض ميداناً او قصراً واحياناً مهداً او صحيفة، فان تعبيره بـ(عين) للبحر العظيم وهو المحيط الاطلسي الغربي المغطى بالضباب والابخرة انما يبين علوه ورفعته وسموه وعظمته.(*)

_______________________

(1) والعين: عين الشمس، وعين الشمس: شعاعها الذي لا تثبت عليه العين. وقيل: العين الشمس نفسها، يقال: طلعت العين، وغابت العين. (لسان العرب لابن منظور). – المترجم.

(2) جاء في تفسير البيضاوي: ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك اذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال (وجدها تغرب) ولم يقل: كانت تغرب. – المترجم.

(3) ان التعبير بـ(عين) في قوله تعالى (عَينٍ حمئةٍ) يذكر برمزٍ الى معنى لطيف وسر دقيق من اسرار البلاغة، وهو ان وجه السماء بعد مشاهدته بعين الشمس جمال رحمته تعالى على وجه الارض، وان وجه الارض عقب رؤيته بعين البحر عظمته تعالى في السماء، تُطبق العينان احداهما في الاخرى، فتطبق العيون على وجه الارض.. فالآية الكريمة تذكر بكلمة واحدة وباعجاز جميل هذا المعنى اللطيف مشيرة الى ما ينهى وظيفة العيون. – المؤلف.

(*) كليات رسائل النور –اللمعات ص:162