فوائد دخولنا السجن

النورسي 

بديع الزمان 

من رسائل سجن دنيزلي 

اخوتي الأعزاء الأوفياء!

أهنئ ليلتكم المباركة التي مرت، ليلة القدر، مع العيد السعيد المقبل، أهنئكم بكل ما املك، وأودعكم امانةً إلى رحمة الرحمن الرحيم وإلى وحدانيته جلّ وعلا.

ومع أنني لا أراكم بحاجة للسلوان فمضمون (من آمَنَ بالقَدرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ) كافٍ ويغني،

الاّ أنني اقول:

لقد شاهدت شهود يقين السلوان الكامل الذي يبعثه المعنى الإشاري للآية الكريمة:﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإنّكَ بِأعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾(الطور:48)

وذلك:

بينما كنت أتأمل في قضائنا شهر رمضان المبارك براحة وطمأنينة مع نسيان هموم الدنيا، إذا بهذه الحادثة الرهيبة التي لا تطاق، تحل بنا، والتي لم تخطر على بال، فاشهدها شهود عيان انها محض العناية الإلهية لي، ولرسائل النور، ولكم، ولشهر رمضاننا ولإخوتنا.

وفيما يخصني من فوائدها الكثيرة اذكر بضع فوائد منها فقط:

أولاها:انها دفعتني إلى السعي المتواصل في شهر رمضان بانفعال شديد وجدية صارمة والتجاء قوي وتضرع رقيق، متغلباً على المرض.

ثانيتها:ان الرغبة كانت شديدة في لقاء كل منكم وقريباً منكم في هذه السنة ايضاً، فقد كنت أرضى بهذه المعاناة والمشقات التي أتحملها ازاء لقاء واحد منكم والمجئ إلى (اسپارطة).

ثالثتها:ان جميع الحالات المؤلمة تتبدل فجأة ودفعة، سواء في (قسطموني) أو في الطريق أو هنا وبصورة غير معتادة وبخلاف رغبتي وتوقعي، بحيث تشاهد ان يد عناية ربانية وراء الأحداث،

حتى تجعلنا ننطق بـ: (الخير فيما اختاره الله) وتستقرئ رسائل النور - التي أفكر فيها دوماً - حتى الغارقين في الغفلة المتسنّمين وظائف دنيوية مرموقة فاتحة ميادين عمل جديدة في ساحات أخرى.

انه ازاء آلام كلٍ منكم وحسراته، المتجمعة عليّ والتي تمسّ عطفي ورقتي إليكم كثيراً، فضلاً عن آلامي، و وقوع هذه المصيبة في شهر رمضان المبارك الذي كل ساعة منه في حكم مائة ساعة، يجعل كل ساعة من تلك الاثوبة المائة بمثابة عشر ساعات من العبادة، حتى يبلغ الألف ساعة من العبادة.

ثم ان الذين درسوا رسائل النور من أمثالكم المخلصين وفهموها حق الفهم، وأدركوا ان الدنيا فانية عابرة، وأنها ليست الاّ متجراً موقتاً، والذين ضحّوا بكل ما يملكون في سبيل إيمانهم وآخرتهم، واعتقدوا ان المشقات الزائلة التي يعانونها في هذه المدرسة اليوسفية لذائذ دائمة وفوائد خالدة، قد بدّلت - هذه الفوائد - التألم لحالكم والبكاء عليكم النابع من العطف الشديد، إلى حالة تهنئة وتقدير لثباتكم،

فقلت بدوري: الحمد لله على كل حال سوى الكفر والضلال.

فأمثال هذه الفوائد التي تخصني، هناك فوائد تخصكم، وتخص اخوتنا، وتخص رسائل النور، وشهرنا المبارك، شهر رمضان، بحيث لو رفع الحجاب، لحملتكم تلك الفوائد على القول: (يارب لك الحمد والشكر، حقاً ان هذا البلاء النازل بنا عناية بحقنا).

وأنا مطمئن من هذا ومقتنع به.

لا تعاتبوا - يا اخوتي- الذين اصبحوا السبب في وقوع الحادثة. ان هذه الخطة الرهيبة الواسعة قد حيكت منذ مدة مديدة، الاّ انها جاءت مخففة معنى وستزول بسرعة بإذن الله

فلا تتألموا بل استرشدوا بالآية الكريمة:

﴿وَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾(البقرة:216).(1)(*)

 

_________________________

(1) الشعاعات/348-350

(*)كليات رسائل النور- سيرة ذاتية ص:346