في الوحدانية سهولة ويسر بدرجة الوجوب

 

قطرة نورية من كليات رسائل النورسي  

هو ان في الوحدانية سهولة ويسراً بدرجة الوجوب، وفي الشرك صعوبة ومشكلات بدرجة الامتناع.

وقد اُثبتت هذه الحقيقة اثباتاً قاطعاً واُظهرت ببراهين دامغة في رسائل عديدة من مجموعة " سراج النور "ولاسيما في المكتوب العشرين، حيث وضّحت مفصلاً، وفي النكتة الرابعة من اللمعة الثلاثين، حيث وضّحت مجملاً، وعلى النحو الآتي:اذا فوّض أمر جميع الاشياء الى ذات الواحد الأحد فان خلق الكون كله وتدبير أمره يكون سهلاً كسهولة خلق شجرة، ويكون خلق الشجرة وانشاؤها سهلاً كسهولة خلق ثمرة واحدة، ويكون إبداع ربيع كامل وادارته سهلاً كسهولة ادارة زهرة واحدة، وتكون تربية نوعٍ يضم ما لا يحد من الافراد وتدبير امرها سهلاً وبلا مشكلات كسهولة ادارة فرد واحد.

بينما اذا فوّض في طريق الشرك خلق فرد واحد الى الاسباب والطبيعة فانه يكون صعباً كصعوبة خلق النوع، بل الانواع، ويكون ايجاد بذرة واحدة عسيراً كخلق الشجرة، بل مائة شجرة. ويكون ايجاد شجرة وانشاؤها واحياؤها وادارتها ورعايتها وتدبير امورها ذات مشكلات عويصة كادارة الكون كله بل اكثر منها.

وحيث ان هذا الامر قد اثبت في " سراج النور " على هذه الصورة، ونحن نشاهد وفرة في المخلوقات مع منتهى الاتقان والجودة، حتى أن كل ذي حياة وهي كماكنة خارقة تضم اجهزة كثيرة يُخلق بوفرة مطلقة وبسهولة متناهية بلا معالجة ولاتكلّف وفي لمح البصر. مما يبين لنا بالضرورة وبالبداهة؛ أن تلك الوفرة وتلك السهولة ناشئتان من الوحدانية، ومن كونهما افعال واحد أحد. اذ خلاف ذلك لاينعدم الرخص والوفرة والسرعة والسهولة والاتقان وحدها بل لايمكن ايضاً شراء ثمرة قيمتها خمس بارات(1) فقط بخمسمائة ليرة (2)، بل تكون نادرة جداً الى حد العدم.

وان السهولة المشاهدة في ايجاد الاحياء واليسر في ايجادها المنظم كيسر وانتظام عمل الساعة او المكائن الكهربائية التي تعمل بمجرد مس مفتاحها.. اقول هذه السهولة المشاهدة في ايجاد الاحياء ويسر ايجادها تصبحفي طريق الشرك من الصعوبة والمشكلات بدرجة الامتناع.

وان الاحياء التي تُولد في يوم او في ساعة بل في دقيقة واحدة وتأتي الى الحياة والدنيا مع كامل اجهزتها وشرائط حياتها، لاتأتي الى الوجود في طريق الشرك في سنة بل ولا في عصر بل ولاتأتي اليه اصلاً.

وقد اثبت في " سراج النور " في اكثر من مائة موضع اثباتاً جازماً، يلزم حتى اعتى معاند مكابر، أنه: اذا اسندت جميع الاشياء الى ذات الواحد الاحد جل وعلا، فان الخلق والايجاد يكون كخلق شئ واحد ويتم في سرعة فائقة، وفي رخص وموفورية.

بينما اذا اسندت واعطيت حصة الى الاسباب والطبيعة، فان ايجاد شئ واحد يكون صعباً معضلاً وبطيئاً وتافهاً لا أهمية له، باهظاً غالياً، كجميع الاشياء.

وان شئت ان ترى براهين هذه الحقيقة فانظر الى المكتوب العشرين والمكتوب الثالث والثلاثين. وانظر الى الكلمة الثانية والعشرين، والكلمة الثانية والثلاثين. وانظر الى اللمعة الثالثة والعشرين الخاصة بالطبيعة واللمعة الثلاثين الخاصة بتجليات الاسم الاعظم، ولاسيما النكتة الرابعة والسادسة منها الباحثة عن اسم الفرد واسم القيوم. فترى ان هذه الحقيقة قد اثبتت في تلك الرسائل اثباتاً يقيناً كضرب الاثنين في اثنين يساوي اربعاً.

اما هنا فسنشير الى برهان واحد من تلك المئات من البراهين. وعلى النحو الآتي:

إن ايجاد الاشياء، إما من العدم، أو بالانشاء اي بالتركيب، حيث تجمع من العناصر وتجمع من الموجودات.

فاذا اسند الايجاد والخلق الى الواحد الأحد، فلابد أن يكون للذات الجليلة علم محيط بكل شئ، وقدرة مهيمنة على كل شئ.

لذا فان اعطاء وجود خارجي للاشياء التي صورتها ووجودها العلمي في علمه سبحانه، واخراجها من عدم ظاهري، امر سهل جداً، لاأسهل منه، كسهولة امرار مادة كيمياوية على كتابة مخفية، لأجل اظهارها، او نقل الصورة من عدسة الكاميرا الى الورق الحساس. وهكذا الاشياء التي تصاميمها وبرامجها ومقاديرها المعنوية موجودة في علم الصانع الجليل يخرجها جلّ وعلا بأمر كن فيكون من عدم ظاهري الى وجود خارجي.

أما إن كان الخلق انشاءً وتركيباً، وليس من العدم، فان جمعه من العناصر والموجودات هو الآخر سهل جداً، إذ كما ان اجتماع الجنود المتفرقين المنتمين لطابور معين، بصوت من بوق، وأخذ كل منهم وضعاً منتظماً، أمر سهل، وان الجنود كلهم يكونون بمثابة قوة ساندة لقائدهم وقانونه النافذ وعينه الباصرة لأجل تسهيل عملية السوق العسكري والحفاظ على وضع معين.

كذلك تساق الذرات المنضوية تحت قيادة رب العالمين بدساتير قدره وعلمه وبقوانين قدرته المهيمنة وتصبح الموجودات التي لها مساس مع تلك الذرات بمثابة قوة ذلك السلطان وقانونه وموظفيه وسائل تسهيل وتيسير. فتأتي تلك الذرات لتشكيل وجود كائن حي، فتدخل ضمن مقدار معين كقالب معنوي علمي وقدري، وتقف هناك.

ولكن اذا اُسند خلق الاشياء الى أيدٍ متفرقة عديدة، والى امثال الاسباب والطبيعة. فان اي سبب كان لايقدر على ايجاد شئ من العدم ومن اية جهة كانت، وهذا مايتفق عليه جميع اهل العقل. لأن ذلك السبب لايملك علماً محيطاً بكل شئ ولاقدرة مهيمنة على كل شئ؛ لذا لايكون ذلك العدم عدماً ظاهرياً وخارجياً وحده بل يكون ايضاً عدماً مطلقاً. والعدم المطلق لايكون قطعاً منشأً لوجود، لذا لابد أن يُركّب.

والحال ان تركيب وانشاء جسم ذبابة واحدة او زهرة واحدة يقتضي جمع جميع ذراته من سطح الارض كافة بعد تصفيتها وتنقيتها بمصاف معينة دقيقة، ولايمكن ذلك الاّ بعد مشكلات عديدة، وحتى بعد مجيئها فإن المحافظة عليها في وضع منتظم دون ان تتبعثر وتتشتت داخل ذلك الجسم امر عسير آخر لعدم وجود قوالب معنوية علمية، اذ يلزم وجود قوالب مادية وطبيعية بعدد اعضاء ذلك الكائن، كي يتشكل ذلك الجسم للكائن..

وهكذا فان اسناد خلق جميع الاشياء الى واحد أحد، يولد سهولة متناهية بدرجة الوجوب واللزوم، بعكس اسناده الى الاسباب  العديدة الذي يولد مشكلات وصعوبات بدرجة المحال. فلو فوّض امر كل شئ الى الواحد الاحد جل وعلا لأصبح الموجود في غاية النفاسة مع الوفرة المطلقة، وفي غاية الاتقان مع منتهى الحكمة والقوة، بينما لو اسند في طريق الشرك الى الاسباب المتعددة والطبيعة يكون الموجود في منتهى الغلاء مع انه في منتهى التفاهة والتشوه والضعف. لأنه كما ان أحداً بصفة الجندية يحمل قوة معنوية بانتسابه الى قائد عظيم واستناده اليه، اذ يمكن أن يُحشّد له جيشاً عظيماً اذا لزم الامر. فضلاً عن ان قوة ذلك القائد والجيش تكون قوة احتياطية له، فتتضاعف قوته الشخصية الى الوف الاضعاف فيكسب قدرة مادية علاوة على عدم اضطراره الى حمل منابع تلك القوة التي انتسب اليها ولا الى حمل مخازن عتاده حيث الجيش ينقلها، لذا يستطيع ذلك الجندي على أسر مشير لدى العدو، وعلى تهجير مدينة كاملة، وتسخير قلعة عظيمة، فيكون أثره خارقاً وذا قيمة واعتبار. ولكن اذا ماترك ذلك الشخص الجندية واصبح سائباً، فانه يفقد كلياً تلك القوة المعنوية الخارقة وتلك القدرة الخارقة والاقتدار الخارق، ويصبح انساناً اعتيادياً لايقدر على شئ الاّ بقدر قوته الشخصية من امور بسيطة جزئية لا أهمية لها، فيصغر تأثيره بتلك النسبة.

وعلى غرار هذا تماماً، ففي طريق التوحيد يستند كل شئ وينتسب الى القدير الجليل، لذا فكما تغلب نملة فرعوناً وبعوضة نمروداً وجرثومة جباراً عنيداً وكما تحمل بذيرة صغيرة على كتفها شجرة ضخمة كالجبل، فضلاً عن كونها منشأ ومخزن جميع آلات تلك الشجرة واجهزتها، فان كل ذرة ايضاً يمكن ان تؤدي وظائف لاتحد بذلك الاستناد والانتساب كتشكيل الصور والاجسام التي تحمل مئات الالوف من الاتقان والانواع والانماط والاشكال. وتصبح الاثار التي تؤديها تلك المأمورات اللطيفات وهذه المجندات الصغيرات في منتهى الكمال والاتقان والنفاسة والجودة؛ لأن الذي

يصنع تلك الآثار هو القدير ذو الجلال قد وضع في يد تلك الموظفات هذه الآثار وجعلهن ستاراً لقدرته.

ولكن اذا ما اسند الامر الى الاسباب، كما هو في طريق الشرك، فان تأثير النملة يصبح تافهاً ضئيلاً كالنملة نفسها واتقان الذرة لايعّد شيئاً كالذرة نفسها، بمعنى ان كل شئ يسقط معنىً كما يسقط مادة ايضاً بحيث لاتُشـــترى الدنيا عندئذٍ بشروى نقير.

فما دامت الحقيقة هي هذه، وان كل شئ في غاية النفاسة والابداع والقوة والمغزى العميق كما هو مشاهد، فلاريب انه لاطريق غير طريق التوحيد، واذا ماوجد طريق غيره فيلزم تبديل الموجودات وافراغ الدنيا في العدم واملاؤها مجدداً بامور تافهة بدلاً منها، ليفتح طريقاً أمام الشرك ليسلكه!!

وها قد سمعت مجمل برهان واحد يخص التوحيد من مئات البراهين الموضحة في رسائل النور.(*)

 

_________________ 

(1) بارة: كلمة معربة من الفارسية، وهي قطعة من النقد تساوي ربع من القرش، وهي نقد صغير من النحاس. (المعجم الاقتصادي الاسلامي) - المترجم.

(2) ليرة: عملة ذهبية مقسمة الى مائة قرش (المعجم الاقتصادي) - المترجم.

(*) كليات رسائل النور – الشعاعات  ص: 28